Commentaire d'Al-Tibi sur Mishkat Al-Masabih

شرح الطيبي على مشكاة المصابيح

Enquêteur

د. عبد الحميد هنداوي

Maison d'édition

مكتبة نزار مصطفى الباز مكة المكرمة

Édition

الأولى

Année de publication

١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م

Lieu d'édition

الرياض

Régions
Irak
•
Empires & Eras
Ilkhanides
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة تكون للنجاة وسيلة، ولرفع الدرجات كفيلة، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي بعثه وطرق الإيمان قد عفت آثارها، وخبت أنوارها، ووهنت أركانها، وجهل مكانها، فشيد صلوات الله وسلامه عليه من معالمها ما عفا، وشفى من الغليل في تأييد كلمة التوحيد من كان على شفى، وأوضح سبيل الهداية لمن أراد أن يسلكها، وأظهر كنوز السعادة لمن قصد أن يملكها.
ــ
بسم الله الرحمن الرحيم
القول في شرح الخطبة
قوله: (الحمد) هو الثناء على الجميل الاختياري من نعمة وغيرها، تقول: حمدت زيدا على علمه وإحسانه، فقوله: (الحمد لله) ههنا مطلق، يتناول حمد الله تعالى نفسه، وأرفع حمد ما كان من أرفع حامد، وأعرفهم بالمحمود، وأقدرهم على إيفاء حقه قال: (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك). وقيل: ما أثى الله على نفسه هو بث آلائه، وإظهار نعمائه بمحكمات أفعاله، ويتناوله حمد الحامدين من ابتداء الخلق إلى انتهاء قولهم: (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين).
وقوله: (نحمد الله) استئناف وإظهار لتخصيص حمده، لكن باستعانته، ونفى الحول والقوة دفع الرياء والسمعة من نفسه، ومن ثم أتبعه بقوله: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا)، ولما أضيفت الشرور والأعمال إلى الأنفس، وأوهم أن لها الاختيار والاستقلال بالأعمال، أتبعه بقوله: (من يهدي الله فلا مضل له)؛ ليؤذن بأن كل ذلك منه، وليس للعبد إلا الكسب. والضمير المستكن في (نحمده ونستعينه ونستغفره) للمتكلم ومن معه من أصحابه الحاضرين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وفي (أشهد) لنفسه ﵇ خاصة أفرده للتوحيد، وهو إسقاط الحدوث وإثبات القدم، فأشار أولا إلى التفرقة، وثانيا إلى الجمع.
وقوله: (قد عفت) اندرست، (خبت) خفيت، (وهنت) ضعفت.
قوله: (من كان على شفا) جانس بين شفا وشفا من حيث اللفظ، وطابق بينهما من حيث المعنى، يقال: مرضت مرضا أشفيت على الموت، أي أشرفت عليه، ويجوز أن يكون من شفا الذي هو طرف كل شيء، فيكون مقتبسا من قوله تعالى: ﴿وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها﴾.

2 / 413

أما بعد؛ فإن التمسك بهديه لا يستتب إلا بالاقتفاء لما صدر من مشكاته، والاعتصام بحبل الله لا يتم إلا ببيان كشفه، وكان (كتاب المصابيح) الذي صنفه الإمام محيي السنة، قامع البدعة، أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي، رفع الله درجته- أجمع كتاب صنف في بابه، وأضبط لشوارد الأحاديث وأوابدها ولما سلك ﵁ طريق الاختصار، وحذف الأسانيد، تكلم فيه بعض النقاد، وإن كان نقله -وإنه من الثقات- كالإسناد، لكن ليس ما فيه أعلام كالأغفال، فاستخرت الله تعالى، وناستوفقت منه، فأعلمت ما أغفله، فأودعت كل حديث منه في مقره كما رواه الأئمة المتقنون، والثقات الراسخون؛ مثل أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري، وأبي عبد الله مالك بن أنس الأصبحي، وأبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، وأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، وأبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي، وابي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، وأبي عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني، وأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وأبي
ــ
قوله: (لا يستتب) أي لا يستقيم ولا يستمر، من التب والتباب، وهو الاستمرار في الخسران، و(الاقتفاء) الاتباع، و(المشكاة) الكوة في الجدار غير النافذة، يوضع فيها المصباح، وهي ههنا مستعارة لصدر الرسول ﷺ شبه صدره بها لأنه كالكوة ذو وجهين، فمن وجه يقتبس النور من القلب المستنير، ومن آخر يفيض ذلك النور المقتبس على الخلق، وذلك لاستعداده بإشراحه مرتين، وشبه قلبه ﷺ بالزجاجة المنعوتة بالكوكب الدري؛ لصفائه وإشراقه، وخلوصه من كدورة الهوى، ولوث النفس الأمارة، وهذا هو المعني في خطبة المصابيح بقوله: (خرجت من مشكوة التقوى) وشبهت اللطيفة القدسية المزهرة في القلب بالمصباح الثاقب.
قوله: (لشوارد الأحاديث) هو من شرد شرودا وشرادا إذا انفرد، فهو شارد، والأوابد: الوحوش، وهو من تأبَدت البهيمة تأبدًا، أى توحشت، وأعلام الشيء آثاره التي يستدل بها (عليه) والأغفال الأرض المجهولة، ليس فيها أثر تعرف به.
قوله: (المتقنون) هو من إتقان الأمر وإحكامه، ورجل تقن (بكسر التاء) حاذق، وتقن أيضًا (الراسخون) من رسوخ الشيء، وهو ثباته ثباتا متمكنا، والراسخ في العلم المتحقق به الذي لا

2 / 414

الحسنِ على بن عمرَ الدارقُطنىّ، وأبى بكر أحمدَ بن الحسين البَيهَقىّ، وأبى الحسنِ رزَينِ بن معاويةَ العبدرِىّ، وغيرهم، وقليلٌ ما هو.
وإِنى إِذا نسبتُ الحديثَ إِليهم كأنِى أسندتُ إلى النبىّ صل الله عليه وسلم؛ لأنهم قد فَرغوا منه، وأغنوْنا عنه. وسردُت الكتب والابوابَ كما سردها، واقتفيتُ أثره فيها، وقسمتُ كلَّ بابِ غالبًا على فصولٍ ثلاثة:
أوّلها: ما أخرجَه الشيخان أو أحدهُما، واكتفيتُ بهما وإِن اشترك فيه الغيرُ؛ لعلوّ درجتهما في الروّاية.
وثانيهما: ما أورده غيرهُما من الأئمة المذكورين.
وثالثُهما: ما اشتملَ على معنى الباب من مُلحقاتٍ مناسبةٍ مع محافظةٍ على الشريطة، وإِن كان مأثورًا عن السلفِ والخلف.
ثم إنك إنْ فقدتَ حديثًا في بابٍ؛ فذلك عن تكرير أُسقطُه. وإِن وجدت آخر بعضه متروكًا على اختصاره، أو مضمومًا إليه تمامه؛ فعن داعى اهتمام أتركهُ وألحقه.
وإن عثرت على اختلاف في الفصلين من ذكر غير الشيخين في الأول، وذكرهما في الثاني، فاعلم أنى بعد تتبعى كتابَىْ (الجمع بين الصحيحين) للحُميدي، و(جامع الأصول)؛ اعتمدتُ على صحيحى الشيخين ومتنيهما.
ــ
يعرضه شبهة، و(ما) فى (قليل ما) إيهامية، يريد الشيوع في القلة، ولفظة: (هو) راجعة إلى غيرهم، والضمير فى (منه) و(عنه) للإسناد.
قوله: (على الشريطة) المراد منها إضافة الحديث إلى الراوى من الصحابة والتابعين، ونسبته إلى مخرجه من الأئمة المذكورين.
قوله: (بعضه) هو بدل البعض من آخر ومتروكًا حاله.
قوله: (على اختصاره) أى اختصار محيي السنة.
قوله: (فعن داعى اهتمام أتركه) وذلك لأن تلك الرواية كانت مختصرة عن حديث طويل جدًا، فأتركه اختصارًا، أو كان حديثًا يشتمل على معان جمة، يقتضى كل باب معنى من معناه، وأورد الشيخ كلا في بابه- فاقتفينا أثره فى الإيراد، وما لم
يكن على هذين الوصفين

2 / 415

وإِن رأيت اختلافُا فى نفس الحديث؛ فذلك من تشُّبِ طرق الأحاديث، ولعلى ما اطلعتُ على تلك الرواية التي سلكها الشيخُ رضى الله عنه. وقليلًا ما تجد أقول:
ماوجدتُ هذه الرواية في كتب الأصول، أو وجدتُ خلافها. فإذا وقفت عليه فانسُبِ القصورَ إلىَّ لقلة الدراية، لا إلى جناب الشيخ رفع الله قدره في الدارين، حاشاَ الله منْ ذلك، رَحِمَ الله من إذا وقف على ذلك نبهنا عليه، وأرشدنا طريق الصواب. ولم آلُ جهدًا في التنقير (١) والتفتيشِِ بقدر الوسع والطاقة، ونقلتُ ذلك الاختلافَ كما وجدتُ.
وما أشار إليه- ﵁ من غريب أو ضعيف أو غيرهما؛ بينت وجهَهُ غالبًا. وما لم يشير إليه مما في الأصول؛ فقد قِّفَّيتُه في تزكّه، إلا في مواضع لغرض.
وربما تجدُ مواضعَ مُهملةَ، وذلك حيثُ لم أطلع على راويه فتركَتُ البياض. فإن عثرتَ عليه فألحقهُ به، أحسن الله جزاءك. وسميت الكتاب ب (مشكاة المصابيح)، وأسال الله التوفيق والإعانة والهداية والصيانة، وتيسير ما أقصده، وأن ينفعني في الحياة وبعد الممات، وجميع المسلمين والمسلمات حسبي الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلابالله العزيز الحكيم.
ــ
أتممناه غالبا. (وإن عثرت) أي اطلعت. (ولم آل جهدًا) أى ولم أقصر من: ألا يألو: قصَّر، لا يألوك نصحاَ فهو آل. وحكى الكسائى عن العرب: أقبل يضربه لا يأل، يريد لا يألو فحذف، والجهد (بالضم والفتح) الطاقة والمشقة. والتنقير عن الأمر: البحث عنه.
قوله: (مما في الأصول) يعنى جامع الترمذى، وسنن أبى داود، والبيهقى، وهو كثير،
فتبعه وتركته تأسياَ به.
قوله: (لغرض) وذلك أن بعض الطاعنين أفرزوا أحادث من المصابيح، ونسبوها إلى الوضع، ووجدت الترمذي صححها أو حسنها وغير الترمذي أيضا، فبينته لرفع التهم، كحديث أبي هريرة):المرء على دين خليله) فإنهم صرحوا بأنه موضوع، وقال الترمذى في الجامعة: أنه حسن، والنواوى في الرياض: إنه صحيح الإسناد. ومن الغرض الذي شرط الشيخ في خطبته أنه أعرض عن ذكر المنكر، وقد أتى منه في كتابه كثيرا منه، وبين في بعضها كونه منكرًا وترك البعض، فبينت أنه منكر.
قوله: (بمشكاة المصابيح) روعى المناسبة بين الاسم مقتبسًا من كلام الله المجيد، وذلك أن المشكاة إنما قصد بها ليجتمع ضوء المصباح، فيكون أشد تقويًا، بخلاف المكان الواسع؛ فإن الضوء ينبت فيه وينتشر، و(كذلك) الأحاديث إذا كانت غفلا عن سمة الرواة انتشرت، وإذا قيدت بالراوى انضبطت واستقرت في أمكنتها.

2 / 416

١ - وعن عمر بن الخطاب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: (إنما الأعمالُ بالنيات، وإنِما لامرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إِلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه). متفق عليه.
ــ
قوله: (إنما الأعمال بالنيات) قال الشيخ الإمام المتقن الثقة محيي الدين النووى (رحمة الله عليه) في شرح مسلم: أجمع المسلمون على عظم موقع هذا الحديث، وكثرة فوائده، وصحة روايته، قال الشافعى ﵁: هو ثلث الإسلام. وقال ابن مهدى وغيره: ينبغى لمن صنف كتابًا أن يبدأ فيه بهذا الحديث، تنبيهًا للطالب على تصحيح النية. واتفق أهل العربية والأصول على أن (إنما) موضوعة للحصر، يثبت المذكور، وينفى ما سواه، فالتقدير: إن الأعمال تحسب إذا كانت بنية، ولا تحسب إذا كانت بلا نية. وفيه دليل على أن الطهارة (وهي الوضوء والغسل والتيمم) وعلى أن الصلاة والزكاة والصوم والحج والاعتكاف- لا يصح إلا بالنية، وأما إزالة النجاسة فالمشهور عندنا أنها لا تفتقر إلى النية، وقد نقلوا الإجماع فيها؛ لأنها من باب التروك. وتدخل النية في الطلاق، والعتاق، والقذف، ومعنى دخولها أنها إذا قارنت كناية صارت كالصريح، وإذا أتى بصريح الطلاق ونوى تطليقتين أو ثلاثًا وقع مانوى، وإن نوى بالصريح غير مقتضاه دِين فيما بينه وبين الله تعالى، ولا تقبل منه في الظاهر.
قوله: (وإنما لامرئ ما نوى) إشارة إلى تعيين المنوى شرط، ولو كانت على إنسان صلاة مقضية لا يكفيه أن ينوى الصلاة الفائتة، بل يشترط أن ينوى كونها ظهرًا أو غيرها، لولا الفظ الثاني: (إنما لا مرئ ما نوى) لا قتضى الأول أى (إنما الأعمال بالنيات) صحة النية بلا تعين، أو أوهم ذلك.
قوله ﷺ: (من كانت هجرته إلى الله ورسوله) معناه من قصد بهجرته وجه الله وقع أجره على الله، ومن قصد بها دنيا أو امرأة فهي حظه، ولانصيب له في الآخرة. وذكر المرأة مع الدنيا يحتمل وجهين: أحدهما أن سبب هذا الحديث ما روى أن رجلا هاجر ليتزوج امرأة يقال لها: أم قيس، والثاني أنه للتنبيه على زيادة التحذير من ذلك، وهو من باب الخاص بعد

2 / 417

ــ
العام، تنبيها على مزيته. وقال الراغب: النية تكون مصدرًا واسمًا من نويت، وهي توجه القلب نحو العمل. وقال القاضى: النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقًا لغرض، من جلب نفع، أو دفع مضرة، حالا أو مآلا. والشرع خصصها بالإرادة المتوجهة نحو الفعل ابتغاء لوجه الله تعالى وامتثالا لحكمه، والنية في الحديث محمولة على المعنى اللغوى؛ ليحسن تطبيقه لما بعده، وتقسيمه بقوله: (من كانت هجرته إلى الله) إلى آخره، فإنه تفصيل لما أجمله، واستنباط المقصود عما أصله.
أقول -والعلم عند الله تعالى-:كل واحد من (الأعمال) و(النيات) جمع محلى بلام الاستغراق، فإما أن يحمل على عرف اللغة فيكون الاستغراق حقيقًا، وإما أن يحمل على عرف الشرع، وحينئذ إما أن يراد بالأعمال الواجبات والمندوبات والمباحات، وبالنيات الإخلاص والرياء، أو أن يراد بالأعمال الواجبات ما لا يصح إلا بالنية، كالطهارة والصلاة والصيام. ولا سبيل إلى الأول أى اللغوى لأنه ﷺ ما بعث إلا لبيان الشرع، فكيف يتصدى لما جدوى له فيه؟ على أن (إنما) يستعمل فى رد من عنده حكم مشوب بخطأ وصواب، ومن كان عارفًا اللغات لا يخطئ في استعمال اللغة حتى يرد حكمه إلى الصواب بإنما، لاسيما تكراره في الحديث فإنه يدل على إثبات أمر خطير في الشرع، فحينئذ يحمل قوله: (إنما الأعمال بالنيات) على ما اتفقت عليه الفقهاء من أصحابنا، أى ما الأعمال محسوبة بشئ من الأشياء كالششروع فيها والتلبس بها إلا بالنيات، وما خلا عنها لم يعتد بها. فإن قيل: لم خصصت متعلق الخبر والظاهر العموم كمستقر أو حاصل؟ فالجواب أنه يكون بيانًا للغة، لا إثبات حكم في الشرع، وقد سبق بطلانه.
ويحمل قوله: (إنما لامرئ ما نوى) إلى آخره على ما تثمره النيات من القبول والرد، والثواب والعقاب، وغير ذلك. ففهم من الأول أن الأعمال لا تكون محسوبة ومسقطة للقضاء إلا إذا كانت مقرونة بالنيات، ومن الثانى أن النيات إنما تكون متعددة ومقبولة إذا كانت مقرونة بالإخلاص، مبعدة عن الرياء، فالأول قصر المسند إليه في المسند، والثاني عكسه. وتقرب منها الصلاة في الأرض المغصوبة، فإنها محسوبة ومسقطة للقضاء. لكن إيقاعها فيها حرام يستحق به العقاب.
وقال الشيخ محيي الدين النووى: قال أصحابنا: الفروض وغيرها من الواجبات إذا أتى بها على وجهها الكامل يترتب عليها شيئان: سقوط الفرض عنه، وحصول الثواب، فإذا أداها في أرض مغصوبة حصل الأول دون الثاني. وتحريره أن قوله: (وإنما لا مرئ ما نوى) دل على أن الأعمال تحسب بحسب النية، إن كانت خالصة لله تعالى وإن كانت الدنيا فهى

2 / 418

ــ
لها، وإن كانت لنظر الخلق فكذلك، وقد نص به صريحا في قوله: ﷺ: (والخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل على وزر، قال: فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله، وأما الذي هي ستر فرجل ربطها تغنيّا وتعففا، وأما الذي عليه وزر فرجل ربطها فخرَا ورياء». وعلي هذا المعنى ينبغي أن يحمل ما بعد الفاء التفصيلية؛ لأنه لن يكون المفصل خلاف المجمل، وكذلك عكسه، فإذا المعني بالهجرة الهجرة المعروفة في عهد النبي ﷺ لقوله: «لا هجرة بعد الفتح»، ومعلوم أن الهجرة لا تقتضي إلا الإخلاص؛ لأن الهجرة إلى الدنيا وإلى المرأة لا يقتضيان النية التي في الطهارة مثلا، وفي تكرير لفظة: «إلى الله ورسوله» في الشرط والجزاء تعظيم لمعنى تلك الهجرة، وتفخيم لشأنها، أي هي الهجرة الكاملة التي تستحق أن تسمى هجرة، وأن ما سواها ليست بهجرة، ولم تكن كذلك إلا أن تكون خالصة لوجه الله، كقوله تعالى: «يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته» أي وإن لم تبلغ فما بلغت رسالته، يعني ارتكبت أمرًا عظيما، وخطبا جسيما، ولهذا السر غير العبارة في متعلق الجزاء الثاني بلفظة: «ما» حظا من منزلتها، أي ليست هجرته من الله في شيء، فإنه ما طلب بها وجه الله، بل طلب الدنيا، فله ما طلب، كما هو حال الرجل الذي قصد نكاح تلك المرأة، وعطف قوله: «أو امرأة يتزوجها» على «دنيا يصيبها» وهي مشتملة على مالها وجمالها وما يتعلق بها من الشهوات، تخصيصًا بعد التعميم؛ لبدل على أن النساء أعظمها ضرّا وأكثرها تبعة، كقوله تعالى: «زين للناس حس الشهوات من النساء» الآية، جعلهن من الشهوات حيث بين الشهوات بها.
وقول لشيخ محيي الدين: «إنما موضوعة للحصر تثبت المذكور وتنفي ما عداه» مستقيم، إذ لم يتعرض في قوله "إن" للإثبات و"ما" للنفي، كما صرح به الأكثرون وهو غير مستقيم؛ لأن "ما" ليست نافية، بل هي كافة مؤكدة. وروى صاحب المفتاح عن علي بن عيسى الربعي أن إفادة الحصر من "إنما" كانت من أن "إن" كانت لتأكيد إثبات المسند للمسند إليه إليه، ثم اتصلت بها "ما" المؤكدة- لا النافية على ما يظنه من لا وقوف له بعلم النحو - ضاعف تأكيدها، فناسب أن يضمن معنى القصر.
وأصل الهجرة مفارقة الأوطان والأهل. ثيل: الهجرة أنواع: الأولى: الهجرة إلى الحبشة عندما آذى الكفار الصحابة، الثانية: الهجرة من مكة إلى المدينة، والثالثة: هجرة القبائل إلى

2 / 419

ــ
النبي ﷺ لتعلم الشرائع، ثم يرجعون إلى المواطن ويعلمون قومهم، والرابعة: هجرة من أسلم من أهل مكة ليأتي إلى النبي ﷺ ثم يرجع إلى مكة، والخامسة: الهجرة عما نهى الله عنه. ومعنى الحديث وحكمة صابت متناول للجميع، غر أن حكاية أم قيس تقتضي أن المراد بالحديث الهجرة من مكة إلى المدينة، ولهذا حسن في الحديث ذكر المرأة، دون سائر ما ينوي بالهجرة من أعراض الدنيا.
أقول: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السب. ودنيا مقصورة غير منونة، لأنه فعلي، وسميت الدنيا لدنوها، والجمع دُنى، مثل الكبرى والكُبَر. قال المالكي في كتاب شواهد التوضيح في مشكلات الجامع الصحيح: في استعمال دنيا مع كونه منكرًا إشكال؛ لأنها تأنيث أدنى، وهو أفعل تفضيل، فكان حقه الدنيا، كالكبرى والحسنى، إلا أن دنيا خلعت عنها الوصفية رأسًا، وأجريت مجرى ما لم يكن وصفا، كرجعى وبهمى، ونحوه قول الشاعر:
وإن دعوت إلى جُلّى ومكرمة ... يومًا سراة كرام الناس فادعينا
فإن الجُلّى كؤنث الأجل، فخلعت عنه الوصفية، وجعلت اسما للحادثة العظيمة.
وإنما أورد إمام أئمة الحديث محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه، ومحيي السنة في كتابيه: شرح السنة، والمصابيح هذا الحديث قبل الشروع في أبواب الكتاب – إيذانًا بأن هذا المصنف منويٌّ فيه الإخلاص لله تعالى ومجتنب عن الرياء والسمعة، فلذلك تقبل الله منهما، وجعل الكتب إعلاما من أعلام الدين، ونحن اقتفينا أثرها، فاهتدينا بهديهما، نرجو من فضل الله وكرمه أن يتقبل منا، ويجعل تعبنا سببًا لنجاتنا ونفعًا للطالبين.
فائدة على لسان أهل الإشارة: قال بعضهم: العمل سعي الأركان إلى الله، والنية سعي القلوب إلى الله، والقلب ملك، والأركان جنوده، ولا يحارب الملك إلا بجنوده، ولا الجنود إلا بالملك. وقال بعضهم: النية جمع الهم في تنفيذ العمل للمعمول له، وأن لا يسبح في السر ذكر غيره. وقال بعضهم: نية العوام في طلب الأغراض مع نسيان الفضل، ونية الجهال التحصن عن سوء القضاء ونزول البلاء، ونية أهل النفاق التزين عند الله وعند الناس، ونية العلماء إقامة الطاعة لحرمة ناصبها لا لحرمتها، ونية أهل التصوف ترك الاعتماد على ما يظهر منهم من الطاعات، ونية أهل الحقيقة ربوبية تولد عبودية.

2 / 420

كتاب الإيمان
الفصل الأول
٢ - عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ
ــ
كتاب الإيمان
الفصل الأول
الحديث الأول - قوله: «بينا» قال صاحب النهاية: بينا: بين، فأشبعت الفتحة فصارت ألفًا، يقال: بينا وبينما، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة ومضافان إلى الجملة: من فعل وفاعل، أول مبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، كما يستدعى (إذا) والأفصح في جوابهما أن لا يكون فيه إذ وإذا، وقد جاء في الجواب كثيرًا، وفي اللباب: قال الأصمعي: لا يستفصح إلا طرحمها في جواب بينا وبينما، وأنشد:
وبينا نحن نرقبه أتانا
لأن الظهر أن العامل في «بينا» هو الجواب، كما في (إذا) الزمانية على الصحيح، ويلزم تقدم ما في صلة الكضافة إليه على المضاف. قال شارحه: بينا وبينما ظرفان متضمنان لمعنى الشرط،
فلذلك اقتضيا جوابًا، والقياس أن لا يكون (إذا) في جوابه، فعلى هذا يكون (أتانا) عاملا في
(بينا) مع أنَّه مضاف إليه لا يتقدم على المضاف وفيه نظر. انتهى كلامه. فيقال لا ريب أن
عمر وأبا هريرة ﵄ كأنا أفصح من الشاعر، وقد أتيا ب (إذا) في الحديث، فحينئذ
يكون العامل معنى المفاجأة في (إذا) كما قرره صاحب الكشاف في قوله تعالى: (وإذا ذكر الذين
من دونه إذا هم يستبشرون) العامل في (إذا) المفاجأة، تقديره، وقت ذكر الذين من دونه فاجئوا
وقت الاستبشار، فمعنى الحديث وقت حضورنا في مجلس رسول الله ﷺ فاجأنا وقت طلوع
ذلك الرجال، فحينئذ (بينا) ظرف لهذا المقدر، و(إذا) مفعول به بمعنى الوقت، فلا يلزم إذا تقدم
معمول المضاف إليه على المضاف. وقد ساعد هذا القول صاحب اللباب بعد ذلك بقولة:
والعامل فيهما الجواب إذا كان مجردًا من كلمتي المفاجأة المتضمنة هما
إياه. قوله: (هما) أي إذ وإذا، و(إياه) أي ذلك المعنى، ويدل على تضمنهما معنى الشرط
تصريح الفاء في الجواب قوله ﷺ: (بينا يضحكهم النبي (ﷺ) الحديث، رواه
أبو داود عن أسيد بن حضير.

2 / 421

ذات يوم، إِذ طلع علينا رجل شديدُ بياض الثياب، شديدُ سواد الشعر، لا يُرى عليه
أثرُ السفر، ولا يعرفُه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ، فأسند ركبتبه إلى ركبتيه،
ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يامحمد! أخبرني عن الإِسلام. قال: (الإِسلام: أن
ــ
قوله: (ذات يوم) ظرف لمعنى الاستقرار في الخبر. و(ذات) يجوز أن يكون صله، قال
صاحب النهاية: في الحديث (يطلع عليكم رجل من ذي يمن على وجهه مسحة من ذي ملك)
كذا أورده عمرو الزاهد، وقال: (ذي) هنا صلة؛ وأن يكون غير صلة، في المغرب: ذو بمعنى
الصاحب، تقول للمرأة: امرأة ذات مال، ثم أجروها مجرى الأسماء التامة المستقلة بأنفسها،
فقالوا: ذات قديمة أو محدثة، ثم استعملوها استعمال النفس والشيء، فعلى هذا قوله: (ذات
يوم) يفيد من التوكيد مالا يفيده لو لم يذكر، لئلا يتوهم التجوز إلى مطلق الزمان، نحو
قولك: رأيت نفس زيد، وقولك: رأيت زيدًا.
وقوله: (لا يرى عليه أثر السفر) (مح): يعنى تعجبنا من كيفية إتيانه، ووقع في خاطرنا أنه
ملك، أو من الجن؛ لأنه لو بشرًا إما أن يكون من المدينة، أو غريبًا، ولم يكن من
المدينة؛ لأنا لا نعرفه، ولم يكن إتيانه من بعد؛ لأنه لم يكن عليه أثر السفر من الغبار وغيره.
وقوله: (حتى جلس) متعلق بمحذوف، تقديره: استأذن وأتى حتى جلس عند النبي (عليه
الصلاة والسلام).
وقوله: (فأسند ركبتيه إلى لركبتيه) يقال: أسند، إذا اتكأ على شيء وأوصل. وأنما جلس هكذا
ليتعلم الحاضرون جلوس السائل عند المسئول؛ لأن الجلوس على الركبة أقرب إلى التواضع
والأدب، واتصال ركبة السائل بركبة المسئول يكون أبلغ في استماع كل واحد من السائل
والمسئول كلام صاحبه، وأبلغ في حضور القلب، وألزم للجواب؛ لأن الجلوس على هذه الهيئة
دليل على شدة حاجة السائل إلى السؤال، وتعلق قلبه واهتمامه إلى استماع الجواب، فإذا عرف
المسئول هذا الحرص والاحتياج من السائل إلى يلزم على نفسه جوابه، ويبالغ في الجواب
أكثر وأتم مما سأل السائل. تم كلامه.
قوله: (وضع يديه على فخذيه) قال الشيخ: التوربشتى: الضمير في الكلمتين راجع إلى
جبرئيل ﵇ فلو ذهب مؤول إلى أن الثاني يعود إلى رسول الله ﷺ لم ينكر عليه،
لما يدل عليه نسق الكلام من قوله: (وأسند ركبتيه إلى ركبتيه) غير أنا نذهب إلى الوجه الأول،
لأنه أقرب إلى التوقير، وأشبه بسمت ذوى الأدب. وذهب محيي السنة إلى الوجه الثاني فى
كتابه المسمى ب (الكفاية). وكذا إسماعيل بن الفضل التيمى في كتابه المسمى ب (الترغيب
والترهيب).

2 / 422

Commentaire d'Al-Tibi sur Mishkat Al-Masabih | Usul