شرح التدمرية

شرح التدمرية

Maison d'édition

دار إيلاف الدولية للنشر والتوزيع

Édition

الأولى

Année de publication

١٤٤٢ هـ - ٢٠٢١ م

مقدمة الشارح
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفرُه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا؛ مَنْ يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد:
أَوَدُّ قَبل الشروع-بإذن الله تعالى-في شرح الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، أن أُقَدِّم بثلاث مقدمات:
المقدمة الأولى: أهمية طلب العلم.
لا بد أن نُذَكِّر أنفسنا بِعِظَم الأمانة التي نَصَّبنا أنفسنا لها، واستجبنا فيها لنداء الله تعالى، وهي: حمل العلم وتعليمه.
قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
فهذه الآية الكريمة قد أشارت إلى أمرين:
الأمر الأول: أمانة التحمل في قوله: ﴿ليتفقهوا﴾.
والأمر الثاني: مسئولية الأداء في قوله: ﴿ولينذروا﴾.
ولا بد من التحمل والفقه أَوَّلًا قبل الأداء والبلاغ والبيان، ونحن نعلم أن هذا الأمر شريف وعظيم، فالله قد امتن على نبيه بتعليمه ما لم يعلم من قبل، فقال جل وعلا: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].

1 / 3

ونحن طلبة العلم إذ نسلك هذا المَسلك فإننا نزداد من هذا العلم ونتزود منه ولا شك، وكلما ازددنا علمًا كلما ازددنا شرفًا ورفعة في الدنيا والآخرة وقربًا من الله تعالى؛ وذلك لابد فيه من شرطين:
الشرط الأول: الإخلاص.
والشرط الثاني: إتباع العلم العمل.
قال ﷻ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة ١١].
وفي الحديث: «أن نافع بن عبد الحارث لقي عُمر بعُسْفان، وكان عمر يستعمله على مكة، فقال: مَنْ استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى. قال: ومَن ابن أبزى؟ قال: مَولى من موالينا. قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنَّه قارئ لكتاب الله ﷿، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أَمَا إنَّ نبيَّكم ﷺ قد قال: «إنَّ اللهَ يَرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويَضع به آخرين» (^١).
وطالب العلم حري أن يكون أخشى الناس لله، وأَتْبَع الخلق لطاعته؛ قال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨]، وتأَمَّل قولَه تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]؛ لتتبين الفرق بين مَنْ عَلِم وبَين مَنْ لم يَعلم.
وقد قرن الله ﷻ شهادته بشهادة الملائكة الذين هم عباده المكرمون وشهادة أهل العلم له جل وعلا بالألوهية؛ فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨].
والإنسان يجب أن ينظر إلى نفسه قبل سلوك طريق طلب العلم؛ هل حاله بعد

(^١) أخرجه مسلم (٨١٧).

1 / 4

أن قطع فيه مراحل كحاله قبل الطلب!
والطالب الذي وَفَّقَه الله وحَصَّل شيئًا من العلم الشرعي؛ عليه أن يَنظر إلى أقرانه الذين كانوا معه في الدراسة أو في بداية الطلب ونشأ بينهم، ولم يُكملوا السَّير فيه؛ ليعلم أن الله قد اختاره دون غيره من أقرانه؛ لسلوك ذلك السبيل العظيم المُوَصِّل إلى الجنة؛ وليضع نُصب عينيه ما رواه أبو داود والترمذي عن كثير بن قيس، قال: «كنت جالسًا مع أبي الدرداء في مسجد دمشق، فجاءه رجل، فقال: يا أبا الدرداء: إني جئتك من مدينة الرسول ﷺ لحديثٍ بَلغني أنَّك تُحدثه عن رسول الله ﷺ ما جئت لحاجة، قال: فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «مَنْ سلك طريقًا يَطلب فيه علمًا سَلَك الله به طريقًا مِنْ طُرُق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإنَّ فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإنَّ العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يُوَرِّثوا دينارًا ولا دِرهمًا؛ وَرَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر» (^١).
فلا شكَّ أن ميراث المرء يناله في الدنيا أقرب الناس إليه؛ وهذا يدل على أن أهل العلم هم أقرب الناس للنبي ﷺ، والنبي إنما وَرَّث هذا العلم وخَلَّفه؛ وطلاب العلم هم الذين حملوا ميراثه، وهذا فضل عظيم وشرف رفيع.
ففضل العلم معلوم، ومهما بذل طالب العلم مِنْ وقت وجهد فهو في نجاح وفلاح، وهو في طريق عليه أن يلزمه ولا يحيد عنه أبدًا؛ فإن نهايته إلى جنة الله ورضوانه، وقد بَشَّره النبيُّ ﷺ بقوله: «مَنْ يُرِد الله به خيرًا يُفقهه في الدين، وإنما أنا

(^١) أخرجه أبو داود (٣٦٤١) والترمذي (٢٦٨٢) من حديث أبي هريرة ﵁، وصححه الألباني في «المشكاة» (٢١٢).

1 / 5

قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يَضُرهم مَنْ خالفهم، حتى يأتي أمر الله» (^٢)، فالله قد أراد بطالب العلم الخير وأراده له.
ولينظر طالب العلم إلى حاله وحال عَوَامِّ الناس وجُهَّالهم؛ ليعلم أنه في منزلة رفيعة وشأن عظيم قد اختاره الله له ويَسَّره وهَيَّأه له، لذا يقول ﷻ: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨].
وهذا الشرف الذي جاءت به النصوص لا شك أنه عظيم، وفضل من الله جليل، حقه أن يُرعى، وأن يُحرص على نَيله وتحصيله، وقد قَسَّم النبيُّ ﷺ الناس إلى ثلاثة أصناف؛ فقال: «مَثَلُ ما بَعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا، فكان منها نقيَّة، قَبِلت الماء، فأنبتت الكلأ والعُشب الكثير، وكانت منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس؛ فشَربوا وسَقُوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى، إنما هي قِيعان لا تُمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مَثَلُ مَنْ فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعَلِم وعَلَّم، ومَثَل مَنْ لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يَقبل هدى الله الذي أرسلت به» (^١)؛ فقسم النبيُّ ﷺ السامعين لهذا العلم والهدى إلى ثلاثة أصناف:
الأول: (الأرض الطيبة)، وهم مَنْ أعطاهم الله ذكاء وزكاء؛ فأعطاهم ذكاء استطاعوا به أن يحفظوا العلم وأن يحصلوه ويدركوا به مسائله. وأعطاهم زكاء حملهم على العمل بالعلم والدعوة إليه وتبليغه.
والثاني: (أجادب، أمسكت الماء)، وهم الذين أُوتوا ذكاء ولم يُؤتوا زكاء؛ فاستطاعوا بذكائهم أن يحفظوا العلم، وأن يدركوا مسائله، لكنهم لم يستفيدوا به في

(^١) أخرجه البخاري (٧١) ومسلم (١٠٣٧) من حديث معاوية ﵁.
(^٢) أخرجه البخاري (٧٩) ومسلم (٢٢٨٢) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.

1 / 6

ذات أنفسهم، وإنما حفظوه ليستفاد منه غيره؛ كما قال ﷺ: «نَضَّر الله امرءًا سمع منا حديثًا، فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه» (^١).
والثالث: (قيعان)، وهم مَنْ حرموا الذكاء والزكاء، فلم يُحَصِّلوا العلم وبالتالي لم يعملوا به.
لذلك لا بد أن يحرص طالب العلم على أن يكون من الصنف الأول.
وأما أفضل طريقة لتحصيل العلم والاستفادة منه: هي كما قال ابن القيم: «وللعلم سِتُّ مَرَاتِب:
أولها: حُسْن السُّؤَال.
الثَّانِيَة: حُسْن الإنصات.
الثَّالِثَة: الاستماع.
الرَّابِعَة: حُسْن الفَهم.
الْخَامِسَة: الحِفْظ.
السَّادِسَة: التَّعْلِيم، وَهِي ثَمَرَته، وَهِي الْعَمَل بِهِ ومراعاة حُدُوده.
فَمن النَّاس مَنْ يُحرمه لعدم حُسْن سُؤَاله، إمَّا لأنه لَا يَسأل بِحَال أَوْ يسأل عَنْ شَيْء وَغَيره أهم إليه مِنْهُ؛ كمن يَسْأَل عَنْ فضوله الَّتِي لَا يَضر جَهلُه بهَا ويدع مَالا غِنى لَهُ عَنْ مَعْرفَته. وَهَذِه حَال كثير من الْجُهَّال المُتعلمين.
وَمن النَّاس مَنْ يُحرمه لِسُوء إنصاته؛ فَيكون الْكَلَام والممارات آثرَ عِنْده وَأحبَّ إليه من الإنصات، وَهَذِه آفَة كامنة فِي أكثر النُّفُوس الطالبة للْعلم، وَهِي تمنعهم علمًا

(^١) أخرجه أبو داود (٣٦٦٠) والترمذي (٢٦٥٦) من حديث زيد بن ثابت ﵁.

1 / 7

كثيرًا» (^١).
فإذا طبق طالب العلم هذه المراتب فهو أهل لِنَيْل العِلم.
فأولًا: حُسن الإنصات، وهذا يُستفاد من قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]، فليحرص طالب العلم جيدًا على أن يسمع قبل أن يتكلم.
ثانيًا: حُسن السؤال، فعَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ أَصَبْتَ هذا العِلمَ؟ قال: «بِلِسَانٍ سَؤُولٍ، وَقَلْبٍ عَقُولٍ» (^٢).
وقالت عائشة ﵂: «نِعم النساءُ نِساءُ الأنصار؛ لم يَمنعهن الحياء أن يَتفقهن في الدِّين» (^٣).
وقال مجاهد: «لا يتعلم العلمَ مُستحي ولا مستكبرٌ» (^٤).
وكما جاء في الحديث: «شِفَاءُ العِيِّ السُّؤال» (^٥).
ثالثًا: حُسن الفهم، ويستفاد من قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]؛ فلا بد من حسن الفهم ومعرفة المسائل والأقوال والأدلة.
رابعًا: الحفظ والكتابة، فعن أنس بن مالك ﵁، قال: قال النَّبِيُّ ﷺ: «قَيِّدُوا

(^١) «مفتاح دار السعادة» لابن القيم، بتصرف يسير (١/ ١٦٩).
(^٢) أخرجه الإمام أحمد في «فضائل الصحابة» (٢/ ٩٧٠).
(^٣) أخرجه البخاري (١/ ٣٨) تعليقًا، ومسلم موصولًا (٣٣٢).
(^٤) أخرجه البخاري (١/ ٣٨) تعليقًا.
(^٥) أخرجه أبو داود (٣٣٦) والدارمي (٧٧٩) وابن ماجه (٥٧٢) من حديث أبي هريرة ﵁، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٤٦٤).

1 / 8

العِلْمَ بِالْكِتَابِ» (^١).
وكما روي عن الإمام الشافعي ﵀ أنه قال:
العِلمُ صَيدٌ والكِتابةُ قَيدُهُ … قَيِّدْ صيودكَ بالحِبالِ الواثِقَه
فَمِنْ الحَماقَةِ أَنْ تَصيدَ غَزالَةً … وتَرُدَّها بَينَ الخَلائقِ طالِقه
وكما قال الخليل بن أحمد: «ما سمعت شيئًا إلا كتبتُه، ولا كتبت شيئًا إلا حفظته، ولا حفظت شيئًا إلا انتفعتُ به» (^٢).
خامسًا: السعي لتعليمه، فإذا أرادت طالب العلم أن يبقى ما تعَلَّمه، فعليه أن يبذله، كما قال عليٌّ ﵁: «العلم يزكو على الإنفاق» (^٣).
فالشيخ والمُعَلِّم هو الطالب الأول، وهو أول مُستفيد من العلم الذي يشرحه ويَنشره.
ومن نظر إلى من اشتغل عن العلم بوظيفة ودنيا يرى أنه ينسى العلم سريعًا، ويرجع إلى الحال التي كان عليها قبل الطلب.
سادسًا: العمل به، كما قال عليُّ بن أبي طالب ﵁: «هتف العلم بالعمل؛ فإن أجابه، وإلَّا ارتحل» (^٤).
فإذا حرص طالب العلم على تطبيقه والعمل به، فهذا أدعى لبقائه؛ فقدر العلم ومنزلته وطلبه يرتقي بهها المرتبة.

(^١) أخرجه الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (١١/ ٢٣٤)، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٢٠٢٦).
(^٢) أخرجه الخطيب البغدادي في «تقييد العلم» (ص ١١٤).
(^٣) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (١/ ٨٠)، والخطيبُ البغدادي في «الفقيه والمتفقه» (١/ ١٨٢ - ١٨٣) برقم (١٧٦)، والمزي في «تهذيب الكمال» (٢٤/ ٢٢٠).
(^٤) «اقتضاء العلم العمل» (ص ٣٥).

1 / 9

وضد هذه المراتب الست موانع تصد عن تحصيل العلم وتصرف عن طلبه أو بقائه.
ولا بد لطالب العلم من آداب حتى يتأدب بأخلاق أهل العلم، وأهمها:
أولها: الإخلاص، وهو عزيز، وعلى الإنسان أن يجاهد أن يكون نفسه في تحصيله؛ ليكون كل عمله لوجه الله، وخاصة طلبه للعلم وبذله، والأمر- كما قال عن سفيان الثوري-: «ما عالجتُ شيئًا أشدَّ عليَّ مِنْ نيتي؛ لأنَّها تَنقلب عليَّ». وعن يوسف بن أسباط، قال: تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد» (^١).
ويُشترط في العبادات- حتى يَقبلها الله ﷿، ويُثيب عليها العبد- شرطان:
الشرط الأول: الإخلاص لله ﷿؛ قال تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء﴾ [البينة: ٥]، ومعنى الإخلاص هو: أن يكون مراد العبد بجميع أقواله وأعماله الظاهرة والباطنة ابتغاء وجه الله تعالى؛ قال تعالى: ﴿إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا﴾ [الإنسان: ٩]، وعن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى؛ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» (^٢).
وعن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَالَ اللَّهُ ﵎: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (^٣).
الشرط الثاني: مُوافقة العمل للشرع الذي جاء به النبيُّ ﷺ؛ فقد جاء في الحديث

(^١) انظر: «جامع العلوم والحكم» لابن رجب (١/ ٧٠).
(^٢) أخرجه البخاري (بدء الوحي/ ١).
(^٣) أخرجه مسلم برقم (٢٩٨٥).

1 / 10

عن النبي ﷺ: «مَنْ عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ» (^١).
قال الإمام ابن رجب ﵀: «هذا الحديث أصلٌ عظيم من أصول الإسلام، وهو كالميزان للأعمال في ظاهرها، كما أن حديث: «إنما الأعمال بالنيات» ميزان للأعمال في باطنها، فكما أن كل عمل لا يُراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك كلُّ عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله، وكل مَنْ أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله، فليس من الدين في شيء» (^٢).
وقال الإمام ابن القيم ﵀: «فإن الله جعل الإخلاص والمتابعة سَبَبَا لقبول الأعمال، فإذا فقد لم تُقبل الأعمال» (^٣).
فاحرص- يا طالب العلم- على الإخلاص وإصلاح الطوية وترك المعاصي؛ فقد قال الإمام الشافعي ﵀:
شَكَوْتُ إلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي … فَأرْشَدَنِي إلَى تَرْكِ المعَاصي
وَأخْبَرَنِي بأَنَّ العِلْمَ نُورٌ … ونورُ الله لا يُهدى لعاصي
فلا يمكن أن يجتمع النور والظلمة معًا.
فليس من الحكمة أن يقوم الغارس ببذر الأرض قبل حرثها وإصلاح بيئتها؛ لذا مَنْ طلب العلم فعليه أن يُصلح نيته ويَعمل على تهذيب نفسه؛ لكي يُحَصِّل العلم ويعود عليه بالنفع.
وليس طالب العلم بمعصوم، ولكن حياة القلب كحياة البدن، فالبدن لا يقوم إلا بالغذاء النافع (الطعام والشراب) وحميته مما يضرُّه، واستفراغ الفاسد منه؛ كالبول

(^١) أخرجه مسلم (١٧١٨) من حديث عائشة ﵂.
(^٢) «جامع العلوم والحكم» (ص ٥٩).
(^٣) «الروح» (ص ١٣٥).

1 / 11

والبراز والعرق. وهذا ما يحرص عليه أطباء البدن.
ويقابل إصلاح البدن إصلاح الرُّوح والنفس، وهو ما يقوم به العلم النافع والعمل الصالح.
فالله قد أودع في الإنسان قُوَّتين: قوة في النظر وقوة في الإرادة، والشيطان لا يَدخل على الإنسان إلا منهما؛ أي: من باب الشبهة التي تتسلط على نظره، ومن باب الشهوة في الحرام التي تتسلط على إرادته.
والشبهات المُضللة تُدفع بالعلم النافع، والشهوات المحرمة تدفع بالعمل الصالح.
فالدواء النافع هو في طلب العلم ولزوم الطاعة والحرص عليها.
والأمر ليس هينًا في البداية، ولكنه يحتاج إلى مجاهدة حتى تألفه النفس؛ وساعتها لن تبغي به بديلًا.
فإذا صحت النفس واستقامت على العلم النافع والعمل الصالح لن تبغي به بديلًا.
فهذا سبيل طالب العلم الذي يجب عليه أن يجاهد في مدارسته، وأن يثني الركب في مجالس العلماء من أجل تحصيله.
فإذا انشغل المسلم بطلب العلم فلن يكون عنده وقت لتفكير فاسد في شبهة أو انشغال بشهوة محرمة.
فالنفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية، ولذلك قال ﷺ: «أصدق الأسماء: حارثٌ وهَمَّامٌ» (^١)؛ لأن الإنسان في فكر دائم وعمل دائب.

(^١) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٨١٤)، وأحمد في «المسند» (١٩٠٣٢)، وأبو داود في «سننه» (٤٩٥٠)، وحسنه الألباني في «الصحيحة» (١٠٤٠).

1 / 12