300

L'Orientation de l'Esprit Sain vers les Mérites du Livre Noble

تفسير أبي السعود

Maison d'édition

دار إحياء التراث العربي

Lieu d'édition

بيروت

٣٢ - ٣٣ آل عمران
باتباع نبيِّه ﵊ فهو تذييلٌ مقررٌ لمَا قبلَهُ مع زيادة وعد الرحمةِ ووضعُ الاسمِ الجليلِ موضعَ الضمير للإشعار باستتباع وصفِ الألوهية للمغفرة والرحمة روي أنها نزلت لما قالت اليهودُ نحنُ أبناءُ الله وأحباؤُه وقيل نزلت في وفد نجرانَ لما قالوا إنا نعبدُ المسيحَ حبًا لله تعالى وقيل في أقوام زعَموا على عهدِه ﵊ أنهم يُحبون الله تعالى فأُمروا أن يجعلوا لقولهم مصداقا من العمل ورَوَى الضحَّاكُ عنِ ابنِ عباس ﵄ أن النبيِّ ﷺ وقف على قريش وهم في المسجد الحرام يسجدون للأصنام وقد علقوا عليها بيض النعام وجعلوا في آذانها الشنوف فقال رسول الله ﷺ يا معشر قريش لقد خالفتم ملة إبراهيم وإسمعيل عليهما الصلاة والسلام فقالت قريش إنما نعبدها حبا لله تعالى لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى فقال الله تعالى لنبيه ﵊ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله تعالى وتعبدون الأصنام لتقربكم إليه فاتبعونى أي اتبعوا اشريعتى وسنتى يحببكم الله فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم
﴿قُلْ أَطِيعُواْ الله والرسول﴾ أي في جميع الأوامرِ والنواهي فيدخلُ في ذلك الطاعة في أتباعِه ﵊ دخولًا أوليًا وإيثارُ الإظهار على الإضمار بطريق الالتفات لتعيين حيثية الإطاعة والإشعارِ بعلّتها فإن الإطاعة المأمورَ بها إطاعته ﵊ من حيث إنه رسولُ الله لا من حيث ذاتُه ولا ريبَ في أن عنوان الرسالة من موجبات الإطاعةِ ودواعيها
﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ إما من تمام مقولِ القول فهي صيغة المضارعِ المخاطَب بحذف إحدى التاءين أي تتولوا وإما كلام متفرِّعٌ عليه مَسوقٌ من جهتِه تعالَى فهي صيغةُ الماضي الغائب وفي ترك ذكر احتمال الإطاعة كما في قوله تعالى فَإِنْ أَسْلَمُواْ تلويحٌ إلى أنه غيرُ محتمَلٍ منهم
﴿فَإِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الكافرين﴾ نفي المحبة كنايةٌ عن بغضه تعالى لهم وسُخطِه عليهم أي لا يرضى عنهم ولا يثني عليهم وإيثارُ الإظهارِ على الإضمار لتعميم الحكمِ لكل الكفَرَة والإشعار بعلّته فإن سخطه تعالى عليهم بسبب كفرهم والإيذان بأن التولّيَ عن الطاعة كفرٌ وبأن محبته ﷿ مخصوصة بالمؤمنين
﴿إِنَّ الله اصطفى آدَمَ ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران عَلَى العالمين﴾ لما بين الله تعالى أن الدين المرضيِّ عنده هو الإسلامُ والتوحيدُ وأن اختلاف أهل الكتابين فيه إنما هو للبغي والحسد وأن الفوز برضوانه ومغفرته ورحمته منوط باتباع الرسول ﷺ وطاعته شرَعَ في تحقيق رسالته وكونِه من أهل بيت النبوة القديمةِ فبدأ ببيان جلالةِ أقدارِ الرسلُ عليهم الصلاة والسلام كافةً وأتبعه ذكرَ مبدأ أمرِ عيسى ﵊ وأمِّه وكيفيةِ دعوتِه للناس إلى التوحيد والإسلام تحقيقًا للحق وإبطالًا لما عليه أهلُ الكتابين في شأنهما من الإفراط والتفريط ثم بين بطلانَ مُحاجّتهم في إبراهيمَ ﵊ وادعائهم الانتماءَ إلى ملته ونزّه ساحتَه العلية عمَّا هُم عليهِ من اليهودية والنصرانية ثم نص على أن جميعَ الرسلُ عليهم الصلاة والسلام دعاةٌ إلى عبادة الله ﷿ وحده وطاعتِه منزَّهون عن احتمال الدعوة إلى عبادة

2 / 25