272

تفسير العثيمين: فاطر

تفسير العثيمين: فاطر

Maison d'édition

مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية

Édition

الأولى

Année de publication

١٤٣٦ هـ

Lieu d'édition

المملكة العربية السعودية

ولا عند الله بل أَطْلَقَ، فأخْسَرُ النَّاس هم الكُفَّارُ؛ خسروا - كما قلنا في التَّفْسير - أَنْفُسَهم وأَهْليهم ودنياهم وآخِرَتَهم، وشخصٌ خَسِرَ كُلَّ هذه الجهات ليس له رِبْحٌ، فأعْظَمُ النَّاس خُسْرانًا هم الكافرون.
فإذا قال قائل: هل نَسْتَعْمِلُ هنا قياسَ العَكْس؛ فنقول: إذا كان الكافِرُ أَخْسَرَ النَّاسِ، فأَرْبَحُ النَّاسِ المُؤْمِنُ؟
فالجوابُ: نعم؛ نَسْتَعْمِل هنا قياس العَكْس؛ لأنَّ قياس العَكْس جاءَتْ به السُّنَّة؛ قال النَّبِيُّ ﵊: "وفي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ" قالوا: يا رسول الله، أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ، قال: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الحَرَامِ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ " قالوا: نَعَمْ، قال: "كذلَكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ" (^١).
فكلُّ عَمَلٍ حَلَالٍ تَسْتَغْنِي به عن حرامٍ يكون لك فيه أَجْرٌ.
إذن: المُؤْمِنُ رابِحٌ في مُقابِلِ أنَّ الكافِرَ خاسِرٌ.
وإن شِئْتَ تَلَوْنَا آيَةً صريحةً في هذا؛ قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ١ - ٣] يعني فليسوا في خُسْرٍ بل في رِبْحٍ ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣]، وتجارة المُؤْمِنين تجارةٌ رابِحَةٌ ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩] لن تَهْلِكَ ولن تَخْسَر شيئًا.
وقال النَّبِيُّ ﷺ لأَبي طَلْحَة لمَّا قال: يا رسول الله، إنَّ الله أنزل قَوْله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وإنَّ أَحَبَّ مالي إلِيَّ بَيْرُحاءُ،

(^١) أخرجه مسلم: كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، رقم (١٠٠٦)، من حديث أبي ذر الغفاري ﵁.

1 / 276