وأما القوى فإنها ليست من هذا القبيل. فإنها ليست بحسب إدراك الحس، أو نسبة غير الشي الذى ينفعل عنها. فإن لم يكن الجسم الذى يصدر عنه فعل مخصوص مخصوصا مميزا مما ليس يصدر عنه الفعل الذى كان مخصوصا به، لم يصدر عنه فعل مخصوص. وإذ ليس الاختصاص بالجسمية فهو بغير الجسمية. وإذ ليس الفعل صادرا عن المزاج صدورا أوليا، لأن الفعل الصادر عن المزاج هو ما يصدر عن حار وبارد ورطب ويابس مكسور، وليس هذا الفعل ذلك، فهو إذن عن قوة غير المزاج.
لكن لقائل أن يقول: إنكم تقولون إن المزاج، ليس إلا كيفيات مكسورة، قد يوجب إعداد لم تكن للبسائط، وليس هو كسر إعداد البسائط.وكذلك سيوجب صدور أفعال لم تكن للبسائط، ولا هو كسر أفعال لها.
فنقول إن هذا غلط. فإن الأفعال إنما تنسب نسبة أولية إلى الكيفيات، ولا يكون للمواد فيها شركة، وتكون كل قوة إنما هي ما هي لأجل فعلها. ويكون معنى قولنا إن هذه القوة قوية صرفه أن فعلها يصدر عنها قويا صرفا؛ ومعنى قولنا هذه القوة ضعيفة مكسورة أن الفعل الذى يصدر عنها يصدر ضعيفا. فلا مفهوم لقولنا حرارة ضعيفة إلا أن الفعل الذى للحرارة يصدر عنها ضعيفا. ثم لا ننكر أن تكون الأفعال عن الحرارات المختلفة فى الضعف والقوة تختلف اختلافا كثيرا، حتى يكون بعضه إحراقا وبعضه إنضاجا. لكنها تشترك فى المعنى الذى يكون للحرارة. فالذى يقع ذلك المعنى منه شديدا وقويا يقع منه إحراق، والذى يقع منه ذلك إلى حد يكون إنضاجا.
Page 258
الفن الرابع من الطبيعيات فى الأفعال والانفعالات
مقالتان
المقالة الأولى من هذا الفن تسعة فصول
الفصل الأول فى طبقات العناصر
الفصل الثانى فصل فى أحوال كلية من أحوال البحر
الفصل الثالث فصل فى تعريف سبب تعاقب الحر والبرد
الفصل الرابع فصل فى تعريف ما يقال من أن الأجسام كلما ازدادت عظما ازدادت شدة وقوة
الفصل الخامس فصل فى تعديد الأفعال والانفعالات المنسوبة إلى هذه الكيفيات الأربع
الفصل السادس فصل فى لنضج والنهوة والنهوءة والعفونة والاحتراق
الفصل السابع فصل فى الطبخ والشي والقلي والتبخير، والتدخين، والتصعيد والذوب والتليين والاشتعال، والتجمير والتفحم ما يقبل ذلك وما لا يقبله
الفصل الثامن فصل فى الحل والعقد
الفصل التاسع فصل فى أصناف انفعالات الرطب واليابس
المقالة الثانية من الفن الرابع فى الطبيعيات هذه المقالة نصف فيها جملة القول فيما يتبع المزاج من الأحوال المختلفة، وهي فصلان.
الفصل الأول فصل فى ذكر اختلاف الناس فى حدوث الكيفيات المحسوسة التى بعد الأربع، وفى نسبتها إلى المزاج، ومناقضة المبطلين منهم