302

Tafsir al-Qur'an al-Karim

تفسير القرآن الكريم

Régions
Égypte
تفسير قوله تعالى: (من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا)
قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة:٢٤٥].
هذا حث من الله تعالى لعباده على الصدقة، وهذه الآية مكررة في الكتاب الكريم في أكثر من موضع، يقول القرطبي: (من ذا الذي يقرض الله) طلب القرض في هذه الآية هو تقريب للناس بما يفهمون، هذا هو الأسلوب الذي يفهم به الناس، وهذا نوع من البساطة في التعبير حتى يفهموا عن الله ﷾ آياته، والله ﷾ هو الغني الحميد، لكنه تعالى شبه إعطاء المؤمنين وإنفاقهم في الدنيا بالقرض، كما شبه إعطاء النفوس والأموال في طلب الجنة بالبيع والشراء كما يأتي في سورة براءة، وكنى الله ﷾ عن الفقير بنفسه العلية المنزهة عن الحاجات ترغيبًا في الصدقة، كما كنى عن المريض والجائع والعطشان بنفسه المقدسة كما في الحديث المعروف.
وأشير هنا إلى أن قوله ﷾: (من ذا الذي يقرض الله) لا نفهم منه كما فهم اليهود -لعنهم الله- حينما قالوا: (إن الله فقير ونحن أغنياء) يسخرون من القرآن الكريم، فقالوا: الله ﷾ يستقرضنا ويسألنا القرض، فالله فقير ونحن أغنياء.
وقد علم ما رد الله ﷾ عليهم في مقالتهم الشنيعة هذه.
ففي حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله ﷿ يقول يوم القيامة: يا ابن آدم! مرضت فلم تعدني! قال: يا رب! كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلان مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟!)، إذًا معنى قله: (مرضت فلم تعدن)، أنك لو أتيته لنلت ثواب عيادة المريض.
(يا ابن آدم! استطعمتك فلم تطعمني! قال: يا رب! وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟! يا ابن آدم! استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب! كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! قال: استسقاك -سألك سقيا الماء- عبدي فلان فلم تسقه، أما علمت أنك لو سقيته وجدت ذلك عندي؟!).
فمن نفس هذا الباب جاء قوله تعالى: «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا»، فهذا كله خرج مخرج التشريف لمن كني عنه ترغيبًا لمن خوطب به.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: (لما نزلت هذه الآية قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله! وإن الله يريد منا القرض؟ قال: نعم يا أبا الدحداح.
قال: أرني يدك يا رسول الله! فناوله يده قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي، وكان له حائط فيه ستمائة نخلة، وفيه أم الدحداح وعيالها، فجاء أبو الدحداح فناداها يا أم الدحداح! قالت: لبيك.
قال: اخرجي؛ فقد أقرضته ربي ﷿.
فكان النبي ﷺ يقول: (رب عرق لـ أبي الدحداح مدلل في الجنة)، وفي رواية: (كم من عذق رداح في الجنة لـ أبي الدحداح).
قوله تعالى: «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا» يعني: طيبة به نفسه بغير من ولا أذى، (فيضاعفه له أضعافًا كثيرة)، وهذا كقوله ﷿: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١].
ولما رغب رهب، فرغب أولًا في إقراضه ﷾ بهذه الآية، ثم أتبعه جملة مرهبة مرغبة فقال: «وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ» أي: يضيق على من يشاء من عباده في الرزق ويوسعه على من يشاء.
وما دام الذي يبسط ويقبض والذي يوسع ويضيق الرزق هو الله ﷾ إذًا فلا تبخلوا بما وسع عليكم؛ لئلا يبدل الله ﷾ السعة التي أودعها فيكم بالتضييق.
«وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» يعني: يوم القيامة فيجازيكم.
قال المهايمي: وكيف ينكر بسط الله وقبضه وهو الذي يعطي الفقير الملك ويسلبه من أهله الملوك الذين هم سلالة الملوك وأبناء الملوك؟! فالله ﷾ يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء، فالملك الذي هو سبط الملوك ومن سلالتهم يمنعه الله الملك ويؤتيه للفقير! وهو أيضًا ﷾ يقوي الضعفاء في الجمع القليل ويضعف الأقوياء في الجمع الكثير، فلا ينكر هذا، وهذا تمهيد بين يدي هذه القصة التي حكاها الله ﷾ عن الملأ من بني إسرائيل، حيث آتى طالوت الملك مع أنه لم يكن من سبط الملوك ولم يكن من سلالة الملوك، وأيضًا نصر جنوده الذي كان فيهم داود ﵇ على قوم جالوت رغم قلة عَدَدِهم وعُدَدِهم بالنسبة إليهم.

18 / 8