273

Sharh Cala Muwatta

شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك

Enquêteur

طه عبد الرءوف سعد

Maison d'édition

مكتبة الثقافة الدينية

Édition

الأولى

Année de publication

1424 AH

Lieu d'édition

القاهرة

Régions
Égypte
Empires & Eras
Ottomans
وَافْتِقَارٌ («بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي») قَدَّمَ نَفْسَهُ فَقَالَ: بَيْنِي لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ لِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا اسْتَفَادَ الْعَبْدُ الْوُجُودَ مِنْهُ (بِنِصْفَيْنِ) كَذَا فِي نُسَخٍ صَحِيحَةٍ بِالْبَاءِ قَبْلَ النُّونِ، وَفِي أُخْرَى بِحَذْفِهَا وَهِيَ الَّتِي فِي مُسْلِمٍ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ مَالِكٍ، وَالْبَاءُ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا زَائِدَةٌ، وَأَنَّهَا لِلْمُلَابَسَةِ أَيْ مُتَلَبِّسًا، قَسَمَهَا بِنِصْفَيْنِ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى لَا اللَّفْظِ ; لِأَنَّ نِصْفَ الدُّعَاءِ يَزِيدُ عَلَى نِصْفِ الثَّنَاءِ، فَلَا ضَيْرَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَهُ نَوْعَانِ فَأَحَدُهُمَا نِصْفٌ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَّحِدْ عَدَدُهُمَا، أَوِ الْمُرَادُ قِسْمَيْنِ وَالنِّصْفُ قَدْ يُرَادُ بِهِ أَحَدُ قِسْمَيِ الشَّيْءِ («فَنِصْفُهَا لِي») خَاصَّةً وَهُوَ الثَّلَاثُ آيَاتٍ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤] .
(«وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي») وَهُوَ مِنْ (اهْدِنَا) إِلَى آخِرِهَا، وَ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِهِ.
(«وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ») أَيْ سُؤَالُهُ وَمِنِّي الْإِعْطَاءُ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اقْرَءُوا يَقُولُ الْعَبْدُ») وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الْعَلَاءِ إِسْقَاطُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَقَالَ عَقِبَ قَوْلِهِ مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] فِيهِ حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ مِنَ الْفَاتِحَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ مِنْ أَوْضَحِ مَا احْتَجُّوا بِهِ لِأَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ بِالْإِجْمَاعِ، فَثَلَاثٌ فِي أَوَّلِهَا ثَنَاءٌ أَوَّلُهَا الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَثَلَاثٌ دُعَاءٌ أَوَّلُهَا (اهْدِنَا)، وَالسَّابِعَةُ مُتَوَسِّطَةٌ وَهِيَ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْبَسْمَلَةَ فِيمَا عَدَّدَهُ وَلَوْ كَانَتْ مِنْهَا لَذَكَرَهَا.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ التَّنْصِيفَ عَائِدٌ عَلَى جُمْلَةِ الصَّلَاةِ لَا إِلَى الْفَاتِحَةِ، هَذَا حَقِيقَةُ اللَّفْظِ، أَوْ عَائِدٌ إِلَى مَا يَخْتَصُّ بِالْفَاتِحَةِ مِنَ الْآيَاتِ الْكَامِلَةِ، وَالْأَوَّلُ تَعَسُّفٌ بَاطِلٌ سَبَبُهُ الْحِمَايَةُ الْمَذْهَبِيَّةُ؛ لِأَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ الْفَاتِحَةُ وَقِرَاءَتُهَا، وَلَا يَصِحُّ إِرَادَةُ الْحَقِيقَةِ بِوَجْهٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: «فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]»، وَالثَّانِي إِنَّ عَوْدَهُ إِلَى مَا يَخْتَصُّ بِالْفَاتِحَةِ دَلِيلٌ لَنَا عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهَا إِذْ هِيَ بِدُونِهَا سَبْعُ آيَاتٍ بِإِجْمَاعٍ كَمَا قَالَ.
وَقَالُوا أَيْضًا: إِنَّ مَعْنَى يَقُولُ الْعَبْدُ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَيْ إِذَا انْتَهَى إِلَى ذَلِكَ، وَهَذَا مَجَازٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ مِنْهَا.
(«يَقُولُ اللَّهُ ﵎: حَمِدَنِي عَبْدِي») أَثْنَى عَلَيَّ بِجَمِيلِ الْفِعَالِ وَبِمَا أَنَا أَهْلُهُ («وَيَقُولُ الْعَبْدُ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ») أَيِ الْمَوْصُوفُ بِكَمَالِ الْإِنْعَامِ («يَقُولُ اللَّهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي») جُعِلَ جَوَابًا لَهُمَا لِاشْتِمَالِ اللَّفْظَيْنِ عَلَى الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ.
(«يَقُولُ الْعَبْدُ: مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ») أَيِ الْجَزَاءِ، وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَخُصَّ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُلْكَ ظَاهِرًا فِيهِ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ، وَمَنْ قَرَأَ مَالِكِ فَمَعْنَاهُ مَالِكُ الْأَمْرِ كُلِّهِ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَيْ هُوَ مَوْصُوفٌ بِذَلِكَ دَائِمًا كَغَافِرِ الذَّنْبِ فَصَحَّ

1 / 323