La Rappel Concernant la Condition des Défunts et les Affaires de l'Autre Monde
التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة
Enquêteur
الدكتور
Maison d'édition
مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع
Édition
الأولى
Année de publication
١٤٢٥ هـ
Lieu d'édition
الرياض
باب النهي عن تمني الموت والدعاء به لضر نزل في المال والجسد
روى مسلم «عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد متمنيًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» أخرجه البخاري، وعنه قال: «قال رسول الله ﷺ: لا يتمنين أحدكم الموت ولا يدع به
1 / 110
من قبل أن يأتيه، إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا» .
وقال البخاري: لا يتمنين أحدكم الموت: إما محسنًا فلعله أن يزداد خيرًا، وإما مسيئًا فلعله أن يستعتب.
البزار «عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: لا تمنوا الموت فإن هول المطلع شديد، وإن من السعادة أن يطول عمر العبد حتى يرزقه الله الإنابة» .
فصل: قال العلماء: الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف وإنما
1 / 111
هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته وحيلولة بينهما، وتبدل حال وانتقال من دار إلى دار، وهو من أعظم المصائب، وقد سماه الله تعالى مصيبة، وفي قوله ﴿فأصابتكم مصيبة الموت﴾ فالموت هو المصيبة العظمى والرزية الكبرى.
قال علماؤنا: وأعظم منه الغفلة عنه، والإعراض عن ذكره، وقلة التفكر فيه، وترك العمل له، وإن فيه وحده لعبرة لمن اعتبر وفكرة لمن تفكر، وفي خبر يروى عن النبي ﷺ: «لو أن البهائم تعلم من الموت ما تعلمون ما أكلت منها سمينًا» .
ويروى أن إعرابيًا كان يسير على جمل له فخر الجمل ميتًا، فنزل الأعرابي عنه وجعل يطوف به ويتفكر فيه ويقول: مالك لا تقوم؟ مالك لا تنبعث، هذه أعضاؤك كاملة وجوارحك سالمة.
ما شأنك؟ ما الذي كان يحملك؟ ما الذي كان يبعثك؟ ما الذي صرعك؟ ما الذي عن الحركة منعك؟ ثم تركه وانصرف متفكرًا في شأنه.
متعجبًا من أمره.
1 / 112
وأنشدوا في بعض الشجعان مات حتف أنفه:
جائته من قبل المنون إشارةً ... فهوى صريعًا لليدين وللفم
ورمى بمحكم درعه وبرمحه ... وامتد ملقىً كالفتيق الأعظم
لا يستجيب لصارخ إن يدعه ... أبدًا ولا يرجى لخطب معظم
ذهبت بسالته ومر غرامه ... لما رأى حبل المنية يرتمي
يا ويحه من فارس ما باله ... ذهبت مروته ولما يكلم
هذي يداه وهذه أعضاؤه ... ما منه من عضو غدًا بمثلم
هيهات ما حبل الردى محتاجة ... للمشرفي ولا اللسان اللهذم
هي ويحكم أمر الإله وحكمه ... والله يقضي بالقضاء المحكم
يا حسرتا لو كان يقدر قدرها ... ومصيبة عظمت ولما تعظم
1 / 113
خبر علمنا كلنا بمكانه ... وكأننا في حالنا لم نعلم
وروى الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول.
حدثنا قتيبة بن سعيد والخطيب بن سالم.
عن عبد العزيز الماجشون.
عن محمد بن المنكدر قال: مات ابن لآدم ﵇ فقال يا حواء قد مات ابنك.
فقالت: وما الموت؟ قال: لا يأكل ولا يشرب.
ولا يقوم ولا يقعد.
فرنت.
فقال آدم ﵇: عليك الرنة وعلى بناتك أنا وبني منها برآء.
فصل: قوله: فلعله أن يستعتب.
الاستعتاب طلب العتبى.
وهو الرضى وذلك لا يحصل إلا بالتوبة والرجوع عن الذنوب.
1 / 114
قال الجوهري:
استعتب: طلب أن يعتب تقول: استعتبته فأعتبني.
أي استرضيته.
فأرضاني.
وفي التنزيل في حق الكافرين ﴿وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين﴾
وروى عن سهل بن عبد الله التستري أنه قال: لا يتمنى أحدكم الموت إلا ثلاثة: رجل جاهد بما بعد الموت أو رجل يفر من أقدار الله تعالى عليه.
أو مشتاق محب للقاء الله ﷿.
وروي أن ملك الموت ﵇ جاء إلى إبراهيم ﵇ خليل الرحمن ﷿ ليقبض روحه.
فقال إبراهيم: يا ملك الموت هل رأيت خليلًا يقبض روح خليله؟ فعرج ملك الموت ﵇ إلى ربه فقال قل له: هل رأيت خليلًا يكره لقاء خليله؟ فرجع فقال اقبض روحي الساعة.
وقال أبو الدرداء ﵁: ما من مؤمن إلا والموت خير له فمن لم يصدقني فأن الله تعالى يقول: ﴿وما عند الله خير للأبرار﴾ وقال تعالى ﴿ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم﴾
1 / 115
وقال حيان بن الأسود: الموت جسر يوصل الحبيب إلى الحبيب.
باب جواز تمني الموت والدعاء به خوف ذهاب الدين
قال الله ﷿ مخبرًا عن يوسف ﵇: ﴿توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين﴾ وعن مريم ﵍ في قولها: ﴿يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيا﴾ «وعن مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى يمر حتى بقبر الرجل فيقول فيقول: يا ليتني مكانه» .
فصل: قلت: لا تعارض بين هذه الترجمة والتي قبلها لما نبينه.
1 / 116
أما يوسف ﵇.
فقال قتادة: لم يتمن الموت أحد: نبي ولا غيره إلا يوسف ﵇ حين تكاملت عليه النعم وجمع له الشمل: اشتاق إلى لقاء ربه ﷿ فقال: ﴿رب قد آتيتني من الملك وعلمتني﴾ الآية.
فاشتاق إلى لقاء ربه ﷿، وقيل إن يوسف ﵇ لم يتمن الموت وإنما تمنى الموافاة على الإسلام.
أي إذا جاء أجلي تو فني مسلمًا.
وهذا هو القول المختار في تأويل الآية عند أهل التأويل.
والله أعلم.
وأما مريم ﵍ فإنما تمنت الموت لوجهين:
أحدهما: أنها خافت أن يظن بها السوء في دينها وتعير، فيفتنها ذلك.
الثاني: لئلا يقع قوم بسببها في البهتان والزور، والنسبة إلى الزنا،
1 / 117
وذلك مهلك لهم.
والله أعلم.
وقد قال الله تعالى ﷿ في حق من افترى على عائشة ﵂ ﴿والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم﴾ وقال: ﴿وتحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم﴾ وقد اختلف في مريم ﵍: هل هي صديقة لقوله تعالى: ﴿وأمه صديقة﴾ أو نبية لقوله تعالى: ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾ .
وقوله: ﴿إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك﴾ الآية.
وعليه فيكون الافتراء عليها عظيم أعظم والبهتان في حقها أشد.
وفيه يكون الهلاك حقًا.
فعلى هذا الحد الذي ذكرناه من التأويلين يكون تمني الموت في حقها جائز، والله أعلم.
وأما الحديث فإنما هو خبر: أن ذلك سيكون لشدة ما ينزل بالناس، من فساد الحال في الدين، وضعفه وخوف ذهابه، لا لضر ينزل بالمرء في جسمه أو غير ذلك، من ذهاب ماله مما يحط به عنه خطاياه.
ومما يوضح هذا المعنى ويبينه قوله ﵇: «اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وإذا أردت - ويروى أدرت - في الناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون» .
رواه مالك ومثل هذا قول عمر ﵁:
1 / 118
اللهم قد ضعفت قوتي وكبرت سني وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مقصر فما جاوز ذلك الشهر حتى قبض ﵀.
رواه مالك أيضًا.
وذكر أبو عمر بن عبد البر في التمهيد والاستذكار من حديث زاذان أبي عمر عن عليم الكندي قال: كنت جالسًا مع أبي العباس الغفاري
1 / 119