327

Tafsir al-Qur'an al-Karim

تفسير القرآن الكريم

Régions
Égypte
تفسير قوله تعالى: (وإذا قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى)
قال الله تعالى مبينًا كيف أنه يتولى عباده فيخرجهم من الظلمات إلى النور، ويؤيدهم بالحجة والبراهين: (وإذ) يعني: واذكر إذ؛ ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠]، ليصير علمي عين يقين بالرؤية بعدما كان عندي علم يقين؛ لأن العلم درجات: علم يقين، وعين يقين، وحق يقين.
لو أخبرتك بأن في هذه الحجرة عسلًا وكنت تقطع بصدقي فهذا علم يقين، فإذا فتحت لك الغرفة ودخلت ورأيت بعينك العسل فهذا عين يقين، أما إذا ذقته ووجدت طعمه ومذاقه فهذا حق اليقين؛ فالعلم نفسه على مراتب، فإبراهيم ﵇ أراد أن يترقى من علم اليقين إلى عين اليقين بالمشاهدة عيانًا، وهذا أكمل، وبلا شك أن الإنسان دائمًا يكون مستشرفًا إلى مطالعة ما يخبر عنه، فالذي لم ير الكعبة يكون دائمًا متطلعًا إلى أن يراها، فنحن لا نرى الملائكة، ولذا تجد عندنا استشراف وتطلع إلى أن نرى الملائكة، نريد أن نرى كل ما هو غائب عنا، وهذا من فطرة الإنسان، حب الاستطلاع، والاستزادة في مراتب العلم ودرجاته.
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾، قال تعالى له: أو لم تؤمن بقدرتي على الإحياء؟! سأله مع علمه بإيمانه بذلك ليجيبه بما سأله فيعلم السامعون غرضه، وهذا تنبيه مهم جدًا سنفصله عما قريب إن شاء الله تعالى: «قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى» يعني: آمنت، ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠]، لكن سألتك ليسكن قلبي بالمعاينة المضمومة إلى الاستدلال، يعني: أعرف أنك تحيي الموتى عن طريق الوحي، وعن طريق الاستدلال بالأدلة على البعث والنشور، فأريد أن أضيف إلى ذلك أيضًا دليل المعاينة والرؤيا.
إذًا: المقصود: بلى آمنت، ولكن سألت لأزداد بصيرة وسكون قلب برؤية الإحياء، فقلبي ساكن مطمئن لحقيقة البعث والنشور لما أوتيته من العلم بالوحي، ومما يؤيد هذا التفسير، وينفي الشك عن إبراهيم ﵇ أن الله ﷾ قال في مناقشة إبراهيم ﵇ للنمرود: «إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ»، فإبراهيم ﵇ يعرف أن الله ﷾ هو الذي يحيي ويميت، فهذه الآية بلا شك تدل على نفي الشك عن إبراهيم ﵇.
لكن تضافر الأدلة وتواردها أسكن للقلوب، وأزيد للبصيرة واليقين.

20 / 4