Commentaire sur le Nahj al-Balagha
شرح نهج البلاغة
Enquêteur
محمد عبد الكريم النمري
Maison d'édition
دار الكتب العلمية
Édition
الأولى
Année de publication
1418 AH
Lieu d'édition
بيروت
فأما سعيد بن أبي العاص ، فإنه قال في الكوفة : إنما السواد بستان لقريش ، تأخذ منه ما شاءت وتترك ، حتى قالوا له : أتجعل ما أفاء الله علينا بستانا لك ولقومك ! ونابذوه ، وأفضى الأمر إلى تسييره من سير عن الكوفة ، والقصة مشهورة ، ثم انتهى الأمر إلى منع أهل الكوفة سعيدا من دخولها ، وتكلموا فيه وفي عثمان كلاما ظاهرا ، حتى كادوا يخلعون عثمان ؛ فاضطر حينئذ إلى إجابتهم إلى ولاية أبي موسى ، فلم يصرف سعيدا مختارا ، بل ما صرفه جملة ، وإنما صرفه أهل الكوفة عنهم .
فأما قوله : إنه أنكر الكتاب المتضمن لقتل محمد بن أبي بكر وأصحابه ، وحلف على أن الكتاب ليس بكتابه ، ولا الغلام غلامه ، ولا الراحلة راحلته ، وأن أمير المؤمنين عليه السلام قبل عذره ، فأول ما فيه أنه حكى القصة بخلاف ما جرت عليه ؛ لأن جميع من يروي هذه القصة ذكر أنه اعترف بالخاتم والغلام والراحلة ، وإنما أنكر أن يكون أمر بالكتابة ، لأنه روى أن القوم لما ظفروا بالكتاب قدموا المدينة ، فجمعوا أمير المؤمنين عليه السلام وطلحة والزبير و سعدا وجماعة من الأصحاب ، ثم فكوا الكتاب بمحضر منهم ، وأخبروهم بقصة الغلام ، فدخلوا على عثمان والكتاب مع أمير المؤمنين ، فقال له : أهذا الغلام غلامك ؟ قال : نعم ، قال : والبعير بعيرك ؟ قال : نعم ، قال : أفأنت كتبت هذا الكتاب ؟ قال : لا ، وحلف بالله أنه ما كتب الكتاب ، ولا أمر به ؛ فقال له : فالخاتم خاتمك ؟ قال : نعم ، قال : فكيف يخرج غلامك على بعيرك بكتاب عليه ختمك ، ولا تعلم به ! .
وفي رواية أخرى أنه لما واقفه عليه ، قال عثمان : أما الخط فخط كاتبي ، وأما الخاتم فعلى خاتمي ، قال : فمن تتهم ؟ قال : اتهمك واتهم كاتبي ، فخرج أمير المؤمنين عليه السلام مغضبا ، وهو يقول : بل بأمرك ، ولزم داره ، وبعد عن توسط أمره ، حتى جرى عليه ما جرى .
وأعجب الأمور قوله لأمير المؤمنين عليه السلام : إني أتهمك ، وتظاهره بذلك وتلقيه إياه في وجهه بهذا القول ، مع بعده من التهمة والظنة في كل شيء ، وفي أمره خاصة ؛ فإن القوم في الدفعة الأولى أرادوا أن يعجلوا له ما أخبروه ؛ حتى قام أمير المؤمنين عليه السلام بأمره وتوسطه وأصلحه ، وأشار عليه بأن يقاربهم ويعينهم ، حتى انصرفوا عنه ، وهذا فعل النصيح المشفق الحدب المتحنن ، ولو كان عليه السلام - وحوشي من ذلك - متهما عليه لما كان للتهمة عليه مجال في أمر الكتاب خاصة ؛ لأن الكتاب بخط عدوه مروان ، وفي يد غلام عثمان ، ومحمول على بعيره ، ومختوم بخاتمه ، فأي ظن تعلق بأمير المؤمنين عليه السلام في هذا المكان ، لولا العداوة وقلة الشكر للنعمة ! . ولقد قال له المصريون لما جحد أن يكون الكتاب كتابه شيئا لا زيادة عليه في باب الحجة ، لأنهم قالوا : إذا كنت ما كتبت ولا أمرت به ، فأنت ضعيف ؛ من حيث تم عليك أن يكتب كاتبك بما تحتمه بخاتمك وينفذه بيد غلامك وعلى بعيرك بغير أمرك ؛ ومن تم عليه ذلك لا يصلح أن يكون واليا على أمور المسلمين . فاختلع عن الخلافة على كل حال .
Page 14