Détail des deux naissances et acquisition des deux bonheurs
تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين
Maison d'édition
دار مكتبة الحياة
Lieu d'édition
بيروت - لبنان
الباب الثاني
في ذكر أجناس الموجودات وموضع الإنسان منها
إعلم أن الله تعالى هو الواجب الوجود الذي لا سبب لوجوده بل هو سبب كل موجود. وكلُّ موجود فمنه وبه تعالى وجوده. والموجودات ضربان: المعقولات العلوية والمحسوسات السفلية، وإيجاده تعالى للمعقولات العلوية قبل إيجاده للمحسوسات السفلية، كما رُوي أنه أول ما خلق الله تعالى القلم ثم اللوح، وقال: اجر بما هو كائن إلى يوم القيامة. وروي أنه أول ما خلق الله العقل فقال له: أقبل. فأقبل ثم قال له: أدبر. فأدبر فقال: بعزتي وجلالي ما خلقتُ خلقًا أكرمَ عليَّ منك بك آخذ وبك أعطي ولك الثواب وعليك العقاب وليس المراد بالعقل ههنا العقول البشرية بل الإشارة به إلى جوهر شريف عنه تنبعث العقول البشرية. وقال قوم: " العقل ههنا عبارة عن القلم المذكور في الخبر الآخر " والله أعلم.
ثم أوجد الله تعالى الروحانيات الذين لا يستكبرون عن عبادته
1 / 22
ولا يستحسرون، وإيجاد هذه الأشياء على سبيل الإبداع. والإبداع هو إيجاد الشيء لا عن شيءٍ موجود من قبل. ثم خلق الأركان الأربعة والجمادات والناميات والحيوانات، وختم بالصورة الإنسانية كما دل عليه النبي ﷺ بقوله: " خلق الله تعالى يوم الأحد كذا ويوم الاثنين كذا إلى أن قال خلق الإنسان يوم الجمعة آخر نهار ". والخلق في أكثر الأحوال يقال في إيجاد الشيءِ من الشيءِ قبله كخلق الإنسان من التراب، ويقتضي تركيبًا ولذلك قال اله تعالى: (ومن كل شيءٍ خَلَقنا زوجين لعلكم تذكَّرون) . وإلى الأشياء المركَّبة أشار بقوله تعالى: (أو لم يروا إلى الأَرضِ كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم) . واعلم أن كل شيءٍ من المبدعات فتامٌّ لا نقص فيه، ولو كان فيه نقص لدل ذلك على نقصان مبدعه وصانعه، فأَما المخلوق الذي هو مركب من شيء فقد يحتمل أن يكون فيه نقص ويكون نقصه عارضًا من جهة ما تركب منه لا من جهة مركِبه وفاعله، فلهذا صارت المبدعات من الأشياء العلوية معرّاة عن اعتراض الفساد فيها حالًا فحالًا، بل تبقى على حالتها إلى أن يشاء الله تعالى أن يرفع العالم.
والإنسان إنسانان: أحدهما آدم الذي هو أبو البشر، ويجري هو من سائر الناس مجرى البَذر الذي منه أنشئ غيره، والباري تعالى قد تولى بنفسه إيجاده وتربيته وتعليمه كما نبَّه عليه بقوله تعالى: (ما منعك أن تسجد لما خلقتُ بيديَّ) . وقوله تعالى: (وَعلَّم آدم الأسماءَ كلَّها) والثاني بنوه وموجدهم أيضًا الباري تعالى، ولكن جعل
1 / 23
انشاءَهم وتربيتهم وتعليمهم بوسائط جسمانية وروحانية، فالجسماني كالأبوين والروحاني كالملائكة المدّبرات والمقسّمات الذين يتولون انشاءَه وتربيته، كما روي في الخبر: الولد يكون أربعين يومًا نطفةً، ثم يصير علقة، ثم يصير مضغة، ثم يبعث الله ملكًا فينفخ فيه الروح، إلى غير ذلك من الأخبار. ولكون الأبوين سببًا في وجود الولد عظَّم الله تعالى حقهما وألزم بعد شكره شكرهما فقال: (اشكر لي ولوالديك) . ويسمى الولد ابنًا وهو مشتق من بنيتُ البنية تنبيهًا على أنه جار للأب مجرى البناءِ للباني.
1 / 24
الباب الثالث
في ذكر العناصر التي منها أُوجد الإنسان
ذكر الله تعالى العناصر التي خلق منها آدم ﵇، ونبَّه على أنه جعله إنسانًا في سبع درجات. وأشار إلى ذلك في مواضع مختلفة حسب ما اقتضته الحكمة، فقال في موضعٍ خَلَقَه من تراب إشارةً إلى المبدأ الأول. وفي آخر من طين إشارة إلى الجمع بين التراب والماء. وفي آخر من حمإٍ مسنون إشارة إلى الطين المتغير بالهواء أدنى تغير. وفي آخر من طين لازب إشارة إلى الطين المستقر على حالة من الاعتدال يصلح لقبول الصورة. وفي آخر من صلصال من حمإٍ مسنون إشارة إلى يبسه وسماع صلصلة منه، وفي آخر من صلصال كالفخار، وهو الذي قد أُصلح بأَثر من النار فصار كالزخرف، وبهذه القوة النارية حصل في الإنسان أثر من الشيطنة وعلى هذا المعنى دلَّ بقوله: (خلق الإنسان من صلصال كالفخَّار وخلق الجانَّ من مارج من نار) . فنبه على أن الإنسان فيه من القوة الشيطانية بقدر ما في الفخار من أثر النار وأن الشيطان ذاته من المارج الذي لا استقرار
1 / 25
له. ثم نبه الله على تكميل الإنسان بنفخ الروح فيه فقال: (إني خالق بشرًا من طين فإذا سوَّيتُه ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) . فهذه سبع درجات نبه عليها كما ترى. ثم دلَّ على تكميل نفسه بالعلوم والآداب بقوله تعالى: (وعلَّم آدم الأسماءَ كلَّها) ثم ذكر خلق بني آدم وعناصرهم التي أوجدها حالةً بعد حالة، فنبه على أنه جعلهم أناسًا في سبع درجات حسب ما جعل آدم ﵇ فقال تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا ثم أنشأْناه خَلْقًا آخرَ أشار به إلى ما جعل من له من قوة العقل والفكر والنطق. فإن قيل فلم قال فكسونا العظام لحمًا ولم يقل فخلقنا منه لحمًا كما قال في الأول. قيل إشارة منه تعالى إلى لطيفة من صنعه وهو أن النطفة انتهت إلى صورة العظم، ثم أنشأ الله اللحم إنشاءًا آخر لا من النطفة، وأجراها مجرى الكسوة التي قد يخلعها الإنسان ويجدّدُها، ولذلك إذا قطع من الحيوان لحمٌ عاد ولم يكن كالعظم الذي لا يعود بعد قطعه فإن قيل كيف حكُم على جميع الناس أنه خلقهم من سلالة من طين والمخلوق منها هو آدم دون أولاده. قيل أن ذلك على وجهين: أحدهما أنه لما خلق آدم من دون أولاده. قيل أن ذلك على وجهين: أجدهما أنه لما خلق آدم من سلالة من طين فأولاده الذين منه هو أيضًا منها. والثاني أن الإنسان يتكوَّن من النطفة ويتربى بدم الطمث، وهما يتكوَّنان من الغذاءِ
1 / 26
والغذاءُ يتكوَّن من الحيوان، والحيوان من النبات، والنبات من سلالة من طين، فإذًا الإنسان على الحقيقة من سلالة من طين، وعلى هذا نبَّه الله تعالى بقوله: (إِنا صببنا الماءَ صبًّا ثم شققنا الأرض شقًّا فأنبتنا فيها حبًا وعنبًا وقضبًا) . وقوله: (خلقكم من تراب ثم من نطفة) . فجعله الله تعالى من تراب على هذا الوجه. وقال: (ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشرٌ تنتشرون) .
وفي آخر: (خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماءٍ مهين) . وعني بالإنسان ههنا آدم ولذلك قال: ثم جعل نسله. فاقتصر ههنا على النطفة دون المبدأ الأول الذي هو التراب. وإنما ذكر هذه المبادئ متفرقةً لحكمةٍ اقتضت تخصيص ذكر كل واحد من ذلك في موضعه مما يليق بهذا الكتاب.
1 / 27
الباب الرابع
في ذكر قوى الأشياء التي جمعت في الإنسان
الإنسان قد جمع فيه قوى العالم، وأوجد بعد وجود الأشياء التي جمعت فيه، وعلى هذا نبه الله تعالى بقوله: (الذي أحسن كل شيءٍ خَلْقَه وبدأَ خَلق الإنسان من طين) . وقول النبي ﷺ الذي تقدم ذكره. وقد جمع الله تعالى في الإنسان قوى بسائط العالم ومركباته وروحانياته وجسمانياته ومبدعاته ومكوّناته. فالإنسان من حيث أنه بوساطة العالم حصل ومن أركانه وقواه أوجد هو العالم. ومن حيث أنه صغُر شكله وجمع فيه قواه كالمختصر من العالم فإن المختصر من الكتاب هو الذي قُلّل لفظه، وأستوفي معناه. والإنسان هكذا هو إذا اعتبر بالعالم. ومن حيث أنه جعل من صفوة العالم ولبابه وخلاصته وثمرته، فهو كالزُبْد من المخيض والدهن من السمسم، فما من شيءٍ إلا والإنسان يشبهه من وجه، فإنه كالأركان من حيث ما فيه من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، وكالمعادن من حيث ما هو
1 / 28
جسم، وكالنبات من حيث ما يتغذى ويتربى، وكالبهيمة من حيث ما يحس ويتوهم ويتخيل ويلتذ ويتألم، وكالسبع من حيث ما يحرض ويغضب، وكالشيطان من حيث ما يغوي ويضل، وكالملائكة من حيث ما يعرف الله تعالى ويعبده ويخلفه، وكاللوح المحفوظ من حيث قد جعله الله مجمع الحكم التي كتبها فيه على الاختصار - فقد ذكر بعض الحكماء في بدن الإنسان أربعة آلاف حكمة، وفي نفسه قريبًا من ذلك. وكالقلم من حيث ما يثبت بكلامه صور الأشياء في قلوب الناس كما أن القلم يثبت الحكم في اللوح المحفوظ. ولكون الإنسان من قوى مختلفة قال الله تعالى: (اناّ خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج) أي مختلطة من قوى أشياء مختلفة. ولكون العالم والإنسان متشابهين إذا اعتبر قيل الإنسان عالم صغير والعالم إنسان كبير ولذلك قال الله تعالى: (ما خَلْقكم ولا بعثكم الاّ كنفس واحدة) . فأشار بالنفس الواحدة إلى ذات العالم. ولما كان كل مركب من أشياء مختلفة يحصل باجتماعهنَّ معنى ليس بموجود فيهن على انفرادهن كالمركبّات من الأدوية والأطعمة، كذلك في نفس الإنسان حصل معنى ليس فس شيءٍ من موجودات العالم، وذلك المعنى هو ما يختص به من خصائصه التي بها تميَّز عن غيره من هيئات له، كانتصاب القامة وعرض الظُّفر، وانفعالات له كالضحك والحياء، وأفعال كتصور المعقولات وتعلم الصناعات واكتساب الأخلاق.
1 / 29
الباب الخامس
في تكوين الإنسان شيئًا فشيئًا حتى يصير إنسانًا كاملًا الإنسان يكون أولًا جمادًا ميتًا قال الله تعالى: (وكنتم أمواتًا فأحياكم) وذلك حيث كان ترابًا وطينًا وصلصالًا ونحوها. ثم يصير نباتًا ناميًا كما قال الله تعالى: (والله أنبتكم من الأرض نباتًا) وذلك حيث ما كان نطفة وعلقة ومضغة ونحوها. ثم يصير حيوانًا وذلك حيث ما يتبع بطبعه بعض ما ينفعه ويحترز من بعض ما يضره. ثم يصير إنسانًا مختصًا بالأفعال الإنسانية وقد نبه الله تعالى على ذلك في مواضع نحو قوله: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلَّقة وغير مخلَّقة) . وقوله: (أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سوَّاك رجلًا) . فأول ما يظهر فيه قوة النزاع الموجودة في النبات والحيوان، ثم قوة تناول الموافق ودفع المخالف، ثم الحس ثم التخيل ثم التصور ثم التفكر ثم العقل، فهو لم يصر إنسانًا إلاّ بالفكر والعقل
1 / 30
الذي يميز بين الخير والشر والجميل والقبيح. وإلى العقل أشار الله تعالى بقوله: (وصوَّركم فأحسن صوَرَكم) . فالإنسان بعقله صار معدن العلم ومركز الحكمة. ووجود العقل فيه إبتداء الأمر بالقوة كوجود النار في الحجر المحتاج في أن يري إلى الاقتداح، وكوجود النخل في النوى المحتاجة في أن تثمر إلى غرس وسقي. وكوجود الماء تحت الأرض المحتاجة في الاستقاءِ منه إلى حفره ونفس الإنسان واقعة بين قوتين: قوة الشهوة وقوة العقل، فبقوة الشهوة يحرص على تناول اللذات البدنية البهيمية كالغذاء والسفاد والتغالب وسائر اللذات العاجلة، وبقوة العقل يحرص على تناول العلوم والأفعال الجميلة والأمور المحمودة العاقبة، وإلى هاتين القوتين أشار الله تعالى بقوله: (إنا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورا) . وبقوله: (وهديناه النَّجْدَين) .
ولما كان من جبلة الإنسان أن يتحرى ما فيه اللذة، وكانت اللذات على ضربين: أحدهما محسوس كلذة المذوقات والملموسات والمشمومات والمسموعات والمبصرات وهي من توابع الشهوة الحيوانية، والثاني معقول كلذة العلم وتعاطي الخير وفعل الجميل. واللذات المحسوسة أغلب علينا لكونها أقدم وجودًا فينا، لأنها توجد في الإنسان قبل أن يولد، وهي ضرورية في الوقت ولذلك قال الله تعالى: (يحبون العاجلة ويذرون الآخرة) ولذلك يكره أكثر الناس ما يأمر به العقل ويميل إلى ما يأمر به الهوى حتى قيل: " العقل
1 / 31