La Vision

التبصرة للخمي

Enquêteur

الدكتور أحمد عبد الكريم نجيب

Maison d'édition

وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية

Édition

الأولى

Année de publication

١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م

Lieu d'édition

قطر

Régions
Tunisie
•
Empires & Eras
Seldjoukides
التَّبْصِرَةُ
تَأليف
أبي الْحَسَن عَليّ بن مُحَمَّد اللَّخْمِيِّ المتوفى سنة ٤٧٨ هـ
دِرَاسَة وَتَحْقِيق
الدكتور أَحْمد عبد الْكَرِيم نجيب
عُضْو رابطة عُلَمَاء الْمُسلمينِ

Page inconnue

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدِّمة كتاب "التَّبْصِرة للخمي"
الحمدُ لله حمدًا يوافي نِعَمَه، والصَّلاة والسَّلام على أشرف خَلْقه، وخاتم رُسله، وبعد:
فإنَّ علماءَ الإسلام قد خلَّفوا لنا تراثًا علميًّا ضَخْمًا، متعدِّدَ المناحي، ما يزال معظمُه مخطوطًا لم يَرَ النور، ولم يتعرفْ عليه الباحثون، رغم ما فيه من المعاني الدَّقيقة، والأفكارِ العميقة، التي تخدمُ واقعَنا المعاصر، وتنير السُّبُلَ لأمتنا في مجالات الفكر والتشريع والثقافة، حيث يُقدِّرُ بعضُ الخبراء أن ما بقي من تراث علماء الإسلام مخطوطًا يربو على ثلاثةِ ملايين عنوان في زوايا المكتبات، وظلام الصَّناديق والأقبية، لم يُفَهْرَسْ فهرسةً دقيقةً، فَضْلًا عن نشره.
فكان من المهمِّ في هذه المرحلة أن تَتَّجِهَ الجهودُ لتقويم هذا التُّراث، واستجلاء ما ينفعُ الناسَ في عصرنا منه، ثم العمل على تحقيقه ونشره.

مقدمة / 1

وإنَّ وزارةَ الأوقاف والشُّؤون الإسلامية بدولة قطر -وقد وَفَّقها الله لأن تضربَ بسهمٍ في إحياء هذا التراث- لتحمد الله ﷾ على أنَّ ما أصدرته من نفائسِ التُّراث قد نال استحسانَ أهلِ العلم في مشارقِ الأرض ومغاربها.
والمتابعُ لحركة النَّشْر العلميِّ لا يخفى عليه جهودُ دولة قطر في خدمة تُراثِ الأمة منذ ما يزيدُ على سِتَّةِ عُقود، ومَشْروع إحياء التراث الإسلامي؛ الذي بدأته الوزارةُ منذ أربع سنوات؛ امتدادٌ لتلك الجهود، وسَيْرٌ على تلك المَحَجَّة التي عُرفت بها دولةُ قطر.
ومنذ انطلاقةِ هذا المشروعِ المباركِ يسَّر اللهُ جلَّ وعلا للوزارة إخراجَ مجموعةٍ من أمهات كتب العلم في فنون مختلفة؛ تُطبع لأوَّل مرة.
ففي تفسير القرآن الكريم: أصدرتِ الوزارةُ تفسيرَ الإمام العُليمي (فتح الرحمن في تفسير القرآن)، وفي عِلْم الرَّسْم أصدرتْ كتابَ (مرسوم المُصْحَف للإمام العُقيلي) ونحن بصدد إصدار جديدٍ مُتَميِّزٍ للمحرّر الوجيز لابن عطية مُقابَلًا على نُسَخٍ خَطِّيَّةٍ عِدَّة.
وفي السُّنَّة: أصدرتِ الوزارةُ كتابَ: (التَّوضيح شَرْح الجامع الصَّحيح لابن الملقّن) و(حاشية مُسْنَد الإمام أحمد للسّندي)، و(شرحين لموطأ الإمام مالك لكلٍّ من القنازعي والبوني)، و(شرح الرَّافعي على مسند الإمام الشافعي)، و(نخب الأفكار شَرْح معاني الآثار للبَدْر العَيْني)، و(صحيح ابن خُزيمة) بتحقيقه الجديد المُتْقَن، يتبعه

مقدمة / 2

قريبًا بإذن الله السُّنَن الكبرى للنَّسائي باستدراك ما فاتَ في طبعاته السَّابقة، مع مشاريع أخرى في السُّنَّة المُطَهَّرة يُعْلَن عنها في حِيْنها.
وفي الفقه: أصدرتِ الوزارةُ: (نِهاية المَطْلَب في دراية المذهب للإمام الجُويني) الذي حَقَّقَه وأتقن تحقيقَه عضو لجنة إحياء التراث الإسلامي أ. د. عبد العظيم الدِّيب ﵀، وكتاب (الأوسط لابن المُنْذِر) بمراجعة وتدقيق د. عبد الله الفقيه عضو اللجنة، وفي الطَّريق إصداراتٌ أخرى مُهِمَّة، تُمَثِّلُ الفقهَ الإسلاميَّ في عهودهِ الأولى.
وفي السِّيرةِ النَّبويةِ: أصدرتِ الوزارةُ الموسوعةَ الإسناديَّةَ (جامع الآثار لابن ناصر الدِّين الدِّمشقي).
وفي العقيدة والتَّوحيد: أصدرتِ الوزارةُ كتابًا نَفِيْسًا لطيفًا هو: (الاعتقادُ لابن العَطَّار) تلميذ النَّووي، رحمهما الله.
ولم نغفلْ عن إصدار دراساتٍ معاصرة متميِّزة من الرَّسائل العلميَّة وغيرها، فأخرجنا (القيمة الاقتصادية للزمن) و(نوازل الإنجاب) وفي الطَّريق -بإذن الله تعالى- ما تقرُّ به العيونُ من دراساتٍ معاصرةٍ في القرآن والسُّنَّة، ونوازل الأمة.
ويسرُّنا اليومَ أن نُقدِّمَ للمسلمين كافةً هذا السِّفْرَ من نفائسِ مصادرِ الفقه المالكيِّ للحافظ الإمام أبي الحسن عليِّ بن محمد اللَّخمي القيرواني؛ الذي حاز الرئاسةَ العلميَّة في بلاد إفريقية، وتوفي سنة ٤٧٨ هـ.

مقدمة / 3

والكتابُ -كما يقولُ القاضي عِياض- كنز من كُنوز هذه الأمةِ المكنونةِ، وذَخائِرِها المَدْفُونة، وقد اعتمده الشَّيخُ خليل عمدةُ المحققين وخاتمةُ المتأخِّرين، فجعله أحدَ الأربعة الذين بنى عليهم مختصره، ورَمَز له بلفظِ الاختيار، وقد اشتمل كتابُ اللَّخمي هذا على الكثير من اختياراتِه الفقهية، واجتهاداتِه المَذْهبية؛ لأنه كان مُغْرى بتخريج الخِلافِ في المذهب، واستقراء الأقوال، وربما اتَّبع نظره فخالفَ المذهبَ فيما ترجَّح عنده بالدَّليل، فخرجتْ بعضُ اختياراته عن قواعد المذهب، وقد أثنى العلماءُ على هذا الكتاب قديمًا وحديثًا، شِعْرًا ونَثْرًا بما لا يتَّسعُ المجالُ لِذِكْرِه.
والحمدُ لله على توفيقه، ونسأله المزيدَ من فَضْلِه
إدارةُ الشُّؤون الإسلامية

مقدمة / 4

المقدمة التحقيقية

مقدمة / 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أقول -مستعينًا بالله تعالى- بعد حمدِه كما ينبغي لجلاله، والصلاةِ والسلام على نبيِّه المصطفى وصحبِه وآله:
لا يزال الإهمال هو السمة الغالبة على التعامل مع الكثير من كتب التراث العربي والإسلامي، وقد وقف هذا الإهمال حائلًا بين الفقهاء والمتفقهين وبين الحصول عليها أو الوصول إلى بعض ما فيها، وقد أودى بكثير من الأصول الخطية لكتب المذاهب الفقهية، ومذهب إمام دار الهجرة -بخاصة- من بينها، حتى إن كلمة مفقود باتت لصيقة بكثير من الأمهات المصنفة فيه، وربَّما كان ما قيل إنه مفقود موجودًا، ولكن عنونته -في الفهارس التي يضعها غيرُ المختصين في الغالب- بكتاب مجهول، أو نسبته إلى مؤلِّف مجهول، دعَّم زعمَ من زعم، وقناعةَ من اقتنع بأنَّه مفقود.
وحين أيس الكثيرون من الوصول إلى بعض الآثار المفقودة، لم يجد اليأس إلى نفوسنا سبيلًا، بل عقدنا العزم على البحث عن مخطوطات ما لم يطبع من كتب السادة المالكية؛ فوصلنا إلى بعض الأصول الخطية، وامتلكنا بعضها شراءً ممن كانت بحوزته ولم يقدرها حق قدرها، بينما صوَّرنا البعض الآخر حينما أتيحت لنا الفرصُ لتصويره.
وما كتاب "التبصرة" إلا واحدٌ من الدواوين الفقهية التي فُقِد معظمُها، فلم يوقَف في عصرنا على نسخة كاملة منها، بل تناثرت أسفارُها أشتاتًا في شرق العالم وغربِه؛ حتى صار من علامات ثراء المكتبات أن تحتوي على جزءٍ

مقدمة / 7

أو نبذة منها.
وأمام هذا الواقع استخرنا الله تعالى في العمل على تحقيق هذا الديوان النفيس ونشره، ومضينا في الأمر قُدُمًا حتى انتهينا بتوفيقه سبحانه إلى ما نقدِّمه اليوم إلى المكتبة الإسلامية في ثوب قشيب من التوثيق والضبط والتحقيق، مُقَدِّمين بين يديه:

مقدمة / 8

أولًا: تعريف مختصر بأبي الحسن اللخمي ﵀- (١)
اسمه ونسبه وكنيته:
هو أبو الحسن، علي بن محمد بن علي (٢) الربعي (٣) اللخمي (٤)، القيرواني (٥)، نزيل سفاقس (٦).

(١) من مصادر ترجمة اللخمي على ترتيبها الأقدم فالأحدث:
ترتيب المدارك، لعياض: ٨/ ١٠٩، ومعالم الإيمان: ٣/ ٢٠٠، والديباج، لابن فرحون: ٢/ ١٠٤، التعريف بالرجال المذكورين في جامع الأمهات لابن عبد السلام الأموي (مطبوع بحاشية الجامع بتحقيقنا): ١/ ١٧، وشجرة النور، لمخلوف: ١/ ١١٧، والفكر السامي، للحجوي: ٢/ ٢١٥، وتاريخ الإسلام، للذهبي: ٣٢/ ٢٤٢، والأعلام للزركلي: ٤/ ٣٢٨، وأبو الحسن اللخمي وجهوده في تطوير الاتجاه النقدي في المذهب، للدكتور محمد المصلح.
(٢) ذكر ابن عبد السلام الأموي هذا الجد ولم أقف على من ذكره غيره، انظر: التعريف برجال جامع الأمهات لابن عبد السلام الأموي.
(٣) الربعي: قيل نسبة لربيعة بن نزار واستبعد السمعاني أن تكون كذلك قال: قلما يستعمل ذلك لأنه ربيعة بن نزار شعب واسع فيه قبائل عظام وبطون وأفخاذ استغنى بالنسب إليها عن النسب إلى ربيعة.؛ وذكر أنه يقال الربعي لمن ينتسب إلى ربيعة أو ربعة الأزد من بكر بن وائل. انظر: الأنساب، للسمعاني: ٣/ ٤٣.
(٤) اللخمي نسبة إلى لخم وهي قبيلة يمنية نزلت الشام وذكر عياض أن نسبته هذه جاءته من قبل جده لأمه ولم أقف على ترجمة أو ذكر لهذا الجد.
(٥) المدارك، لعياض: ٨/ ١٠٩.
(٦) قال ياقوت الحموي: سفاقس بفتح أوله وبعد الألف قاف وآخره سين مهملة مدينة من نواحي إفريقية جل غلاتها الزيتون وهي على ضفة الساحل بينها وبين المهدية ثلاثة أيام وبين سوسة يومان وبين قابس ثلاثة أيام وهي على البحر ذات سور وبها أسواق كثيرة ومساجد وجامع وسورها صخر وآجر وفيها حمامات وفنادق وقرايا كثيرة وقصور جمة ورباطات على =

مقدمة / 9

مولده ونشأته:
ولد اللخمي ﵀ في مدينة القيروان، وبها كانت نشأتُه (١)، ولم يذكر له تاريخ ولادة، عند من ترجم له غير أنَّ عياضًا ﵀ ذكر طول بقائه بعد أقرانه وحيازته بذلك التقدم والتفرد فعلى أقل تقدير أن يكون عمر للثمانين أو ما حولها (٢)، وكذا يستفاد من رواية ابن حجر في معجم شيوخه لكتاب الملخص لابن القابسي المتوفى سنة ٤٥٣ هـ - فقد جاءت هذه الرواية من طريق المازري عن اللخمي عن القابسي (إجازة) - فدلت إجازة القابسي على ولادة اللخمي قبل وفاة هذا العالم فما أجيز إلا حيًّا أو متحملًا فدل على ولادته قبل ذلك (٣).
وقد كان بالقيروان حتى خرج منها في الفتنة (٤) كما ذكر عياض أنه رابع أربعة فقهاء خرجوا من القيروان بعد الفتنة (٥).
وقد اختار مدينة سفاقس فظل بها حتى توفي، ومسجده وقبره بها معروفان (٦).

= البحر. معجم البلدان: ٣/ ٢٢٣.
(١) هو ما يُفهم من قول عياض -في المدارك-: "القيرواني أصلًا" ومن تبعه ناقلًا عنه. انظر: المدارك: ٨/ ١٠٩، والديباج، لابن فرحون: ٢/ ١٠٤، وشجرة النور، لمخلوف: ١/ ١١٧.
(٢) المدارك: ٨/ ١٠٩، والإمام اللخمي، للدكتور محمد المصلح: ١/ ١٢٥.
(٣) المعجم المفهرس، لابن حجر، ص: ٣٩.
(٤) الفتنة يقصد بها نزوح قبائل عربية من بني هلال كانت نازلة بصعيد مصر نحو الغرب لمحاربة المعز ابن باديس صاحب القيروان المنشق عن الخليفة الفاطمي المستنصر، فحاول ابن باديس التصدي لهم وعجز عن ذلك، فهادنهم فغافلوه ودخلوا القيروان وعاثوا فيها، سنة ٤٤٩ هـ فنزح عنها كثير من أهلها. انظر: تاريخ ابن خلدون: ٦/ ٢١٠ وما بعدها، والبيان المغرب للمراكشي: ١/ ٢٤٣.
(٥) انظر: المدارك، لعياض: ٨/ ١٠٩، ترجمة ابن غرور.
(٦) معالم الإيمان: ٣/ ٢٠٠.

مقدمة / 10