ثم طرد ذلك في نقيضه، فأراد أن يكنى عما يوجبه دوام التلاقي من السرور بالجمود، لظنه أن الجمود خلو العين من البكاء مطلقا من غير اعتبار شيء آخر، وأخطأ1:
لأن الجمود خلو العين من البكاء في حال إرادة البكاء منها، فلا يكون كناية عن المسرة، وإنما يكون كناية عن البخل كما قال الشاعر2:
ألا إن عينا لم تجد يوم "واسط" ... عليك بجاري دمعها لجمود
ولو كان الجمود يلح أن يراد به عدم البكاء في حال المسرة لجاز أن يدعى به للرجل، فيقال: لا زالت عينك جامدة، كما يقال: لا أبكى الله عينك. وذلك مما لا يشك في بطلانه.
وعلى ذلك قول أهل اللغة: سنة "جماد" لا مطر فيها، وناقة جماد: لا لبن لها، فكما لا تجعل السنة والناقة جمادا إلا على معنى أن السنة بخيلة بالقطر، والناقة لا تسخو بالدر، لا تجعل العين جمودا.