La Politique d'Ibn Sina

رسالة ضمن «مجموع في السياسة»

Enquêteur

د. فؤاد عبد المنعم أحمد

Maison d'édition

مؤسسة شباب الجامعة

Édition

الأولى

Lieu d'édition

الإسكندرية

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت وَهُوَ حسبي
الْحَمد لله الَّذِي نهج لِعِبَادِهِ بِمَا دلهم عَلَيْهِ من حَمده وسبيل شكره وأشرع لَهُم بِمَا هيأهم لَهُ من شكره أَبْوَاب مزيدة وَمن عَلَيْهِم بِالْعقلِ الَّذِي جعله لدينهم عصمَة ولدنياهم عمادا وقائمة وحباهم بالنطق الَّذِي جعله فرقا بَينهم وَبَين الْبَهَائِم الْعَجم والأنعام الْبكم
فَالْحَمْد لله حمدا كثيرا على مَا عَم من حسن تَدْبيره وَشَمل من لطف تَقْدِيره حَتَّى حَاز كل صنف من أَصْنَاف خلقه حَظه من الْمصلحَة وَاسْتوْفى كل نوع سَهْمه من الْمرْفق وَالْمَنْفَعَة فَلم يفت جميل صنعه صَغِيرا وَلَا كَبِيرا بل أَفَاضَ عَلَيْهِم جَمِيعًا من سوابغ نعمه وشوامل مواهبه مَا صلحت بِهِ أَحْوَالهم وَتمّ بمكانه نقصهم وَقَوي من أَجله عجزهم ثمَّ خص بني آدم بخصائص من نعمه فَضلهمْ بهَا على كثير من خلقه فجعلهم أحسن الْخلق وطبائعهم أكمل الطبائع وتركيبهم أعدل التَّرْكِيب ومعيشتهم أنعم المعاش وسعيهم فِي منقلبهم أرد السَّعْي إِلَى الْعُقُول الرضية الَّتِي أمدهم بهَا والأحلام الراجحة الَّتِي أَيّدهُم بفضلها والآداب الْحَسَنَة الَّتِي ألبسهم جمَالهَا والأخلاق الْكَرِيمَة الَّتِي زينهم بِشَرَفِهَا مَعَ التَّمْيِيز الَّذِي أَرَاهُم بِهِ فرق مَا بَين الْخَيْر وَالشَّر وَخلاف مَا بَين الغي والرشد وَفضل مَا بَين الصَّانِع والمصنوع وَالْمَالِك والمملوك والسائس والمسوس حَتَّى صَار ذَلِك طَرِيقا لَهُم إِلَى الْمعرفَة مَا بَين الْخَالِق والمخلوق وسبيلا وَاضحا إِلَى تثبيت الصَّانِع الْقَدِيم إِلَّا جحود عناد أَو مُكَابَرَة عيان

1 / 81

اخْتِلَاف أقدار النَّاس وتفاوت أَحْوَالهم سَبَب بقائهم
ثمَّ من عَلَيْهِم بِفضل رأفته منا مستأنفا بِأَن جعلهم فِي عُقُولهمْ وآرائهم متفاضلين كَمَا جعلهم فِي أملاكهم ومنازلهم ورتبهم متفاوتين لما فِي اسْتِوَاء أَحْوَالهم وتقارب أقدارهم من الْفساد الدَّاعِي إِلَى فنائهم لما يلقِي بَينهم من التنافس والتحاسد ويثير من التباغي والتظالم فقد علم ذَوُو الْعُقُول أَن النَّاس لَو كَانُوا جمعيا ملوكا لتفانوا عَن آخِرهم وَلَو كَانُوا كلهم سوقة لهلكوا عيَانًا بأسرهم كَمَا أَنهم لَو اسْتَووا فِي الْغنى لما مهن أحد لأحد وَلَا رفد حميم حميما وَلَو اسْتَووا فِي الْفقر لماتوا ضرا وهلكوا بؤسا فَلَمَّا كَانَ التحاسد من أطباعهم والتباهي من سوسهم وَفِي أصل جوهرهم كَانَ اخْتِلَاف أقدارهم وتفاوت أَحْوَالهم سَبَب بقائهم وَعلة لقناعتهم فذو المَال الغفل من الْعقل العطل من الْأَدَب الْمدْرك حَظه من الدُّنْيَا بِأَهْوَن سعي إِذا تَأمل حَال الْعَاقِل المحروم وأكدار الْحول الْقلب ظن بل أَيقَن أَن المَال الَّذِي وجده مغير من الْعقل الَّذِي عَدمه وَذُو الْأَدَب المعدم إِذا تفقد حَال المثري الْجَاهِل لم يشك فِي أَنه فضل عَلَيْهِ وَقدم دونه وَذُو الصِّنَاعَة الَّتِي تعود عَلَيْهِ بِمَا يمسك رمقه لَا يغبط ذَا السُّلْطَان العريض وَلَا ذَا الْملك المديد وكل ذَلِك من دَلَائِل الْحِكْمَة وشواهد لطف التَّدْبِير وأمارات الرَّحْمَة والرأفة

1 / 82

وجوب السياسة
وأحق النَّاس وأولاهم بأمل مَا يجْرِي عَلَيْهِ تَدْبِير الْعَالم من الْحِكْمَة وَحسن واتقان السياسة وَأَحْكَام التَّدْبِير الْمُلُوك الَّذين جعل الله تَعَالَى ذكره بِأَيْدِيهِم أزمة الْعباد وملكهم تَدْبِير الْبِلَاد واسترعاهم أَمر الْبَريَّة وفوض إِلَيْهِم سياسة الرّعية ثمَّ الأمثل فالأمثل من الْوُلَاة الَّذين أعْطوا قياد الْأُمَم واستكفوا تَدْبِير الْأَمْصَار والكور ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ من أَرْبَاب النعم وسواس البطانة والخدم ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ من أَرْبَاب الْمنَازل ورواض الْأَهْل والولدان فَإِن كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ رَاع لما يجوزه كنفه ويضمه رَحْله ويصرفه أمره وَنَهْيه وَمن تَحت يَده رَعيته
وَيحْتَاج أَصْغَرهم شَأْنًا وأخفهم ظهرا وأرقهم حَالا وأضيقهم عطنا وَأَقلهمْ عددا من حسن السياسة وَالتَّدْبِير وَمن كَثْرَة التفكير وَالتَّقْدِير وَمن قلَّة الإغفال والإهمال وَمن الْإِنْكَار والتأنيب والتعنيف والتأديب وَالتَّعْدِيل والتقويم إِلَى جَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْملك الْأَعْظَم
بل لَو قَالَ قَائِل الَّذِي يحْتَاج إِلَيْهِ هَذَا من التيقظ والتنبيه وَمن التعرف والتجسس والبحث والتنقير والفحص والكشيف أَو من استشعار الْخَوْف والوجل ومجانبة الركون والطمأنينة والإشقاق من انفتاق

1 / 83

الربق واختلال السد أَكثر لأصاب مقَالا لِأَن الْفَذ الَّذِي لَا ظهير لَهُ والفرد الَّذِي لَا معاضد لَهُ أحْوج إِلَى حسن الْعِنَايَة وأحق بِشدَّة الِاحْتِرَاز من المستظهر بكفاية الكفاة ورفد الوزراء والأعوان وَلِأَن المعدم الَّذِي لَا مَال لَهُ يحْتَاج من ترقح الْعَيْش وَمَرَمَّة الْحَال إِلَى أَكثر مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْغَنِيّ الْمُوسر وَلَعَلَّ مُنكر يُنكر تمثيلنا أَحْوَال السوقة بأحوال الْمُلُوك أَو عائبا يعيب موازنتنا بَين الْحَالين أَو قادحا يقْدَح فِي مساواتنا بَين الْأَمريْنِ فَليعلم الْمُتَكَلف فِي النّظر فِي ذَلِك أَن تكلمنا فِي تقَارب النَّاس فِي الْأَخْلَاق والخلق وَفِي حاجات الْأَنْفس وَفِي دواعي الأجساد والمنازل دون الْمَرَاتِب والأحظار والأقدار
الْحَاجة إِلَى السياسة
ثمَّ ليعلم إِن كل إِنْسَان ملك وسوقة يحْتَاج إِلَى وَقت تقوم بِهِ حَيَاته وَيبقى شخصه ثمَّ يحْتَاج إِلَى إعداد فضل قوته لما يسْتَأْنف من وَقت حَاجته وَأَنه لَيْسَ سَبِيل الْإِنْسَان فِي اقتناء الأقوات سَبِيل سَائِر الْحَيَوَان الَّذِي ينبعث فِي طلب الرَّعْي وَالْمَاء عِنْد هيجان الْجُوع وحدوث الْعَطش وينصرف عَنْهُمَا بعد الشِّبَع والري غير معبئ بِمَا أفضله وَلَا حَافظ لما احتازه وَلَا عَالم بِعُود حَاجته إِلَيْهِمَا بل يحْتَاج الْإِنْسَان إِلَى مَكَان يخزن فِيهِ مَا يقتنيه

1 / 84

ويحرسه لوقت حَاجته فَكَانَ هَذَا سَبَب الْحَاجة إِلَى اتِّخَاذ المساكن والمنازل فَلَمَّا اتخذ الْمنزل واحرز الْقنية احْتَاجَ إِلَى حفظهَا فِيهِ مِمَّن يريدها ومنعها عَمَّن يرومها فَلَو أَنه أَقَامَ على الْقنية حَافِظًا لَهَا راصدا لطلابها إِذن أفناها قبل أَن يزِيد فِيهَا فَإِذا أفتنى ثَانِيَة عَادَتْ حَاجته إِلَى حفظهَا فَلَا يزَال ذَلِك دأبه حَتَّى يصير فِي مثل حيّز الْبَهِيمَة الَّتِي تسْعَى إِلَى مرعاها مَعَ حُدُوث حاجاتها فَاحْتَاجَ عِنْد ذَلِك إِلَى اسْتِخْلَاف غَيره على حفظ قنيته فَلم يصلح لخلافته فِي ذَلِك أَلا من تسكن نَفسه إِلَيْهِ وَلم تسكن نَفسه إِلَّا إِلَى الزَّوْج الَّتِي جعلهَا الله تَعَالَى ذكره للرجل سكنا وَكَانَ ذَلِك سَبَب اتِّخَاذ الْأَهْل وَلما يغشى الْأَهْل بِالْأَمر الَّذِي جعله الله سَببا لحدوث الذُّرِّيَّة وَعلة الْبَقَاء والنسل حدث الْوَلَد وَكثر الْعدَد وزادت الْحَاجة إِلَى الأقوات وإعداد فضلاتها لأوقات الْحَاجة احْتَاجَ عِنْد ذَلِك إِلَى الأعوان والقوام وَإِلَى الكفاة والخدام فَإِذا بِهِ صَار رَاعيا وَصَارَ من تَحت يَده لَهُ رعية
فَهَذِهِ أُمُور قد اسْتَوَى فِي الْحَاجة إِلَيْهَا الْملك والسوقة والراعي والمرعي والسائس والمسوس وَالْخَادِم والمخدوم لِأَن كل إِنْسَان مُحْتَاج فِي دُنْيَاهُ إِلَى قوت يمسك روحه وَيُقِيم جسده وَإِلَى منزل يحرز فِيهِ ذَات يَده ويأوى إِلَيْهِ إِذا انْصَرف عَن سَعْيه وَإِلَى زوج تحفظ عَلَيْهِ منزلَة وتحرز لَهُ كَسبه وَإِلَى ولد يسْعَى لَهُ عِنْد عَجزه ويمونه فِي حَال كبره ويصل نَسْله وَيحيى ذكره من بعده وَإِلَى قوام وكفاة يعينونه ويحملون ثقله وَإِذا اجْتمع هَؤُلَاءِ كَانَ رَاعيا ومسيما وَكَانَ لَهُ رعايا وسواما وكما إِن المسيم يلْزمه أَن يرتاد

1 / 85

مصَالح سائمته من الْكلأ وَالْمَاء نَهَارا وَمن الحظائر والزراب لَيْلًا وَإِن يذكي عيونه فِي كلائها ويبث كلابه فِي أقطارها ليحرسها من السبَاع العادية وَمن الْآفَات الطارقة وَمن السرق والغارة والنهب وَإِن يخْتَار لَهَا المشتى الدفئ والمصيف الرّيح ويرود لَهَا فِي طلب الْكلأ والنطف الْعَذَاب وَإِن يتحين وَقت عَملهَا وَإِن يترقب حيت نتاجها وَيلْزمهُ بعد ذَلِك أَن يَسُوقهَا إِلَى مصالحها ويصرفها عَن متالفها بنعيقه وصفيره وبزجره ووعيده فَإِن كَفاهُ ذَلِك فِي حسن انقيادها واستقامة ضلعها وَإِلَّا أقدم عَلَيْهَا بعصاه كَذَلِك يلْزم ذَا الْأَهْل وَالْولد والخدم والتبع مِمَّا يحِق عَلَيْهِ من حفظهم وحياطتهم وَمن تحمل مؤنهم وإدرار أَرْزَاقهم وإحسان سياستهم وتقويمهم بالترغيب والترهيب وبالوعد الْوَعيد وبالتقريب والتبعيد وبالإعطاء والحرمان حَتَّى تستقيم لَهُ قناتهم
فهذة أقاويل مجملة فِي وجوب السياسة وَالْحَاجة إِلَيْهَا وسنتبعها بأمثلة مفسرة فِي أَبْوَاب مفصلة بعد أَن نقدم قبلهَا بَابا فِي سياسة الرجل نَفسه فَإِن ذَلِك أحسن فِي النّظم وأبلغ فِي النَّفْع إِن شَاءَ الله تَعَالَى

1 / 86

بَاب فِي سياسة الرجل نَفسه
إِن أول مَا يَنْبَغِي أَن يبْدَأ بِهِ الْإِنْسَان من أَصْنَاف السياسة سياسة نَفسه إِذْ كَانَت نَفسه أقرب الْأَشْيَاء إِلَيْهِ وَأَكْرمهَا عَلَيْهِ وأولاها بعنايته وَلِأَنَّهُ مَتى أحسن سياسة نَفسه لم يعي بِمَا فَوْقهَا من سياسة الْمصر
الْعقل أساس الْإِصْلَاح
وَمن أَوَائِل مَا يلْزم من رام سياسة نَفسه أَن يعلم إِن لَهُ عقلا هُوَ السائس ونفسا أَمارَة بالسوء كَثِيرَة المعايب جمة المساوئ فِي طبعها وأصل خلقهَا هِيَ المسوسة
معرفَة أوجه الْفساد وعلاجها
وَإِن يعلم إِن كل رام إصْلَاح فَاسد لزمَه أَن يعرف جَمِيع فَسَاد ذَلِك الْفساد معرفَة مستقصاه حَتَّى لَا يُغَادر مِنْهُ شَيْئا ثمَّ يَأْخُذ فِي إِصْلَاحه وَإِلَّا كَانَ مَا يصلحه غير حريز وَلَا وثيق
كَذَلِك من رام سياسة نَفسه ورياضتها وَإِصْلَاح فاسدها لم يحز لَهُ أَن يَبْتَدِئ فِي ذَلِك حَتَّى يعرف جَمِيع مساوئ نَفسه معرفَة مُحِيطَة فَإِنَّهُ إِن أغفل بعض تِلْكَ المساوئ وَهُوَ يرى أَنه قد عَمها بالإصلاح كَانَ كمن يدمل ظَاهر الْكَلم وباطنه مُشْتَمل على الدَّاء وكما أَن الدَّاء إِذا قوى على الإهمال وَطول

1 / 87

التّرْك نقض الِانْدِمَال وَقذف الْجلد حَتَّى يَبْدُو لعين النَّاظر كَذَلِك الْعَيْب من معايب النَّفس إِذا أغفل عَنهُ كامنا حَتَّى إِذا لَاحَ لَهُ وَجه ظُهُور طلع مكتمنه آمن مَا كَانَ الْإِنْسَان لَهُ
ضَرُورَة الصّديق لكشف عُيُوب النَّفس
وَلما كَانَت معرفَة الْإِنْسَان نَفسه غير موثوق بهَا لما فِي طباع الْإِنْسَان من الغباوة عَن مساوئه وَكَثْرَة مسامحته نَفسه عِنْد محاسبتها وَلِأَن عقله غير سَلام عَن ممازجة الْهوى إِيَّاه عِنْد نظره فِي أَحْوَال نَفسه كَانَ غير مستغن فِي الْبَحْث عَن أَحْوَاله والفحص عَن مساوئه ومحاسنه من مَعُونَة الْأَخ اللبيب الواد الَّذِي يكون مِنْهُ بِمَنْزِلَة الْمرْآة فيريه حسن أَحْوَاله حسنا وسيئها سَيِّئًا
ضَرُورَة من يكْشف للرؤساء عيوبهم
وأحق النَّاس بذلك وأحوجهم إِلَيْهِ الرؤساء فَإِن هَؤُلَاءِ لما خَرجُوا عَن سُلْطَان التثبت وَعَن ملكة التصنع تركُوا الاكتراث للسقطات وَتعقب الهفوات بالندمات فاستمرت عَادَتهم على كَثْرَة الاسترسال وَقلة الاحتشام إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم برعت عُقُولهمْ ورجحت أحلامهم ونفذت فِي ضبط أنفسهم بصائرهم فحسنت سيرتهم واستقامت طريقتهم وَمِمَّا زَاد فِي عظم بلائهم باكتتام عيوبهم أَنهم هيبوا عَن التَّعْبِير بالمعايب مُوَاجهَة وَعَن النَّقْص والذم مشافهة وخيفوا فِي إعلان الثلب والعضب والشنع

1 / 88

والجذب والهمز واللمز بِظهْر الْعَيْب فَلَمَّا انْقَطع علم ذَلِك عَنْهُم ظنُّوا أَن المعايب تخطتهم والمثالب جاوزتهم فَلم تعرج بخططهم وَلم تعرس بأفنيتهم
وَلَيْسَ كَذَلِك حَال من دونهم من الرعاع والسوقة فَإِن أحدهم لَو رام أَن يخفى عَنهُ عيوبه يبدهه محبَّة بهَا ويتدارك عَلَيْهِ بأقبحها مَا اسْتَطَاعَ ذَلِك فَإِنَّهُ يخالط النَّاس ويلابسهم ضَرُورَة والمخالطة تحدث المجادلة والمدافعة وَذَلِكَ من أَسبَاب الْمُخَاصمَة والمخاصمة تُؤدِّي إِلَى التعايب بالمثالب والترامي بالعار وَعند ذَلِك يكَاد كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ لَا يرضى بِذكر حقائق عُيُوب صَاحبه بل يتهمه بِالْبَاطِلِ ويفتعل عَلَيْهِ الزُّور فَهَؤُلَاءِ قد كفوا استرشاد جلسائهم وَبث الجواسيس فِي تعرف عيوبهم من قبل أعدائهم فَإِنَّهَا قد جلبت إِلَيْهِم من غير هَذَا الطَّرِيق فَأَما من يسالم من السوقة النَّاس فَلَا يساورهم ويواتيهم وَلَا يلاحيهم فَإِنَّهُ لَا يعْدم من ينبهه على عَيبه وينصحه فِي نَفسه من حميم وَقَرِيب وخليط وجليس وأكيل
قرناء السوء وأثرهم
وَمِمَّا زَاد فِي فَسَاد حَال الْمُلُوك والرؤساء مِمَّا أتيح لَهُم من قرناء السوء وقيض لَهُم من جلساء الشَّرّ الَّذين لما خاسوا بعهدهم وراغوا فِي صحبتهم وغشوهم فِي عشرتهم بتركهم صدقهم عَن أنفسهم وتنبيههم عَن عَوْرَاتهمْ لم

1 / 89

يغشوهم بالثناء الْكَاذِب وَلم يغروهم بالتقريظ الْبَاطِل وَلم يستدروجهم باستصابة خطأهم لكانوا أخف ذنوبا وَإِن كَانُوا غير خَارِجين على لؤم الْعشْرَة ودناءة الصُّحْبَة وَلَعَلَّ أحدهم إِذا تنوع فِي إِقَامَة عذره وتنطع فِي تَخْفيف حُرْمَة قَالَ إِنَّمَا نَدع نصحهمْ فِي أنفسهم وصرفهم عَن أَحْوَالهم اشفاقا من حميتهم وحذرا من أنفتهم وخوفا من استثقالهم النَّصِيحَة فَإِن للنصح لدعا كلذع النَّار وحرا كحر السنان فَنحْن نَخَاف إِن فعلنَا ذَلِك بهم أَن لَا نربح إِلَّا استيحاشهم لنا ونفارهم منا وأزورارهم عَنَّا وَعَن عشرتنا فلَان نظفر بهم مَعَ زللهم خير لنا وَلَهُم من أَن نخرق عَلَيْهِم فَلَا هم يبقون لنا وَلَا نَحن نبقى لَهُم
هَذَا إِذا كَانَ الصاحب رَفِيقًا متثبتا
فإمَّا إِذا كَانَ أخرق متهورا فَإِنَّهُ يَقُول لَا نَأْمَن من سُقُوط منزلتنا وَانْقِطَاع خلظتنا مَعَ سُورَة غَضَبه وبادرة سطوته
أساس الصُّحْبَة
فَيُقَال لَهُ إِنَّك إِذا بنيت أَمرك فِي صُحْبَة من تصْحَب على الدّين والمروءة لم يلزمك أَن تراعي غَيرهمَا فِيمَا يَأْتِي وَتَذَر وَإِذا اقتديت بهما وعشوت إِلَى نورهما لم تضل فِي طَرِيق صُحْبَة من صَحِبت
وَقد قضيت فِيك بِأَن صَاحبك أحد رجلَيْنِ إِمَّا حَازِم رَفِيق متثبت وَإِمَّا أخرق متهور

1 / 90