613
الجمع بين اختلاف روايات الصحابة في صفة حجته ﷺ
فإن قيل: كيف وقع الاختلاف بين الصحابة ﵃ في صفة حجته وهي حجة واحدة، وكل واحد منهم يخبر عما شاهده وهي قضية واحدة؟ قال القاضي عياض: قد أكثر الناس الكلام على هذه الأحاديث، فمن مجيد منصف، ومن مقصر متكلف، ومن مطيل مكثر، ومن مقتصر مختصر.
قال النووي ﵀: وأوسعهم في ذلك نفسًا الطحاوي، وأبو جعفر الطبري، والقاضي أبو عبد الله بن المرابط، والقصار، وابن عبد البر وغيرهم، قال القاضي: أولى هذه الأقوال: أن النبي ﵊ أباح للناس فعل هذه الأنواع الثلاثة؛ ليدل على جواز جميعها، فالذي أفرد الحج قال: كان النبي ﷺ مفردًا؛ لأنه أمره بالإفراد، والذي حج قارنًا قال: كان النبي ﷺ قارنًا؛ لأنه أمره بالقران، والذي حج متمتعًا قال: كان النبي ﷺ متمتعًا؛ لأنه أمره بالتمتع.
قال: وأما إحرامه ﷺ بنفسه فأخذ بالأفضل، فأحرم مفردًا للحج، وبه تظاهرت الروايات الصحيحة، وأما الروايات بأنه كان متمتعًا فمعناها أمر به، وأما الروايات بأنه كان قارنًا فإخبار عن حالته الثانية لا عن ابتداء إحرامه؛ لأن النبي ﷺ أدخل الحج في العمرة وأدخل العمرة في الحج فصار قارنًا؛ لأن النبي ﷺ لما أهل من الميقات أهل بالحج وساق معه الهدي، والمتمتع يجوز له أن يذبح هديًا، وهو ليس واجبًا وإنما يجوز.
وأنت إذا كان معك مال أقل من النصاب أو مال بلغ النصاب ولم يحل عليه الحول جاز لك أن تخرج عنه الزكاة وليست واجبة وإنما تجوز لك، وكذلك من أتى للعمرة فقط جاز له بل ويستحب له أن يسوق الهدي أو أن يذبحه، فالنبي ﵊ قيل: إنه أحرم من الميقات بالعمرة وساق الهدي فقط، وقيل: إنه أحرم وأفرد الحج، ثم في أثناء الطريق لما بلغ الحديبية أدخل الحج على العمرة، فقيل: يا رسول الله! أهذا لعامنا خاصة؟ يعني: إدخال الحج في العمرة والعمرة في الحج لعامنا هذا خاصة؟ فقال النبي ﷺ: لا بل لأبد الأبد، يعني: هذا لنا وللأمة، فيجوز إدخال العمرة على الحج والحج على العمرة.
قال: وإجزاء أو ذبح الهدي للقارن يدل على أنه ما أحرم بهما من الميقات وإنما أحرم بواحد ثم أدخل عليه الآخر، فأحرم بالعمرة وأدخل عليها الحج، أو أحرم بالحج وأدخل عليه العمرة.
وهذا هو فسخ العمرة إلى الحج أو فسخ الحج إلى العمرة، يعني: إن كنت دخلت مفردًا بالحج فقط ولكنك تمكنت من أداء العمرة فإنك تفسخ مباشرة نية الحج وإهلالك بالحج وتجعلها عمرة بإهلال جديد من مكانك وليس من الميقات، فتؤدي العمرة ثم تتحلل إذا لم تسق الهدي، ثم تذهب إلى منى بإهلال جديد في يوم التروية، وبذلك تكون قد أدخلت العمرة على الحج تمتعًا أو قرانًا إذا كان معك الهدي.

29 / 19