Commentaire de Zarruq sur le texte de la Risala
شرح زروق على متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني
Maison d'édition
دار الكتب العلمية
Édition
الأولى
Année de publication
1427 AH
Lieu d'édition
بيروت
شرْح
الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد البرنسي الفاسي الْمَعْرُوف بزرُّوق
الْمُتَوفَّى سنة ٨٩٩ هـ
على متن الرسَالَة
للْإِمَام أبي مُحَمَّد عبد الله بن أبي زيد القيرواني
الْمُتَوفَّى سنة ٣٨٦ هـ
ويليه
متن الرسَالَة
أعتنى بِهِ وَكتب هَوَامشه
أَحْمد فريد المزيدي
الْجُزْء الأول
دَار الْكتب العلمية
Page inconnue
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد الذي ابتدأ الوجود بإحسانه، وشمله بفضله وامتنانه، فخلق وصور وحكم ودبر، وقضى وقدر، وأرشد ويسر، ثم هدى وأضل، ووفق وخذل، وتفضل في ذلك وعدل، لا يسأل عما يفعل، أحمده وأشهده، وأستعينه وأستغفره، وأسأله العافية والتيسير، والفتح فيما أؤمله من كتب وتقرير، وأصلي على سيدنا محمد المختار، وعلى آله وأصحابه الأبرار، وأسلم عليه وعليهم كذلك، والحمد لله على ذلك.
أما بعد:
فإن العلم أفضل الأعمال، والتفقه في الدين أساس كل كمال، وإن رسالة ابن أبي زيد شهيرة المناقب والفضائل، غزيرة النفع في الفقه والمسائل، من حيث أنها مدخل جامع للأبواب، قريبة المرام في الكتاب والحفظ والاكتساب، وقد اعتنى بها الأوائل والأواخر، وانتفع بها أهل الباطن والظاهر، حتى صارت بحيث يهتدي بها الطالب المتبدئ ولا يستغني عنها الراغب المقتدي، ولم تزل الناس يشرحونها على مر السنين والدهور، والعلماء يتداولونها ويتأولون ما فيها من مشكل الأمور، نحوًا من خمسمائة سنة، ولم تنقض لها حرمة، ولا طعن فيها عالم معتبر في الأمة، مع ما فيها من عظيم الإشكال، ودواعي الإنكار من الحساد والإشكال، وهذه كرامة من الله لا تنال بالأسباب.
ومثله ما يذكر من أن من التزمها علمًا وعملًا فتحت له أبواب، فكان ذا أربعة أو أحدها أو اثنين أو ثلاثة:
أحدها: علم حاصل؛ أو مال واصل، أو صلاح كامل، أو جاه فاضل حسبما استقرئ ذلك في الغالب، وأخذ من كلامه بعض المطالب، وسنذكره في محله إن شاء الله تعالى وما ذاك إلا لإرادة وجه الله، ودوام اللجأ إلى الله، فقد حكي أنه كان يجعلها في محرابه الذي يصلي فيه ليلًا ويدعو الله أن يجعلها مكان عقبه؛ لأنه لم يكن له عقب، فلم تزل تتلى حتى لقد ذكر أنها منذ وجدت إلى الآن تخرج لها في كل مكان سنة شرح وتبيان.
إما من عالم كبير أو من نحرير، أو ممن هو مثلي فقير حقير، فوضعت هذه العجالة بحسب الوسع والتيسير، وقدر ما انتهى إليه فهمي القاصر وعلمي القصير، معتمدًا على رب السموات والأرض أن يجعله رحمة لعباده، وبركة شاملة في أرضه
1 / 9
وبلاده، وأن ينفع به الخاص والعام، بجاه محمد ﵊، وقد اجتنبت فيه الإطناب الممل، وفارقت الاختصار العنيف المخل، واعتمدت النقل دون التعليل، وأخذت عيون المسائل إلا في القليل، وآثرت النقل من كتب المتأخرين لما لهم من الجمع والتحرير، واخترت جماعة مشهورة لها بحث وتحقيق، ليرجع إليها فيما فيه من معقول ومنقول، ويحقق في كل مفهوم ومقول، غير إني قصدت لتصحيح المتن وبيان المشكل وتتميم الناقص فلم يتيسر لما علي من كلفة السفر، وعدم العدة في فرعه وأصله مع ما اعتراني من الأعراض والأمراض، فلذوي الفضل قبوله بإنصاف من غير تعنت ولا اعتراض.
فإن من صنف استهدف، ومن أبرز للوجود عمله، فقد ولي الناس حكمه، وعلى الله المعتمد في بلوغ التكميل وهو حسبنا ونعم الوكيل، وقد وضعت رموز المشايخ منهم الشيخ الفقيه الصالح العلامة الشهير شرقًا وغربًا سيدي أبي عبد الله محمد بن محمد بن عرفة الورغمي بفتح الواو المعجمة وتشديد الميم ثم التونسي المتوفى سنة ثلاث وثمانمائة في سن نيف وثمانين سنة وصورة الرمز له (ع)، ومنهم الشيخ الفقيه العالم القاضي العدل وإمام أهل عصره في الإنصاف والاعتبار أبو عبد الله محمد بن عبد السلام الهوري قاضي الجماعة بتونس وبه تخرج ابن عرفة وغيره من الكبار ثم توفى ﵀ في سنة ست وأربعين وسبعمائة وصورة رمزه (س) في كتابه على ابن الحاجب المشهور كمختصر ابن عرفة فمنهما النقل وعليهما الاعتماد ثم الشيخ الصالح العلامة فريد وقته علمًا وديانة أبو المودة غرس الدين خليل بن إسحاق بن الجندي المصري القاهري المتوفى سنة تسع وستين سبعمائة وهو من الديانة والعلم بالمكان العظيم.
وقد شرح ابن الحاجب بالتوضيح قتبع ابن عبد السلام وأتى بمختصره في الفتاوى حجة في الإسلام وقد رمزنا له على الكتابين بما صورته (خ) وهو رمزه لنفسه في توضيحه والشيخ تاج الدين بهرام بن عبد الله الدميري قاضي المالكية في وقته وقد شرح المختصر بكبير وصغير وشرح الإرشاد في ستة مجلدات وجمع كل ما حصله في شامله باختصار فأنا أنقل منه لا من غيره لكونه جامعًا مغتنيًا بالمشهور وإن كان في اختصاره للخلافيات قصر في بعض أبواب والمشهور ومحفوظ عنده وجعلت رمزه (م)
1 / 10
لعدم خفائها به؛ لأن رمز بعض شيوخنا له (ب) فإنها قد تندرج في الخط فلا تعرف وتوفي ﵀ سنة خمس وثمانمائة بالقاهرة والله تعالى أعلم.
وقد أخذت ذلك في أول الكتاب من شرح شيخنا الفقيه الصالح أبي زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي ثم الجزائري وكانت الديانة أغلب عليه من العلم فكان يتحرى في النقل أتم التحري وإن كان لا يستوفيه في بعض المواضع توفي ﵀ سنة خمس وسبعين وثمانمائة عن ست وتسعين سنة وكتابه على ابن الحاجب وله تآليف غيره واعتمدت فيها بعد الثلث الأول إلى آخر الكتاب شرح الفقيه الفاضل أبي العباس القلشاني لأنه صحيح النقل، وربما ذكرت طريقات من اختصار الشيخ الصالح أبي محمد الشبيبي لشرح الشيخ تاج الدين بن الفاكهاني، وذلك في الأوائل.
فأما العقيدة فاعتمدت فيها على شرح الشيخ ناصر الدين المشذالي تلميذ الشيخ عز الدين بن عبد السلام الشافعي وعمدة الشراح في ذلك ثم شرح شيخنا أبي العباس أحمد بن البزليني المعروف بحلو لو أحد الأئمة بتونس وقد شرح جمع الجوامع ومختصر الشيخ خليل ونفع الله بكتبه في حياته وهو الآن حي كان الله له في الدارين، وما سوى ذلك فهو معزو لأهله وبالله سبحانه التوفيق.
فأما الجزولي وابن عمر ومن في معناهما فليس ما ينسب إليهم بتأليف وإنما هو تقييد قيده الطلبة زمن إقرائهم فهو يهدي ولا يعتمد وقد سمعت أن بعض الشيوخ في بأن من أفتى من التقاييد يؤدب والله أعلم وقد توفي الجزولي الشيخ عبد الرحمن بن عفان ﵀ في حدود الأربعين وسبعمائة عن مائة وعشرين سنة وسيدي يوسف بن عمر الفاسي رحمه الله تعالى بعده بنحو عشرين سنة بل زائدًا عليها بمدينة فاس وكانت شهرتهما بالصلاح كشهرتهما بالعلم أكثر.
وقد افتتحا الكتاب بالكلام على البسملة فلنقتد بهما على وجه الاختصار:
فقوله: (بسم الله) خبر مبتدأ محذوف تقديره ابتدائي أو افتتاحي بذكر اسم الله تبركًا به، وقال الترمذي الحكيم هي في أول كل سورة من القرآن قسم على أن ما في هذه السورة حق وفي ذكرها إناس من هيبة الكلام بذكر الرحمة والله اسم لذات المعبود الحق الغني عن العلة والفاعل الموصوف بصفات الألوهية وإن شئت قلت الموصوف
1 / 11
بصفات الكمال المنزه عن النقص والمثال وإن شئت قلت وهو الظاهر الربوبية بالدلائل المتحجب عن الكيفية والأوهام، وإن شئت قلت الذي تقدست عن سمة الحوادث ذاته وشهدت بوجوده مبدعاته ودلت على وحدانيته آياته.
و(الرحمن الرحيم): اسمان مشتقان من الرحمن جاريان على صيغ المبالغة والثاني أبلغ من الأول بل والأول مقتض للإيجاد والثاني للإمداد ولذلك اختص بالمؤمنين في قوله: ﴿وكان بالمؤمنين رحيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] فانظر ذلك وبالله التوفيق.
قوله: (صلى الله على سيدنا محمد) من الناس من يعطفه بالواو على أن الجملة خبرية والمراد قد صلى الله على محمد فما عسى أن تبلغ صلاتنا عليه ومنه من يراها طلبية لفظها لفظ الخبر ومعناها الدعاء والتقدير يا ألله صل، والصلاة من الله على نبيه الإقبال عليه بزيادة التشريف والتعظيم.
ومن الملائكة الدعاء والاستغفار ومن سائر العباد الدعاء بزيادة التشريف والتعظيم والسيد من له السؤود أي الشرف الكامل ثم هل هو سيد منا أو سيد تملكنا كلا المعنيين صحيح لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم وقد بعث فيهم من أنفسهم بضم الفاء وأنفسهم ومحمد مفعل من الحمد منقول من الصفة سمي بذلك ليكون محمود في السماء والأرض فكان أحمد من حمد بضم الحاء وأحمد من حمد بفتحها لأنه الحامد بجميع المحامد داعي الجميع من الكثرة إلى الواحد له مقام المحمود وبيده لواء الحمد يوم القيامة وأمته الحمادون ﷺ.
قوله: (وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا) وآله كل من رجع إليه بنسب خاص مع نسب صحيح: أي أهل بيته كبني هاشم وبني المطلب الذين تحرم عليهم الصدقة وقيل كل من آل إليه: أي رجع بنسب أو سبب وهم أمته واختاره الأزهري وغيره وصحبة أصحابه جمع صاحب وصحابي وهو كل من اجتمع به مؤمنًا عند جمهور المحدثين وقيل غير ذلك.
فائدة:
قال أبو زرعة: مات ﵊ عن مائة وألف وأربعة عشر ألف كلهم رآه أو روى عنه ذكره غير واحد منهم ابن القطفان في مراتب الصحابة وابن الأثير في
1 / 12
جامع الأصول فانظره وقوله وسلم تسليمًا هو بحسب ما قدر في صلى فإن قلنا خبرية فالمراد الإخبار عن ذلك وهو موافق التعظيم، وإن قلنا طلبية فالتقدير وسلم يا رب تسليمًا.
تنبيه:
الترجمة ثانية في آخر الكتاب باتفاق رواته وشراحه وغيرهم واختلف فيها ههنا والمقبول عدم ثبوتها وعلى ثبوتها.
فقوله: (قال) بمعنى يقول أوقع الماضي موقع المستقبل.
وقوله (أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني) ذكر كنيته إذ كان يعرف بها لا تعظيمًا لنفسه ثم ذكر اسمه الذي وقع التكني عليه ثم ذكر والده بكنيته ولم يذكرا اسمه وهو عبد الرحمن اكتفاء بها ثم ذكر داره التي يعرف بها وهي دار العلم والدين قديمًا وحديثًا وأصل نسبته الأصلية وهو النفرزي بل النفزاوي لأنه من نفزى من بلاد الجريد مولده ٣١٦ وتوفي سنة ٣٨٦ ودفن بداره بدار القيروان.
فأما فضله ودينه وزهده فأشهر من أن يذكر قالوا وكان ينكر الكرامات ثم اختلفوا هل حقيقة أو حماية للذريعة وهل رجع أم لا والله أعلم.
(الحمد لله الذي ابتدأ الإنسان بنعمته) الألف واللام في الحمد تحتمل الاستغراق أي: كل المحامد لله والعهد أي الحمد لله الذي حمد نفسه به في أزلة إذ علم عجز خلقه عن حمده فحمد نفسه بنفسه والإنشاء أي أنشئ الحمد لله.
وحقيقة الحمد: الثناء الجميل بالقول سواء تعلق بالفضائل أم بالفواضل أي بالأفعال أو بالصفات وإضافته إلى الله تعالى إضافة استحقاق وملك فلا يستحق الحمد إلا الله ولا يثنى عليه حق الثناء سواه لأن الثناء تابع للمعرفة ولا يعرف الله إلا الله وقوله: ابتدأ: أي بدأ وبرأ وخلق وأوجد أو بادئ أي فاتح وأوجد الإنسان أو الجنس الآدمي الذي سمى إنسانًا لكونه يؤنس أي يرى عكس الجن لأنه يجتن أي يستتر أو لأنه يؤنس بعضه ببعض أو لأنه عهد إليه فنسى بنعمته أي بسبب نعمته التي واجهه بها حتى أوجده ولولا إنعامه عليه بإيجاده ما وجد إذ لا حاجة له فيه وهو مفتقر إلى موجد وقيل مصحوبًا بنعمته إذ لولاها ما تم له وجود فالباء على هذا لمصاحبة وعلى الأول للسببية
1 / 13
وكل صحيح. قال ابن عطاء الله في الحكم نعمتان ما خرج موجود عنهما ولا بد لكل مكون منهما نعمة إيجاد ونعمة إمداد أنعم عليك أو لا بالإيجاد وثانيًا بتوالي الإمداد انتهى.
(وصوره في الأرحام بحكمته) التصوير: التخطيط والتشكيل والأرحام جمع رحم وهي المشيمة التي يكون فيها الولد إلى خروجه سميت بها الارتحام المولود بها قبل خروجه للدنيا وقيل: جمعها هنا باعتبار أفراد الخلق وقيل باعتبار الظلمات الثلاث والله أعلم.
والحكمة الصفة المقتضية للإتقان فهي أخص من العلم.
(وأبرزه إلى رفقه وما يسره له من رزقه): أبرزه أظهره وأخرجه من العدم إلى الوجود ثم من الوجود الغيبي إلى الوجود العيني وما أظهره فيهما إلا لظهور رفقه وجريان رزقه إذ رفق به في بطن أمه فحفظ وجوده حتى جعل وجهه لظهر أمه لئلا يتأذى بحر غذائها ورفق به بعد خروجه بأن جعل حجرها مهادًا وثديها سقاء إلى غير ذلك ورزقه في بطنها ما يتغذى به من دم الحيض وغيره وبعد خروجه ما يجري له من لبن فما في قوله وما يسر موصول بمعنى الذي أي والذي يسر وهيأ وأعد بمعنى وفيه أن الرزق معد قبل بروز الوجود وهو صريح في الحديث إذ قال: فيكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد وهو في بطن أمه والرزق كل منتفع به حلالًا كان أو حرامًا لقوله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ [هود: ١٦].
وقد علم أن ثم من لم يأكل قط حلالًا، ولا يأكل أحد رزق أحد وقد قالت المعتزلة الحرام ليس برزق وهو مردود بما يطول ذكره فانظره وضمير رزقه يحتمل عوده للميسر وللميسر له والثاني أظهر والله أعلم.
(وعلمه ما لم يكن يعلم) أي وعلم الله الإنسان ما لم يكن عالمًا به قبل لأنه ولد جاهلًا لقوله تعالى: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة﴾ [النحل: ٧٨] وذكر في هذه الآية أن أصل وجودنا الجهل وأنه تعالى الذي خلق لنا ما يتوصل به إلى العلم وهو السمع والبصر والفؤاد وذكر حكمة ذلك بقوله تعالى ﴿لعلكم تشكرون﴾ [البقرة: ٥٢] فتضمن أن ذلك كله نعمة يجب الشكر عليه والله أعلم.
1 / 14
(وكان فضل الله عليه عظيمًا): أي لم يزل فضل الله الذي هو إحسانه وإكرامه، ولا يزال عليه أي على الإنسان عظيمًا في الماضي والمستقبل والحال إذا مده بالنعم وأوجده من العدم وخصصه بالكرم وذكره في القدم والفصل إعطاء الشيء من غير علة ولا سبب ولا استحقاق قال ابن عطاء الله في الحكم عنايته فيك لا لشيء منك وأين كنت حتى واجهتك عنايته وقابلتك رعايته لم يكن في أزله إخلاص أعمال ولا وجود أحوال بل لم يكن هناك إلا محض الأفعال وعظيم النوال انتهى.
وهو عجيب في شأنه (ونبهه بآثار صنعته) أي نبه الله الإنسان لما يريده منه من معرفته بآثار صنعته فيه الدالة على قدرته بإبرازها على إرادته بتخصيصها وعلى علمه بإتقانها وعلى حياته بوجودها كذلك وعلى كماله بنقصها وإن تنبه كان ذلك محجة وسبيلًا إليه وإن لم ينتبه كان حجة ووبالًا عليه ولا يلزم من هذا كون النظر والاستدلال أول الواجبات ولا المعرفة بل كونها مطلوبة فقط والتحقيق أنها واجبة بالدليل الإجمالي مندوبة بالدليل التفصيلي وقد حكى ذلك (ع). عن ابن رشد في نوازله ولا خلاف في أن الخروج من التقليد مطلوب وإن لم يكن واجبًا.
قال ابن رشد: ولا يلزم فيه اصطلاح معين والقول بذلك بدعة بل بأي وجه أمكن فإذا استدل على وجود البارئ وكماله بوجود المخلوقات وعلى صدق الرسل بالمعجزات خرج عن التقليد هذا معنى كلامه وقال بعضهم: مجموع ذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ إلى قوله: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٤] فتأمل ذلك وفي كلام الشيخ أربعة منبه وهو الله ومنبه هو إلإنسان ومنبه به وهو آثار الصنعة ومنبه عليه وهو ما تضمنته الآثار من التعريف والله أعلم.
(وأعذر إليه على ألسنة المرسلين الخيرة من خلقه) أي وأعذر الله للإنسان أي بالغ له في العذر بعد التنبيه لتنقطع حجته ببعث الرسل مبشرين بالفلاح لأهل الصلاح ومنذرين بالنار لأهل العار كما قال تعالى: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] الآية.
فجاءت الرسل ﵈ بثلاث التنبيه على مدركات العقول كالعلم بوجود
1 / 15
البارئ واتصافه بالكمالات وانتفاء النقائص عنه وتخصيص أحد الجائزين بالإثبات كالبعث وتوابعه أو بالنفي كفناء الدنيا وأهلها أو بعض ذلك وتقرير أوامر الله ونواهيه ترغيبًا وترهيبًا وتصويرًا وغير ذلك والمرسلين جمع مرسل وهو لغة: السفير المصلح قاله الجوهري، وشرعًا: نبي أمر بتبليغ ما أوحي إليه، وقيل: إن جاء بشرع جديد أو كتاب جديد فرسول وإلا فنبي فقط فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا، والنبي: إنسان أوحى إليه بشرع فإن أمر بتبليغه فرسول وإلا فلا وقيل غير ذلك أي ما تقدم فوقه والخيرة بالكسر وبالفتح المختارين من خلقه ظاهره حتى الملائكة وبه جزم عز الدين بن عبد السلام.
وإن أرسل بني آدم أفضل من رسل الملائكة ورسل الملائكة أفضل من عامة بني آدم وعامة الملائكة أفضل من عامة آدم وقال وربما فضل مؤمن بزيادة مجاهد ونحوها، وقال غيره من غلب عقله على شهوته فكالملائكة أو أفضل ومن غلبت شهوته على عقله فكالبهيمة أو أضل قال بعض شيوخنا ولم نقف لهم في الأنبياء على كلام قال وقد منع بعضهم الكلام في هذه المسألة رأسًا ورآه من الفضول.
(فهدى من وفقه بفضله وأضل من خذله بعدله) لما ذكر منه الله على عبد بوجوده وموجوده وقيام حجته عليه في أوامره ونواهيه ذكر أن التوفيق إليها والهداية لها من فضل الله ورحمته وأن الإضلال عنها والخذلان فيها من قضائه وعدله فعاد الأمر إليه كما بدأ منه وقد ذكر الشيخ هنا ستة أشياء ثلاثة تقابلها ثلاثة: الهداية: ويقابلها الضلال، والتوفيق: ويقابله الخذلان، والفضل: ويقابله العدل فالتوفيق من فضله تعالى والخذلان من عدله ﷿ والهداية نتيجة التوفيق كما أن الخذلان نتيجة الضلال والتوفيق توجه الإعانة من الله لعبده بهدايته أي إرشاده لما يوافق أمره التكليفي بخلق القدرة على ما يريده منه مع ما يريد منه في محل العبد والخذلان صرف الإعانة من الله تعالى عن العبد بإضلاله أي إتلافه عن موافقة أمره التكليفي بخلق القدرة على مخالفة أمره مع مخالفته في حال العبد فرجع التوفيق والخذلان للموافقة والصرف والهداية والضلال للإرشاد والتلف وذلك أصلها لغة عند تحقيق النظر، وقد تطلق الهداية على بيان طريق الحق لقوله تعالى: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ [الشورى: ٥٢] ﴿وأما
1 / 16
ثمود فهديناهم﴾ [فصلت: ١٧] وليس المراد هنا بل المراد خلق الضلالة والاهتداء لاختصاصه بالإضافة إلى الله تعالى لخلقه لهما في وجود العبد قال التفتازاني: نعم قد تضاف الهداية إلى النبي ﷺ مجازًا بطريق التسبب كما تسند إلى القرآن وقد يسند الإضلال إلى الشيطان كما يسند إلى الأصنام قال ثم المذكور في كلام المشايخ إن الهداية عندنا خلق الاهتداء ومثل هداه الله فلم يهتد مجاز، أعني الدلالة والدعوة إلى الاهتداء وعند المعتزلة بيان طريق الصواب وهو باطل لقوله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ [القصص: ٥٦] الآية ولقوله ﵇: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون» مع أنه بين الطريق ودعاهم إلى الاهتداء.
انتهى فتأمله وبالله التوفيق.
وفي كلام الشيخ إشعار بما ذكر لما تقدم من ذكر التنبيه والإعذار المتضمن للبيان والإيضاح مع ما بعده والفضل الإعطاء بلا سبب ولا علة والعدل ما للمالك أن يفعله من غير منازع وسيأتي هذا المعنى في الباب الأول إن شاء الله تعالى.
(ويسر المؤمنين لليسرى وشرح صدورهم للذكرى فآمنوا بالله بألسنتهم ناطقين وبقلوبهم مخلصين وبما أتتهم به رسله وكتبه عاملين وتعلموا ما علمهم ووقفوا عند ما حد لهم واستغنوا بما أحل لهم عما حرم عليهم).
يسر: هيأ وأعد، المصدق بالله على ما يليق به وبما جاء عن الله على ما جاء عنه، واليسرى: الجنة وقيل: السهولة والسماحة في الدنيا والآخرة إذا رفع عنهم القتل والذل والإصر وأوجب لهم الأمن من الخلود في النار وجعلهم خالدين في الجنة وهذا هداية لمنافعهم بما هدوا إليه من الإيمان قال تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤] وقال عز من قائل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: ٩] الآية، وقال عز وعلا: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧] الآية، فهو سبحانه الذي تفضل بالإيمان، ثم تفضل بثواب الإيمان ومن بثبوته فيسر للمؤمنين كل خير أولًا وأخرًا وباطنًا وظاهرًا وشرح: بمعنى فسح ووسع والصدور جمع صدر
1 / 17