484

قوله تعالى: وما يذكر إلا أولوا الألباب، اللب هو العقل لأنه في الإنسان بمنزلة اللب من القشر، وعلى هذا المعنى استعمل في القرآن، وكان لفظ العقل بمعناه المعروف اليوم من الأسماء المستحدثة بالغلبة ولذلك لم يستعمل في القرآن وإنما استعمل منه الأفعال مثل يعقلون.

والتذكر هو الانتقال من النتيجة إلى مقدماتها، أو من الشيء إلى نتائجها، والآية تدل على أن اقتناص الحكمة يتوقف على التذكر، وأن التذكر يتوقف على العقل، فلا حكمة لمن لا عقل له.

وقد مر بعض الكلام في العقل عند البحث عن ألفاظ الإدراك المستعملة في القرآن الكريم.

قوله تعالى: وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه، أي ما دعاكم الله سبحانه إليه أو دعوتم أنفسكم إليه بإيجابه عليها بالنذر من بذل المال فلا يخفى على الله يثيب من أطاعه ويؤاخذ من ظلم، ففيه إيماء إلى التهديد، ويؤكده قوله تعالى: وما للظالمين من أنصار.

وفي هذه الجملة أعني قوله: وما للظالمين من أنصار، دلالة أولا: على أن المراد بالظلم هو الظلم على الفقراء والمساكين في الإمساك عن الإنفاق عليهم، وحبس حقوقهم المالية، لا الظلم بمعنى مطلق المعصية فإن في مطلق المعصية أنصارا ومكفرات وشفعاء كالتوبة، والاجتناب عن الكبائر، وشفعاء يوم القيامة إذا كان من حقوق الله تعالى، قال تعالى: "لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إلى أن قال: وأنيبوا إلى ربكم:" الزمر - 54، وقال تعالى: "إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم:" النساء - 31، وقال تعالى: "ولا يشفعون إلا لمن ارتضى:" الأنبياء - 28، ومن هنا يظهر: وجه إتيان الأنصار بصيغة الجمع فإن في مورد مطلق الظلم أنصارا.

وثانيا: أن هذا الظلم وهو ترك الإنفاق لا يقبل التكفير ولو كان من الصغائر لقبله فهو من الكبائر، وأنه لا يقبل التوبة، ويتأيد بذلك ما وردت به الروايات: أن التوبة في حقوق الناس غير مقبولة إلا برد الحق إلى مستحقه، وأنه لا يقبل الشفاعة يوم القيامة كما يدل عليه قوله تعالى: "إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين إلى أن قال: فما تنفعهم شفاعة الشافعين:" المدثر - 48.

وثالثا: أن هذا الظالم غير مرتضى عند الله إذ لا شفاعة إلا لمن ارتضى الله دينه كما مر بيانه في بحث الشفاعة، ومن هنا تظهر النكتة في قوله تعالى: ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله، حيث أتى بالمرضاة ولم يقل ابتغاء وجه الله.

ورابعا: أن الامتناع من أصل إنفاق المال على الفقراء مع وجودهم واحتياجهم من الكبائر الموبقة، وقد عد تعالى الامتناع عن بعض أقسامه كالزكاة شركا بالله وكفرا بالآخرة، قال تعالى: "ويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكوة وهم بالآخرة هم كافرون:" فصلت - 7، والسورة مكية ولم تكن شرعت الزكاة المعروفة عند نزولها.

قوله تعالى: إن تبدوا الصدقات فنعما هي "إلخ"، الإبداء هو الإظهار، والصدقات جمع صدقة، وهي مطلق الإنفاق في سبيل الله أعم من الواجب والمندوب وربما يقال: إن الأصل في معناها الإنفاق المندوب.

وقد مدح الله سبحانه كلا من شقي الترديد، لكون كل واحد من الشقين ذا آثار صالحة، فأما إظهار الصدقة فإن فيه دعوة عملية إلى المعروف، وتشويقا للناس إلى البذل والإنفاق، وتطييبا لنفوس الفقراء والمساكين حيث يشاهدون أن في المجتمع رجالا رحماء بحالهم، وأموالا موضوعة لرفع حوائجهم، مدخرة ليوم بؤسهم فيؤدي إلى زوال اليأس والقنوط عن نفوسهم، وحصول النشاط لهم في أعمالهم، واعتقاد وحدة العمل والكسب بينهم وبين الأغنياء المثرين، وفي ذلك كل الخير، وأما إخفاؤها فإنه حينئذ يكون أبعد من الرياء والمن والأذى، وفيه حفظ لنفوس المحتاجين عن الخزي والمذلة، وصون لماء وجوههم عن الابتذال، وكلاءة لظاهر كرامتهم، فصدقة العلن أكثر نتاجا، وصدقة السر أخلص طهارة.

ولما كان بناء الدين على الإخلاص وكان العمل كلما قرب من الإخلاص كان أقرب من الفضيلة رجح سبحانه جانب صدقة السر فقال: وإن تخفوها وتعطوها الفقراء فهو خير لكم فإن كلمة خير أفعل التفضيل، والله تعالى خبير بأعمال عباده لا يخطىء في تمييز الخير من غيره، وهو قوله تعالى: والله بما تعملون خبير.

Page 228