307

L'Orientation de l'Esprit Sain vers les Mérites du Livre Noble

تفسير أبي السعود

Maison d'édition

دار إحياء التراث العربي

Lieu d'édition

بيروت

٤٠ - آل عمران
نوعا منه وقرئ يُبْشِرُك من الإبشار ويَبْشُرُك من الثلاثي وأيًا ما كان ينبغي أن يكون هذا الكلامُ إلى آخره محكيًا بعبارته عن الله ﷿ على منهاجِ قوله تعالى ﴿قُلْ يا عِبَادِى الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ﴾ الآية كما يلوح به مراجعته ﵊ في الجواب إليه تعالى بالذات لا بواسطة الملك والعدولُ عن إسناد التبشير إلى نون العظمة حسبما وقع في سورة مريمَ للجَريِ على سَنَنِ الكبرياءِ كما في قول الخلفاء أميرُ المؤمنين يرسُم لك بكذا وللإيذان بأن ما حُكي هناك من النداء والتبشير وما يترتبُ عليهِ من المحاورة كان كلُّ ذلك بتوسط الملك بطريق الحِكاية عنه سبحانه لا بالذات كما هو المتبادر وبهذا يتضح اتحادُ المعنى في السورتين الكريمتين فتأمل ويحيى اسمٌ أعجمي وإن جعل عربيًا فمنعُ صرفه للتعريف ووزن الفعل روي عن ابن عباس ﵄ إنما سُمّي يحيى لأن الله تعالى أحيا به عُقرَ أمِه وقال قتادة لأنه تعالى أحيا قلبه بالإيمان قال القرطبيُّ كان اسمُه في الكتاب الأول حيا ولا بُدَّ من تقدير مضافٍ يعود إليه الحالُ أي بولادة يحيى فإن التبشيرَ لا يتعلق بالأعيان
﴿مُصَدّقًا﴾ حال مقدرة من يحيى
﴿بِكَلِمَةٍ مّنَ الله﴾ أي بعيسى ﵊ وإنَّما سمي كلمة لأنه وجد بكلمة كن من غير أب فشابه البديعيات التى هي عالم الأمر ومِنْ لابتداء الغايةِ مجازًا متعلقةٌ بمحذوف وقع صفة لكلمة أي بكلمة كائنةٍ منه تعالى قيل هو أولُ مَن آمنَ به وصدَّقَ بأنه كلمةُ الله ورُوحٌ منه وقال السدي لقِيَتْ أم يحيى أم عيسى فقالت يا مريم أشَعرتِ بحبَلي فقالت مريم وأنا أيضًا حُبلى قالت فإني وجدتُ ما في بطنى يسجد لما في بطنك فذلك قوله تعالى مُصَدّقًا بِكَلِمَةٍ الخ وقالَ ابنُ عباسٍ ﵄ أن يحيى كان أكبرَ من عيسى عليهما الصلاة والسلام بستة أشهرٍ وقيل بثلاث سنين وقتل قبل رفعِ عيسى عليهما الصلاة والسلام بمدة يسيرةٍ وعلى كل تقديرٍ يكون بين ولادة يحيى وبين البشارة بها زمانٌ مديد لما أن مريمَ ولَدت وهي بنتُ ثلاثَ عشْرةَ سنةً أو بنتُ عشرِ سنين وقيل بِكَلِمَةٍ مّنَ الله أي بكتابِ الله سمّي كلمةً كما قيل كلمة الحويدرة لقصيدته
﴿وَسَيّدًا﴾ عطفٌ على مصدقًا أي رئيسًا يسود قومَه ويفوقهم في الشرف وكان فائقًا للناس قاطبةً فإنه لم يُلِمَّ بخطيئة ولم يَهُمَّ بمعصية فيا لها من سيادة ما أسناها
﴿وَحَصُورًا﴾ عطف على ما قبله أي مبالِغًا في حصر النفس وحبسِها عن الشهوات مع القدرة روي أنه مرَّ في صباه بصبيان فدعَوْه إلى اللعب فقال ما للعب خلقت
﴿وَنَبِيّا﴾ عطف على ما قبله مترتب على ما عُدِّد من الخصال الحميدة
﴿مّنَ الصالحين﴾ أي ناشئًا منهم لأنه كان من أصلاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو كائنًا من جملة المشهورين بالصلاح كما في قوله تعالى ﴿وَإِنَّهُ فِى الأخرة لَمِنَ الصالحين﴾ والمراد بالصلاح ما فوق الصلاحِ الذي لا بد منه في منصِب النبوة البتة من أقاصي مراتبه وعليه مبنيٌّ دعاءُ سليمانَ ﵇ ﴿وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصالحين﴾
﴿قال﴾ استئناف مبني على السؤالِ كأنَّه قيلَ فماذَا قال زكريا ﵊ حينئذٍ فقيل قال
﴿رَبّ﴾ لم يخاطِب الملَكَ المناديَ له بملابسة أنه المباشرُ للخطاب وإن كان ذلك بطريق الحكاية عنه تعالى بل جرى على نهجُ دعائه السابق مبالغةً في التضرع والمناجاة وجِدًّا في التبتل إليه تعالى واحترازًا عما عسى يوهم

2 / 32