Tafsir al-Mizan
تفسير الميزان - العلامة الطباطبائي
وبذلك يظهر معنى انتقال الروح القديمة في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فالروح متحد الوجود مع البدن بوجه وهو النطفة وما يمدها من دم الحيض وهي المتحدة مع بدني الأبوين وهما مع النطفة وهلم جرا، فما يجري على الإنسان متعين في الجملة في وجود آبائه وأمهاته، مشهود في صور أشخاصهم، وهو بوجه كالفهرس المأخوذ من الكتاب الموضوع قبله.
وبه يظهر معنى قوله (عليه السلام): فيوحي الله عز وجل إليهما أي إلى الملكين أن ارفعا رءوسكما إلى رأس أمه، وذلك أن الذي لأبيه من شرح قضائه وقدره قد انقطع عنه بانفصال النطفة، فما بقي متصلا به إلا أمه، وهو قوله (عليه السلام): فإذا اللوح يقرع جبهة أمه والجبهة مجتمع حواس الإنسان وطليعة وجهه فينتظران فيه فيجدان في اللوح صورته وزينته وأجله وميثاقه سعيدا أو شقيا وجميع شأنه، فيملي أحدهما على صاحبه فنسبتهما شبيهة نسبة الفاعل والقابل فيكتبان جميع ما في اللوح.
قوله (عليه السلام): ويشترطان البداء فيما يكتبان، وذلك لعدم اشتمال صورته على تمام علل حوادثه المستقبلة، فإن الصورة وإن كانت مبدأ لجميع ما يجري على الإنسان من أحواله والحوادث المختصة به لكن ليست بالمبدإ كله بل للأمور والحوادث الخارجة عنه دخالة في ذلك، ولذلك كان الذي يتراءى منها من الحوادث غير حتمي الوقوع، فكانت مظنة للبداء.
واعلم: أن نسبة تفاصيل الولادة إلى تحريك الله سبحانه الرجل، ووحيه إلى الرحم، وإرسال الملكين الخلاقين والملك الزاجر إلى غير ذلك لا ينافي استناد هذه الحوادث ومنها الولادة إلى أسبابها الطبيعية، فإن هذين القبيلين من الأسباب أعني الأسباب المعنوية والأسباب المادية واقعان أحدهما في طول الآخر لا في عرضه حتى يبطل أحدهما الآخر، أو يتدافعا فيبطلا معا، أو يعود الأمر إلى تركب العلة التامة من مجموع السببين، بل كل منهما علة تامة لكن في مرتبته.
فمن أقامه الله سبحانه لهداية الناس إلى سعادتهم المعنوية وسلوكهم إلى مرضاته وهم الأنبياء (عليهم السلام) والطريق طريق الباطن - فإنما وظيفته أن يكلم الناس بلسان يسلك بهم مسلك الباطن ويذكرهم مقام ربهم في جميع بياناته، وهو توسيط الملائكة واستناد الحوادث إلى أعمالهم، ونسبة السعادة إلى تأييدهم، ونسبة الشقاء بخصوصياته إلى الشياطين وتسويلهم، ونسبة الجميع إلى الله سبحانه على ما يليق بساحة قدسه وحضرة ربوبيته، ليستنتج من ذلك صور الهداية والضلال والربح والخسران، وبالجملة جميع شئون الحيوة الآخرة، وهم مع ذلك لم يهملوا أمر الأسباب الطبيعية ولم يضيعوا حقها، فإنها أحد ركني حيوة الإنسان والأساس الذي تستند إليه الحيوة الدنيا، ولا بد للإنسان أن يعرف جملة أمرها كما لا بد له أن يعرف جملة الأمر في الأسباب المعنوية حتى يتم له معرفة نفسه فيعرف ربه.
Page 10