506

2 سورة البقرة - 282 - 283

يأيها الذين ءامنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذى عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذى عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسئموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهدة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجرة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شىء عليم (282) * وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهن مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمنته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهدة ومن يكتمها فإنه ءاثم قلبه والله بما تعملون عليم (283)

بيان

قوله تعالى: إذا تداينتم "إلخ"، التداين، مداينة بعضهم بعضا، والإملال والإملاء إلقاء الرجل للكاتب ما يكتبه، والبخس هو النقص والحيف والسأمة هي الملال، والمضارة مفاعلة من الضرر ويستعمل لما بين الاثنين وغيره.

والفسوق هو الخروج عن الطاعة.

والرهان، وقرىء فرهن بضمتين وكلاهما جمع الرهن بمعنى المرهون.

والإظهار الواقع في موقع الإضمار في قوله تعالى: فإن كان الذي عليه الحق، لرفع اللبس برجوع الضمير إلى الكاتب السابق ذكره.

والضمير البارز في قوله: أن يمل هو فليملل وليه، فائدته تشريك من عليه الحق مع وليه، فإن هذه الصورة تغاير الصورتين الأوليين بأن الولي في الصورتين الأوليين هو المسئول بالأمر المستقل فيه بخلاف هذه الصورة فإن الذي عليه الحق يشارك الولي في العمل فكأنه قيل: ما يستطيعه من العمل فعليه ذلك وما لا يستطيعه هو فعلى وليه.

وقوله: أن تضل إحداهما، على تقدير حذر أن تضل إحداهما، وفي قوله: إحداهما الأخرى وضع الظاهر موضع المضمر، والنكتة فيه اختلاف معنى اللفظ في الموضعين، فالمراد من الأول إحداهما لا على التعيين، ومن الثاني إحداهما بعد ضلال الأخرى، فالمعنيان مختلفان.

وقوله واتقوا أمر بالتقوى فيما ساقه الله إليهم في هذه الآية من الأمر والنهي، وأما قوله: ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم، فكلام مستأنف مسوق في مقام الامتنان كقوله تعالى في آية الإرث: "يبين الله لكم أن تضلوا:" النساء - 176، فالمراد به الامتنان بتعليم شرائع الدين ومسائل الحلال والحرام.

وما قيل: إن قوله: واتقوا الله ويعلمكم الله يدل على أن التقوى سبب للتعليم الإلهي، فيه أنه وإن كان حقا يدل عليه الكتاب والسنة، لكن هذه الآية بمعزل عن الدلالة عليه لمكان واو العطف على أن هذا المعنى لا يلائم سياق الآية وارتباط ذيلها بصدرها.

ويؤيد ما ذكرنا تكرار لفظ الجلالة ثانيا فإنه لو لا كون قوله ويعلمكم الله، كلاما مستأنفا كان مقتضى السياق أن يقال: يعلمكم بإضمار الفاعل، ففي قوله تعالى: واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم، أظهر الاسم أولا وثانيا لوقوعه في كلامين مستقلين، وأظهر ثالثا ليدل به على التعليل، كأنه قيل: هو بكل شيء عليم لأنه الله.

واعلم: أن الآيتين تدلان على ما يقرب من عشرين حكما من أصول أحكام الدين والرهن وغيرهما، والأخبار فيها وفيما يتعلق بها كثيرة لكن البحث عنها راجع إلى الفقه، ولذلك آثرنا الإغماض عن ذلك فمن أراد البحث عنها فعليه بمظانه من الفقه.

Page 250