Continuation de l'Histoire de Tabari

صلة تاريخ الطبري

Maison d'édition

دار التراث - بيروت

Édition

الثانية - 1387 ه

EDITOR|

الجزء الحادي عشر

صلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد القرطبي

بسم الله الرحمن الرحيم

ثم دخلت سنة احدى وتسعين ومائتين

(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس)

(ذكر اخبار القرامطة وقتل صاحب الشامة)

فيها كتب الوزير القاسم بن عبيد الله الى محمد بن سليمان الكاتب- وكان المكتفي قد ولاه حرب القرمطى صاحب الشامة، وصير اليه امر القواد والجيوش- فأمره بمناهضه صاحب الشامة والجد في امره وجمع القواد والرجال على محاربته.

فسار اليه محمد بن سليمان بجميع من كان معه واهل النواحي التي تليه من الاعراب وغيرهم حتى قربوا من حماه، وصار بينهم وبينها نحو اثنى عشر ميلا، فلقوا اصحاب القرمطى هنالك يوم الثلاثاء لست خلون من المحرم.

وكان القرمطى قد قدم بعض اصحابه في ثلاثة آلاف فارس وكثير من الرجاله في مقدمته، وتخلف هو في جماعه منهم، ردءا لهم، وجعل السواد وراءه، وكان معه مال جمعه، فالتقى رجال السلطان بمن تقدم من القرامطة لحربهم، والتحم القتال بينهم، وصبر الفريقان.

ثم انهزم اصحاب القرمطى، واسر من رجالهم بشر كثير، وقتل منهم عدد عظيم، وتفرق الباقون في البوادى، وتبعهم اصحاب السلطان ليله الأربعاء يقتلونهم ويأسرونهم.

فلما راى القرمطى ما نزل باصحابه من الانهزام والتفرق والقتل والاسر حمل أخا له يقال له ابو الفضل مالا، وتقدم اليه ان يلحق بالبوادي ويستتر بها، الى ان يظهر القرمطى بموضع، فيصير اليه اخوه بالمال، وركب هو وابن عمه المسمى بالمدثر، وصاحبه المعروف بالمطوق، وغلام له رومي وأخذ دليلا وسار يريد الكوفه عرضا في

Page 11

البريه حتى انتهى الى موضع يعرف بالدالية من اعمال طريق الفرات، فنفد ما كان معهم من الزاد والعلف، فوجه بعض من كان معه ليأخذ لهم ما احتاجوا اليه فدخل الدالية لشراء حاجته، فأنكر زيه، وسئل عن امره فاستراب وارتاب، واعلم المتولى لمسلحه تلك الناحية بخبره، وكان على المعاون رجل يعرف بابى خليفه بن كشمرد فركب في جماعه، وسال هذا الرجل عن خبره، فاعلمه ان صاحب الشامة بالقرب منه، في ثلاثة نفر، وعرفه بمكانه.

فمضى صاحب المعاون اليهم واخذهم ووجه بهم الى المكتفي وهو بالرقة، ورجعت الجيوش من طلب القرامطة، بعد ان أفنوا اكثرهم قتلا واسرا وكتب محمد بن سليمان الكاتب الى الوزير القاسم بن عبيد الله بمحاربته للقرامطه، وما فتح الله له عليهم، وقتله واسره لاكثرهم، وانه تقدم في جمع الرءوس وهو باعث منها بعدد عظيم.

وفي يوم الاثنين لاربع بقين من المحرم ادخل صاحب الشامة الى الرقة ظاهرا للناس على فالج، وعليه برنس جرير، ودراعه ديباج، وبين يديه المدثر والمطوق على جملين ثم ان المكتفي خلف عساكره مع محمد بن سليمان، وشخص هو في خاصته وغلمانه وخدمه، وشخص معه القاسم بن عبيد الله الوزير من الرقة الى بغداد، وحمل معه القرمطى والمدثر والمطوق وجماعه ممن اسر في الوقعه وذلك في أول صفر، فلما صار الى بغداد عزم على ان يدخل القرمطى مدينه السلام مصلوبا على دقل والدقل على ظهر فيل، فامر بهدم طاقات الأبواب التي يجتاز بها الفيل بالدقل ثم استسمج ذلك، فعمل له دميانه، غلام يا زمان كرسيا، وركبه على ظهر الفيل، في ارتفاع ذراعين ونصف، واقعد فيه القرمطى صاحب الشامة، ودخل المكتفي مدينه السلام، صبيحة يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الاول وقد قدم بين يديه الأسرى مقيدين على جمال عليهم دراريع الحرير وبرانس الحرير، والمطوق وسطهم، وهو غلام ما نبتت لحيته بعد، قد جعل في فيه خشبة مخروطه والجم بها في فمه كهيئة اللجام ثم شدت

Page 12

الى قفاه، وذلك انه لما دخل الرقة كان يشتم الناس إذا دعوا عليه، ويبزق في وجوههم، فجعل له هذا لئلا يتكلم ولا يشتم.

ثم امر المكتفي ببناء دكه في المصلى العتيق بالجانب الشرقى في ارتفاعها عشره اذرع لقتل القرامطة، وكان خلف المكتفي وراءه محمد بن سليمان الكاتب بجمله من قواد القرامطة وقضاتهم ووجوههم فقيد جميعهم، ودخلوا بغداد بين يديه يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الاول، وقد امر القواد بتلقيه والدخول معه فدخل في اتم ترتيب حتى إذا صار بالثريا نزل بها وخلع عليه، وطوق بطوق من ذهب، وسور بسوارين من ذهب، وخلع على جميع القواد القادمين معه وطوقوا وسوروا.

ثم صرفوا الى منازلهم وامر بالأسرى الى السجن.

وذكر عن صاحب الشامة انه أخذ وهو في حبس المكتفي سكرجة من المائدة التي كانت تدخل عليه وكسرها وأخذ شظية منها، فقطع بها بعض عروقه وخرج منه دم كثير، حتى شدت يده، وقطع دمه، وترك أياما حتى رجعت اليه قوته.

ولما كان يوم الاثنين لسبع بقين من ربيع الاول، امر المكتفي القواد والغلمان بحضور الدكة في المصلى العتيق، وخرج من الناس خلق كثير، وحضر الواثقى وهو يلى الشرطه بمدينه السلام ومحمد بن سليمان كاتب الجيش، فقعدوا على الدكة في موضع هيئ لهم، وحمل الأسرى الذين جاء بهم المكتفي، والذين جاء بهم محمد بن سليمان ومن كان في السجن من القرامطة، وقوم من اهل بغداد ذكر انهم على مذاهبهم، وقوم من سائر البلدان من غير القرامطة حبسوا لجنايات مختلفه فاحضر جميعهم الدكة ووكل بكل رجل منهم عونان، وقيل انهم كانوا في نحو ثلاثمائة وستين.

ثم احضر صاحب الشامة والمدثر والمطوق، واقعدوا في الدكة وقدم اربعه وثلاثون رجلا من القرامطة فقطعت ايديهم وارجلهم، وضربت أعناقهم واحدا بعد واحد.

وكانت ترمى رءوسهم وجثثهم وايديهم وارجلهم كل ما قطع منها الى اسفل الدكة.

فلما فرغ من قتل هؤلاء قدم المدثر فقطعت يداه ورجلاه، وضربت عنقه، ثم المطوق.

ثم قدم صاحب الشامة فقطعت يداه ورجلاه وأضرمت نار عظيمه، وادخل فيها خشب صليب، وكانت توضع الخشبة الموقده في خواصره وبطنه، وهو يفتح

Page 13

عينيه ويغمضهما، حتى خشي عليه ان يموت، فضربت عنقه ورفع راسه في خشبة وكبر من كان على الدكة وكبر سائر الناس في أسفلها، ثم ضربت اعناق باقى الأسرى وانصرف القواد ومن حضر ذلك الموضع وقت العشاء فلما كان بالغد حملت الرءوس الى الجسر، وصلب بدن القرمطى في الجسر الأعلى ببغداد، وحفرت لأبدان القتلى آبار الى جانب الدكة، فطرحوا فيها ثم امر بعد ذلك بايام بهدم الدكة ففعل ذلك.

واستامن على يدي القاسم بن سيما رجل من القرامطة، يسمى اسماعيل ابن النعمان، ويكنى أبا محمد، لم يكن بقي منهم بنواحي الشام غيره وغير من انضوى اليه، وكان هذا الرجل من موالي بنى العليص، فرغب في الدخول في الطاعة، خوفا على نفسه، فأومن هو ومن معه، وهم نيف وستون رجلا، ووصلوا الى بغداد.

واجريت لهم الأرزاق، واحسن اليهم ثم صرفوا مع القاسم بن سيما الى عمله، وأقاموا معه مده فهموا بالغدر به فوضع السيف فيهم، واباد جميعهم.

وفي آخر جمادى الاولى من هذه السنه ورد كتاب من ناحيه جبى بان سيلا أتاها من الجبل، غرق فيه نحو من ثلاثين فرسخا وذهب فيه خلق كثير، وخربت به المنازل والقرى، وهلكت المواشى والغلات، واخرج من الغرقى الف ومائتان سوى من لم يوجد منهم.

وفي يوم الأحد غره رجب، خلع المكتفي على محمد بن سليمان كاتب الجيش وعلى وجوه القواد، وامرهم بالسمع والطاعة لمحمد بن سليمان، وبرز محمد الى مضربه بباب الشماسيه وعسكر هنالك، ثم خرج بالجيوش الى جانب دمشق، لقبض الاعمال من هارون بن خمارويه إذ تبين ضعفه، وذهب رجاله في حرب القرامطة، ورحل محمد بن سليمان في زهاء عشره آلاف، وذلك لست خلون من رجب، وامر بالجد في المسير.

ولثلاث بقين من رجب قرئ على الناس كتاب لإسماعيل بن احمد بان الترك قصدوا المسلمين في جيش عظيم، وان في عسكرهم سبعمائة قبة تركية لرؤساء منهم خاصه فنودي في الناس بالنفير وخرج مع صاحب العسكر خلق كثير فوافى

Page 14

الترك غارين، فكبسوهم ليلا، وقتل منهم خلق كثير، وانهزم الباقون، واستبيح عسكرهم وانصرف المسلمون سالمين غانمين.

وورد أيضا الخبر من الثغور، بان صاحب الروم وجه إليها عسكرا فيه عشره صلبان ومائه الف رجل، فأغاروا وكبسوا واحرقوا ثم ورد كتاب ابى معد بان الاخبار اتصلت من طرسوس بان غلام زرافه خرج الى مدينه انطاليه على ساحل البحر.

فافتتحها عنوه، وقتل بها خمسه آلاف رجل من الروم، واسر نحو هذه العده منهم، واستنقذ من أسارى المسلمين اربعه آلاف انسان، ووجد للروم ستين مركبا فغرقها وأخذ ما كان فيها من الذهب والفضه والمتاع والانيه وان كل رجل حضر هذه الغزاة أصاب في فيئه الف دينار، فاستبشر المسلمون بذلك.

وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن العباس بن محمد

Page 15

ثم دخلت سنه اثنتين وتسعين ومائتين

(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس)

ففيها وجه صاحب البصره الى السلطان رجلا ذكر انه اراد الخروج عليه، وصار الى واسط مخالفا بها، فاقصد اليه من يقبض عليه وعلى قوم ذكروا انهم بايعوه، ووجه بهم الى بغداد، فحمل هذا الرجل على فالج، وبين يديه ابن له صبى على جمل، ومعه سبعه وثلاثون رجلا، على جمال عليهم برانس الحرير، واكثرهم يستغيث ويبكى، ويحلف انه بريء فامر المكتفي بحبسهم وفي هذه السنه اغارت الروم على مرعش ونواحيها، فنفر اهل المصيصة وطرسوس، وأصيبت جماعه من المسلمين فيهم ابو الرجال بن ابى بكار.

وفيها انتهى محمد بن سليمان الكاتب الى احواز مصر لحرب هارون، ووجه اليه المكتفي في البحر دميانه، وامره بدخول النيل، وقطع المواد عمن بمصر من الجند، فمضى وقطع عن اهل مصر الميرة، وزحف اليهم محمد بن سليمان على الظهر، حتى دنا من الفسطاط، وكاتب القواد الذين بها، فخرج اليه بدر الحمامي، وكان رئيس القوم، ثم تتابع قواد مصر بالخروج اليه، والاستئمان له، فلما راى ذلك هارون ومن بقي معه خرجوا محاربين لمحمد بن سليمان، وكانت بينهم وقعات.

ثم انها وقعت بين اصحاب هارون في بعض الأيام عصبية اقتتلوا فيها، فخرج اليهم هارون ليسكنهم، فرماه بعض المغاربه بسهم فقتله وبلغ محمد بن سليمان الخبر، فدخل هو ومن معه الفسطاط، واحتووا على دور آل طولون وأموالهم، وتقبض على جميعهم، وهم بضعه عشر رجلا، فقيدهم وحبسهم، واستصفى أموالهم، وكتب بالفتح الى المكتفي، وكانت هذه الوقيعه في صفر، وكتب الى محمد بن سليمان في

Page 16

اشخاص آل طولون الى بغداد، والا يبقى منهم أحدا بمصر ولا الشام، ففعل ذلك.

ولثلاث خلون من ربيع الاول، سقط الحائط من الجسر الاول على جثه القرمطى وهو مصلوب، فطحنه ولم يبق منه شيء.

4 وفي شهر رمضان ورد الخبر على السلطان بان قائدا من القواد المصريين يعرف بالخليجى، ويسمى بابراهيم تخلف عن محمد بن سليمان في آخر حدود مصر، مع جماعه استمالهم من الجند وغيرهم، ومضى الى مصر مخالفا للسلطان، وكان معه في طريقه جماعه أحبوا الفتنة حتى كثر جمعه، فلما صار الى مصر اراد عيسى النوشرى محاربته، فعجز عن ذلك لكثرة من كان مع ابن الخليجي، فانحاز عنه الى الإسكندرية، واخلى مصر، فدخلها الخليجي.

وفيها ندب السلطان لمحاربه الخليجي واصلاح امر المغرب فاتكا مولى المعتضد، وضم اليه بدرا الحمامي، وجعله مشيرا عليه فيما يعمل به، وندب معه جماعه من القواد وجندا كثيرا، وخلع على فاتك وعلى بدر الحمامي لسبع خلون من شوال،.

وامرا بسرعة الخروج وتعجيل السير فخرجا لاثنتى عشره ليله خلت من شوال.

وللنصف من شوال دخل رستم مدينه طرسوس واليا عليها وعلى الثغور الشامية.

وفيها كان الفداء بين المسلمين والروم لست بقين من ذي القعده، ففودى من المسلمين الف ومائتا نفس، ثم غدر الروم، وانصرفوا، ورجع المسلمون بمن في ايديهم من أسارى الروم.

وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن العباس بن محمد

Page 17

ثم دخلت سنه ثلاث وتسعين ومائتين

(ذكر ما دار في هذه السنه من اخبار بنى العباس)

ففيها ورد الخبر بان الخليجي المتغلب على مصر واقع احمد بن كيغلغ وجماعه من القواد بالقرب من العريش، فهزمهم الخليجي، اقبح هزيمه، فندب السلطان للخروج اليه جماعه من القواد المقيمين بمدينه السلام فيهم ابراهيم بن كيغلغ وغيره وفي شهر ربيع الأول من هذه السنة ورد الخبر بان أخا للحسين بن زكرويه، ظهر بالدالية من طريق الفرات في نفر من اصحابه، ثم اجتمع اليه جماعه من الاعراب والمتلصصة فسار بهم نحو دمشق، في جمادى الاولى وحارب أهلها، فندب السلطان للخروج اليه الحسين بن حمدان بن حمدون، في جمع كثير من الجند ثم ورد الخبر بان هذا القرمطى سار الى طبرية، فامتنع أهلها من ادخاله، فحاربهم حتى دخلها فقتل عامه من بها من الرجال والنساء، ونهبها وانصرف الى ناحيه البادية.

وذكر من حضر مجلس محمد بن داود بن الجراح، وقد ادخل اليه قوم من القرامطة بعد قتل الحسين بن زكرويه المصلوب بجسر بغداد فقال الرجل: كان زكرويه ابو حسين المقتول مختفيا عندي في منزلي، وقد اعد له سرداب تحت الارض، عليه باب حديد، وكان لنا تنور، فإذا جاءنا الطلب، وضعنا التنور على باب السرداب، وقامت امراه تسخنه فمكث زكرويه كذلك اربع سنين، في ايام المعتضد، ثم انتقل من منزلي الى دار قد جعل فيها بيت وراء باب الدار، فإذا فتح الباب انطبق على باب البيت، فيدخل الداخل، فلا يرى باب البيت الذى هو فيه، فلم تزل هذه حاله حتى مات المعتضد، فحينئذ انفذ الدعاه، واستهوى طوائف من اهل البادية، وصار اهل قريه صوعر يتفلونه على ايديهم، ويسجدون له واعترف لزكرويه جميع من رسخ حب الكفر في قلبه من عربي ومولى ونبطي وغيرهم، بانه رئيسهم وكهفهم وملاذهم، وسموه السيد والمولى، وساروا به وهو محجوب عن اهل عسكره، والقاسم يتولى الأمور دونه، يمضيها على رايه

Page 18

وذكر محمد بن داود ان زكرويه بن مهرويه هذا اقام رجلا كان يعلم الصبيان بقرية تدعى زابوقه، من عمل الفلوجة يسمى عبد الله بن سعيد، ويكنى أبا غانم، فتسمى بنصر ليعمى امره، ويخفى خبره، فاستهوى طوائف من الاصبغيين والعليصيين وصعاليك من بطون كلب، وقصد بهم ناحيه الشام، وكان عامل السلطان على دمشق والأردن احمد بن كيغلغ، وكان مقيما بمصر على حرب الخليجي، فاغتنم ذلك عبد الله ابن سعيد المتسمى بنصر وسار الى مدينه بصرى، فحارب أهلها، ثم آمنهم فلما استسلموا له قتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم، واستاق أموالهم، ثم نهض الى دمشق، فخرج اليه من كان بقي بها مع صالح بن الفضل خليفه احمد بن كيغلغ فقتل صالحا، وفض عسكره ولم يطمع في مدينه دمشق إذ دافعهم أهلها عنها ثم قصد القرمطى ومن معه مدينه طبرية، فقتلوا طائفه من أهلها، وسبوا النساء والذرية بها، فحينئذ انفذ السلطان لمحاربتهم الحسين بن حمدان في جماعه من القواد والرجال، فوردوا دمشق، وقد دخل القرامطة طبرية فلما اتصل بهم خروج القواد اليهم، عطفوا نحو السماوه، وتبعهم الحسين بن حمدان وهم ينتقلون من ماء الى ماء ويعورون ما وراءهم من المياه.

فانقطع الحسين عن اتباعهم لما عدم الماء، وعاد الى الرحبه، وقصدت القرامطة الى هيت، فصبحوها ولم يصلوا الى المدينة لحصانه سورها لسبع بقين من شعبان، مع طلوع الشمس، فنهبوا ربضها، وقتلوا من قدروا عليه من أهلها، واحرقت المنازل وانهبت السفن التي في الفرات، وقتل من اهل البلد نحو مائتي نفس، وأوقروا ثلاثة آلاف بعير بالأمتعة والحنطة ثم رحلوا الى البادية.

ثم شخص باثرهم محمد بن كنداج اليهم، فلما كان بقربه منهم، هربوا منه وعوروا المياه بينهم وبينه، فانفذت اليه الإبل والروايا والزاد، وكتب الى الحسين بن حمدان بالنفوذ اليهم من جهة الرحبه، والاجتماع مع محمد بن كنداج على الإيقاع بهم.

فلما احسن الكلبيون الذين كانوا مع عبد الله بن سعيد القرمطى المتسمى بنصر، وثبوا عليه، وقتلوه، وتقربوا برأسه الى محمد بن كنداج، واقتتلت القرامطة حتى وقعت بينهما الدماء.

ثم انفذ زكرويه داعيه له يسمى القاسم بن احمد، الى اكره السواد، فاستهواهم

Page 19

ووعدهم بان ظهوره قد حضر، وانه قد بايع له بالكوفه نحو اربعين الف رجل وفي سوادها أربعمائة الف رجل، وان يوم موعدهم الذى ذكره الله يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى وامرهم بالمسير الى الكوفه ليفتتحوها في غداه يوم النحر، وهو يوم الخميس فإنهم لا يمنعون منها فتوجه القاسم بن احمد باهل السواد ومن يجتمع اليه من الصعاليك، حتى وافوا باب الكوفه في ثمانمائه فارس، عليهم الدروع والجواشن والإله الحسنه، ومعهم جماعه من الرجاله على الرواحل، وقد انصرف الناس عن مصلاهم، فاوقعوا بمن لحقوه من العوام، وقتلوا منهم زهاء عشرين نفسا.

وخرج اليهم إسحاق بن عمران عامل الكوفه ومن كان معه من الجند فصافوا القرامطة الحرب الى وقت العصر، وكان شعار القرامطة: يا احمد يا محمد، وهم يدعون: يا لثارات الحسين! يعنون المصلوب بجسر بغداد، وأظهروا الاعلام البيض، وضربوا على القاسم بن احمد قبة، وقالوا: هذا ابن رسول الله، فاقتتلوا قتالا شديدا ثم انهزمت القرامطة نحو القادسية، واصلح اهل الكوفه سورهم وخندقهم، وحرسوا مدينتهم وكتب إسحاق بن عمران الى السلطان يستمده، فندب اليه جماعه فيهم طاهر بن على بن وزير ووصيف بن صوارتكين والفضل بن موسى بن بغا وبشر الخادم وجنى الصفواني ورائق الخزري، وضم اليهم جماعه من غلمان الحجر، وامر القاسم بن سيما ومن ضم اليه من رؤساء البوادى بديار ربيعه وطريق الفرات وغيرهم بالنهوض الى القرامطة، إذ كان اصحاب السلطان متفرقين في نواحي الشام ومصر، فنفذت الكتب بذلك اليهم.

وفي يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب، قرئ على المنبر ببغداد كتاب بان اهل صنعاء وسائر اهل اليمن اجتمعوا على الخارجي وحاربوه وفلوا جموعه، فانحاز الى بعض النواحي باليمن، فخلع السلطان على مظفر بن حاج، وعقد له على اليمن وخرج إليها لخمس خلون من ذي القعده، فأقام بها حتى مات ولتسع بقين من رجب اخرجت مضارب المكتفي الى باب الشماسيه، فضربت هنالك ليخرج الى الشام، ويحاصر ابن الخليجي، فورد كتاب من قبل فاتك القائد واصحابه، يذكرون

Page 20