310

L'Orientation de l'Esprit Sain vers les Mérites du Livre Noble

تفسير أبي السعود

Maison d'édition

دار إحياء التراث العربي

Lieu d'édition

بيروت

٤٣ - ٤٤ آل عمران
الروحانية بالتكاليف الشرعيةِ المتعلقة بحال كِبَرها قيل كلّموها شِفاهًا كرامةً لها أو ارهاصا لنبوة عيسى ﵊ لمكان الإجماعِ على أنه تعالى لم يستنئ امرأةً وقيل ألهموها
﴿إِنَّ الله اصطفاك﴾ أولًا حيث تقبّلك من أمك بقبولٍ حسن ولم يتقبل غيرَك أنثى وربّاك في حِجْرِ زكريا ﵇ ورزقك من رزق الجنةِ وخصّك بالكرامات السنية
﴿وَطَهَّرَكِ﴾ أي مما يُستقذر من الأحوال والأفعال ومما قذفك به اليهودُ بإنطاق الطفلِ
﴿واصطفاك﴾ آخِرًا
﴿على نِسَاء العالمين﴾ بأن وهبَ لك عيسى ﵊ من غير أب ولم يكُنْ ذلكَ لأحدٍ من النساء وجعلكما آيةً للعالمين فعلى هذا ينبغي أنْ يكونَ تقديمُ حكاية هذه المقاولة على حكاية بشارتِها بعيسى ﵊ لما مر مرارا من التَّنبيه على أنَّ كلًا منهما مستحِقٌّ للاستقلال بالتذكير ولو روعيَ الترتيبُ الخارجيُّ لتبادر كونُ الكل شيئًا واحدًا وقيل المرادُ بالاصطفاءين واحدٌ والتكريرُ للتأكيد وتبيينِ مَن اصطفاها عليهن فحينئذ لا إشكالَ في ترتيب النظم الكريم إذ يُحمل حينئذ الاصطفاءُ على ما ذُكر أولًا وتُجعل هذه المقاولةُ قبل بشارتها بعيسى ﵊ إيذانًا بكونها قبل ذلك متوفرةً على الطاعات والعبادات حسبما أُمِرت بها مجتهدةً فيها مُقْبِلةً على الله تعالى مُتبتِّلةً إليه تعالى منسلخةً عن أحكام البشرية مستعدةً لفيضان الروح عليها
﴿ياَ مَرْيَمُ﴾ تكريرُ النداءِ للإيذان بأن المقصودَ بالخطاب ما يرِدُ بعده وأن ما قبله من تذكير النِعم كان تمهيدًا لذِكره وترغيبًا في العمل بموجبه
﴿اقنتى لِرَبّكِ﴾ أي قومي في الصلاة أو أطيلي القيام فيها له تعالى والتعرضُ لعنوان ربوبيته تعالى لها للإشعار بعلة وجوبِ الامتثالِ بالأمر
﴿واسجدى واركعى مع الراكعين﴾ أُمِرت بالصلاة بالجماعة بذكر أركانها مبالغةً في إيجاب رعايتها وإيذانًا بفضيلة كلَ منها وأصالتِه وتقديمُ السجود على الركوع إما لكون الترتيب في شريعتهم كذلك وإما لكون السجودِ أفضلَ أركانِ الصلاة وأقصى مراتبِ الخضوع ولا يقتضي ذلك كونَ الترتيب الخارجيِّ كذلك بل اللائقُ به الترقي من الأدنى إلى الأعلى وإما لِيَقْترِن اركعي بالراكعين للإشعار بأن من لا ركوعَ في صلاتهم ليسوا مصلّين وأما ما قيل من أن الواوَ لا توجب الترتيبَ فغايتُه التصحيحُ لا الترجيح وتجريدُ الأمر بالرُكنين الأخيرين عما قُيِّد به الأولُ لما أن المراد تقييدُ الأمر بالصلاة بذلك وقد فعل حيث قيد به الركن الأول منها وقيل المرادُ بالقنوت إدامةُ الطاعات كما في قوله تعالى أَمَّنْ هُوَ قانت آناء الليل ساجدا وَقَائِمًا وبالسجود الصلاةُ لما مر من أنه أفضلُ أركانها وبالركوع الخشوعُ والإخباتُ قيل لمّا أُمِرَت بذلك قامت في الصلاة حتى ورِمَتْ قدَماها وسالت دمًا وقيحًا
﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما سلف من الأمور البديعة وما فيه من معنى البعد للتنبيه على علوِّ شأن المُشَارِ إليهِ وبُعْدِ منزلتِه في الفضل وهو مبتدأ خبره قوله تعالى
﴿مِنْ أَنبَاء الغيب﴾ أي من الأنباء المتعلقةِ بالغيب

2 / 35