Scenes from the Lives of the Companions
صور من حياة الصحابة
Maison d'édition
دار الأدب الاسلامي
Édition
الأولى
فَفِي ذَاتِ لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ أَكْثَرَ صُهَيْبٌ مِنَ الخُرُوجِ إِلَى الخَلَاءِ كَأَنَّهُ يَقْضِي الحَاجَةَ، فَكَانَ لَا يَرْجِعُ مِنْ قَضَاءِ حَاجَتِهِ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهَا.
فَقَالَ بَعْضُ رُقَبَائِهِ لِبَعْضٍ: طِيبُوا نَفْسًا فَإِنَّ اللَّتَ وَالْغُرَّى شَغَلَاهُ بِبَطْنِهِ...
ثُمَّ أَوَوْا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَأَسْلَمُوا عُيُونَهُمْ إِلَى الْكَرَى(١).
فَتَسَلَّلَ صُهَيْبٌ مِنْ بَيْنِهِمْ، وَيَمَّمَ وَجْهَهُ شَطْرَ المَدِينَةِ.
***
لَمْ يَمْضِ غَيْرُ قَلِيلٍ عَلَى رَحِيلِ صُهَيْبٍ حَتَّى فَطِنَ لَهُ رُقَبَاؤُهُ، فَهَبُّوا مِنْ نَوْمِهِمْ مَذْعُورِينَ، وَامْتَطَوْا خَيْلَهُمْ السَّوَابِقَ، وَأَطْلَقُوا أَعِنَّتَهَا(٢) خَلْفَهُ حَتَّى أَدْرَكُوهُ.
فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ، وَقَفَ عَلَى مَكَانٍ عَالٍ وَأَخْرَجَ سِهَامَهُ مِنْ كِنَانَتِهِ(٣) وَوَتَّرَ(٤) قَوْسَهُ وَقَالَ:
يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لَقَدْ عَلِمْتُمْ - وَاللَّهِ - أَنِّي مِنْ أَرْمَى النَّاسِ وَأَحْكَمِهِمْ إِصَابَةً...
وَوَاللَّهِ لَا تَصِلُونَ إِلَيَّ حَتَّى أَقْتُلَ بِكُلِّ سَهْمٍ مَعِي رَجُلًا مِنْكُمْ.
ثُمَّ أَضْرِبَكُمْ بِسَيْفِي مَا بَقِيَ فِي يَدِي شَيْءٌ مِنْهُ.
فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: وَاللَّهِ لَا نَدَعُكَ تَفُوزُ مِنَّا بِنَفْسِكَ وَبِمَالِكَ... لَقَدْ أَتَيْتَ مَكَّةَ صُعْلُوكًا(٥) فَقِيرًا فَاغْتَنَيْتَ وَبَلَغْتَ مَا بَلَغْتَ.
فَقَالَ صُهَيْبٌ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ تَرَكْتُ لَكُمْ مَالِي، أَتُخَلُّونَ سَبِيلِي؟.
(١) الكرى: النوم.
(٢) العنان: الرسن، وجمعهُ أُعنَّة.
(٣) الكنانة: الجعبة التي توضع فيها السهام.
(٤) وتر قوسه: شد وتره استعداداً للرمي.
(٥) الصعلوك: الضعيف الفقير.
203