Tafsir and the Exegetes
التفسير والمفسرون
Maison d'édition
مكتبة وهبة
Lieu d'édition
القاهرة
فعطف "عبد" على موضع "دينار"، فإنه منصوب فى المعنى، ومن ذلك قول الشاعر:
جئنى بمثل بنى بدر لقومهم ... أو مثل إخوة منظور بن سيار
فإنه لما كان معنى "جئنى": هات وأحضر لى مثلهم، عطف بالنصب على المعنى، وأجابوا الأوَّلين عما ذكروه فى وجه الجر والنصب بأجوبة نوردها على وجه الإيجاز.. قالوا: ما ذكروه أولًا من أن المراد بالمسح الغسل فباطل من وجوه:
أحدها: أن فائدة اللَّفظين فى اللُّغة والشرع مختلفة، وقد فرَّق الله سبحانه بين الأعضاء المغسولة وبين الأعضاء الممسوحة، فكيف يكون معنى المسح والغسل واحدًا؟
وثانيها: أن الأرجل إذا كان معطوفًا على الرؤوس، وكان الفرض فى الرؤوس المسح الذى ليس بغسل بلا خلاف، فيجب أن يكون حكم الأرجل كذلك، لأن حقيقة العطف تقتضى ذلك.
وثالثها: أن المسح لو كان بمعنى الغسل لسقط استدلالهم بما رووه عن النبى ﷺ أنه توضأ وغسل رجليه، لأن على هذا لا ينكر أن يكون مسحهما فسمُّوا المسح غسلًا وفى هذا ما فيه.
فأما استشهاد أبى زيد بقولهم: تمسَّحْتُ للصلاة، فالمعنى فيه: أنهم لما أرادوا أن يُخبروا عن الطهور بلفظ موجز ولم يجز أن يقولوا: تغسَّلْتُ للصلاة، لأن ذلك تشبيه بالغُسل، قالوا بدلًا من ذلك تمسَّحْتُ، لأن المغسول من الأعضاء ممسوح أيضًا فتجوَّزوا لذلك تعويلًا على أن المراد مفهوم، وهذا لا يقتضى أن يكونوا جعلوا المسح من أسماء الغسل.
وأما ما قالوا فى تحديد طهارة الرِجْلين فقد ذكر المرتضى فى الجواب عنه: أن ذلك لا يدل على الغسل، وذلك لأن المسح فعل قد أوجبته الشريعة كالغسل فلا يُنكر تحديده كتحديد الغسل، ولو صرَّح ﷾ فقال: وامسحوا أرجلكم وانتهوا بالمسح إلى الكعبين لم يكن منكرًا. فإن قالوا: إن تحديد اليدين لما اقتضى الغسل فكذلك تحديد الرِجْلين يقتضى الغسل، قلنا: إنَّا لم نوجب الغسل فى اليدين للتحديد بل للتصريح بغسلهما، وليس كذلك فى الرِجْلين، وإن قالوا: عطف المحدود على المحدود أولى وأشبه بترتيب الكلام. قلنا: هذا لا يصح، لأن الأيدى محدودة وهى معطوفة على الوجوه التى ليست فى الآية محدودة، فإذن جاز عطف الأرجل وهى محدودة، على الرؤوس التى ليست بمحدودة، وهذا أشبه مما ذكرتموه، لأن الآية تضمنت ذكر عضو مغسول غير محدود وهو الوجه، وعطف عضو محدود مغسول عليه، ثم استؤنف ذكر عضو ممسوح غير محدود، فيجب أن يكون "أرجل" ممسوحة محدودة
2 / 88