369

Sharh Kitab al-Ibana min Usul al-Diyana

شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة

Régions
Égypte
منهج أصحاب الكلام تجاه المخالف
قال: [قال حسن بن عبد العزيز الجروي: كان الشافعي ينهى النهي الشديد عن الكلام في الأهواء، ويقول: أحدهم إذا خالفه صاحبه قال: كفرت، وإنما يقال فيه: أخطأت].
يريد أن يقول: إن أهل السنة -وهذا كلام قرره شيخ الإسلام ابن تيمية مرارًا- أرحم من أهل البدعة بعضهم ببعض، فأهل السنة لهم حد يقولون فيه: لا يكفر من أصحاب الفرق الضالة إلا الغلاة الذين خرجوا عن أصول الديانة، أو بدلوا وحرفوا في دين الله ﷿ أو في هذه الأصول، وأما عامة أصحاب الأهواء والضلالات؛ فإنهم لا يكفرون بهذا.
وهذا بلا شك غاية الاعتدال من أهل السنة والجماعة، لكن لو تأتي الآن وتنظر إلى أهل البدع أنفسهم ماذا يقولون فينا؟ فالشيعة مثلًا هل يحكمون لنا -أهل السنة- بالإسلام؟
الجواب
لا، بل نحن جميعًا عن بكرة أبينا -جاهل وعالم- عندهم كفار وصابئة، حتى إنهم لا يسموننا قط أهل السنة، وإنما يسموننا: الصابئة أو الناصبة، وليس لنا عند الشيعة إلا هذان الاسمان: الصابئة أو الناصبة، وهذا مشعر بالكفر، فضلًا عن أنه في لحظة صدق وصراحة يصارحونا بهذا، لكن لما كان دينهم التقية والكذب والنفاق؛ فإنهم يخفون هذا في غالب أحوالهم وأوقاتهم.
وليس الأمر يقف عند ذلك، بل أكثر من ذلك، فإذا اختلف أهل البدع مع بعضهم البعض لم يقل أحدهم في صاحبه: إنك أخطأت، وإنما يقول له: إنك كفرت؛ ولذلك فالأحكام عند القوم: إيمان وكفر، ولا يعرفون طريقًا للفسق، وإنما عندهم -خاصة الخوارج- أن من ارتكب معصية فقد كفر بها، وغلاتهم يكفرون بالمعاصي كلها: صغيرها وكبيرها.
فالواحد منهم لا يقول لمن عصى: لقد عصيت، أو فسقت، أو أخطأت، وإنما يقول له: لقد كفرت، وليس هذا فحسب، بل إذا وقع الواحد منهم -ممن يصدرون الأحكام على الآخرين- في معصية كفر نفسه، وحكم على نفسه بالكفر، وألزم نفسه الدخول في الإسلام من جديد، وإننا نعلم أناسًا كثيرين يعيشون بيننا في هذه الأيام وفي هذا العصر، بل وفي هذه المدينة يطلِّق الواحد منهم امرأته لمعصية وقع فيها؛ ظنًا منه أنه انتقل من الإيمان إلى الكفر، وبالتالي لا تحل له امرأته حتى يشهد من جديد، ويعقد عليها عقدًا جديدًا بمهر جديد، وغير ذلك مما يلزم العقد الشرعي من ولي وشهود، وغير ذلك من سائر شروط أحكام العقد الشرعي الصحيح.
وأما أهل السنة فهم أرحم بأهل البدع من رحمة أهل البدع بعضهم ببعض، كيف لا وهم امتداد للنبي ﵊ الذي بعثه ربه رحمة للعالمين، فإذا كان النبي ﵊ رحمة للعالمين: لعالم الإنس والجن، للأبيض والأسود، للأعجمي والعربي، فقد نهج أهل السنة نهجه ﵊؛ لأنهم مأمورون باتباعه، والتخلق بأخلاقه ﵊، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨].
فإذا كنا حقًا نتابع النبي ﵊؛ فلا بد أن نتمثل أخلاقه، وآدابه، وأحكامه، وطريقته، ومنهجه، وكل ما يتعلق بأمر الدين والدنيا مما ورد إلينا عن نبينا ﵊ في كتاب الله، أو في سنته الصحيحة.

18 / 10