298

Scenes from the Lives of the Companions

صور من حياة الصحابة

Maison d'édition

دار الأدب الاسلامي

Édition

الأولى

(إِنَّهُ كَائِنٌ فِي القَوْمِ خَيْرٌ فَتَسَلَّلْ إِلَى عَسْكَرِهِمْ وَأْتِي بِخَبَرِهِمْ) ...

فَخَرَجْتُ وَأَنَا مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ فَزَعاً وَأَكْثَرِهِمْ بَرْداً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (اللَّهُمَّ احفَظْهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَمِنْ فَوْقِهِ وَمِنْ تَحْتِهِ).

فَوَاللَّهِ، مَا تَمَّتْ دَعْوَةُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى انْتَزَعَ اللَّهُ مِنْ جَوْفِي كُلَّ مَا أَوْدَعَهُ فِيهِ مِنْ خَوْفٍ، وَأَزَالَ عَنْ جَسَدِي كُلَّ مَا أَصَابَهُ مِنْ بَرْدٍ.

فَلَمَّا وَلَّيْتُ نَادَانِي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَقَالَ: (يَا حُذَيْفَةُ لَا تُحْدِثَنَّ(١) فِي القَوْمِ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِي)، فَقُلْتُ: نَعَمْ، وَمَضَيْتُ أَتَسَلَّلُ فِي مُجْنِحِ الظَّلَامِ حَتَّى دَخَلْتُ فِي جُنْدِ المُشْرِكِينَ وَصِرْتُ كَأَنِّي وَاحِدٌ مِنْهُمْ.

وَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى قَامَ أَبُو سُفْيَانَ فِيهِمْ خَطِيباً وَقَالَ:

يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنِّي قَائِلٌ لَكُمْ قَوْلاً أَخْشَى أَنْ يَبْلُغَ مُحَمَّداً؛ فَلْيَنْظُرْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ مَنْ جَلِيسُهُ، فَمَا كَانَ مِنِّي إِلَّا أَنْ أَخَذْتُ بِيَدِ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ إِلَى جَنْبِي وَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ.

وَهُنَا قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّكُمْ وَاللَّهِ مَا أَصْبَحْتُمْ بِدَارِ قَرَارٍ، لَقَدْ هَلَكَتْ رَوَاحِلُنَا(٢)، وَتَخَلَّتْ عَنَّا بَنُو ((قُرَيْظَةَ))(٣)، وَلَقِينَا مِنْ شِدَّةِ الرِّيحِ مَا تَرَوْنَ، فَارْتَحِلُوا فَإِنِّي مُرْتَحِلٌ. ثُمَّ قَامَ إِلَى جَمَلِهِ فَفَكَّ عِقَالَهُ، وَجَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ ضَرَبَهُ فَوَثَبَ قَائِماً ... وَلَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنِي أَلَّا أُحْدِثَ شَيْئًا حَتَّى آتِيَهُ لَقَتَلْتُهُ بِسَهْمٍ.

عِنْدَ ذَلِكَ رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَوَجَدْتُهُ قَائِماً يُصَلِّي فِي

(١) لا تُحْدِثَنَّ: لا تَفْعَلَنَّ.

(٢) رَوَاحِلُنَا: دَوَابُّنَا.

(٣) بَنُو قُرَيْظَةَ: قَبِيلَةٌ مِنْ قَبَائِلِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ.

304