شرح المحرر في الحديث - عبد المحسن العباد
شرح المحرر في الحديث
Maison d'édition
هو دروس صوتية مفرغة
Genres
•Commentaries on Hadiths
Régions
•Arabie saoudite
الدرس الأول: [بيان السنة وتدوينها وكذلك تدوين أحاديث الأحكام]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهديه إلى يوم الدين أما بعد:
فنبدأ مستعينين الله بتدريس كتاب المحرر في احاديث الأحكام للشيخ محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي ﵀ وقبل أن نبدأ بالكلام على هذه الأحاديث في هذا الكتاب نقدم لذلك بكلمة تتعلق ببيان السنة وتدوينها وكذلك تدوين أحاديث الأحكام، أقول: إن أعظم نعمة أنعم الله بها على أهل الأرض في آخر الزمان أن بعث فيهم رسوله الكريم محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم فدل أمته على كل خير وحذرها من كل شر، ما ترك أمرًا يقرب إلى الله إلا ودل الأمة عليه وما ترك أمرًا يباعد من الله إلا حذر الأمة منه، فصلوات الله وبركاته وسلامه عليه، وقد جاء بشريعة متصفة بصفات ثلاث صفة البقاء والخلود، وصفة العموم والشمول، وصفة الكمال فهي باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها كما جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ في صحيح مسلم وغيره أنه قال: «ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس» فإن هذا فيه أن الشريعة باقية إلى قيام الساعة وأيضا نبينا محمد ﷺ ختم الله به الأنبياء وختم به رسالة الرسالات فهي رسالة مستمرة باقية فمن صفاتها الخلود والبقاء ومن صفاتها العموم والشمول فإنها عامة للثقلين الجن والإنس فكل إنسي وجني من حين بعثته إلى قيام الساعة فإنه من أمة محمد ﷺ أمة الدعوة الذين يلزمهم ومطلوب منهم أن يدخلوا في هذا الدين الحنيف الذي جاء به الرسول الكريم ﵊، والأمة أمتان أمة دعوة وأمة إجابة، أمة دعوة وهم كل إنسي وجني من حين بعثته إلى قيام الساعة وأمة إجابة وهم الذين وفقهم الله في الدخول في دينه الحنيف،
1 / 1
وقد جمع الله بين الأمتين في قوله ﷿: (والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) فإن قوله: (والله يدعوا إلى دار السلام) يعني كل أحد حذف المفعول وذلك أن كلٌّ مدعوٌّ إلى دار السلام ما أحد يدعى وأحد لا يدعى وإنما الكل مدعوّ وقد قال الله لنبيه ﷺ: (وإنك لتهدي إلى صراط المستقيم) فالدعوة العامة والهداية خاصة ثم قال: (ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) وهم الذين وفقهم في الدخول لهذا الدين الحنيف فإذًا هذا فيه أن هذه الرسالة شاملة للثقلين الجن والإنس وقد قال ﵊ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار» فذكَر اليهود والنصارى وأنهم من أمة محمد ﷺ أمة الدعوى وأنه بعد بعثة الرسول ﷺ لا ينفعهم أن يقولوا أنهم من أتباع موسى أو أتباع عيسى وإنما بعد بعثته ﷺ فإن الشرائع نسخت ولم يبقى إلا شريعة نبينا محمد ﵊، واليهود والنصارى الذين هم أهل كتاب وأصحاب رسالة وأنهم أرسل عليهم لا ينفعهم أن نقول بعد بعثة محمد ﷺ أنهم أتباع موسى أو أنهم أتباع عيسى وإنما الواجب على كل إنسي وجني أن يستسلم وينقاد ويدخل في هذا الدين الحنيف الذي جاء به الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وأما صفة الكمال فإنها كاملة لا نقص فيها لا تحتاج إلى إضافات ولا تحتاج إلى محدثات ولا تحتاج إلى بدع وإنما الله تعالى أكملها وتوفي الرسول ﷺ وقد ترك الناس على محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك والله تعالى قال: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)، فمن زعم كما جاء عن مالك بن أنس ﵀: من زعم أن في الإسلام بدعة حسنة فقد زعم أن محمدا خان الرسالة، لأن الرسول ﵊ بلغ البلاغ المبين ولم يجعل الناس في حاجة إلى أمور محدثة يأتي بها الناس ويضيفونها إلى شرع الله وقد قال ﷺ في الحديث المتفق على صحته «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية لمسلم «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» فإن كل عمل لا يكون نافعا عند الله إلا إذا توفر فيه شرطان: الإخلاص والمتابعة، الإخلاص لله وحده والمتابعة للرسول ﷺ وهذا هو معنى أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، لأن معنى أشهد أن لا إله إلا الله الإخلاص، ومعنى وأشهد أن محمدا رسول الله المتابعة له وأنه لا يعول على شيء إلا ما جاء به ﵊ وما بعثه الله به ﵊، إذا هذه صفات ثلاث اتصفت به هذه الشريعة شريعة نبينا محمد ﷺ وهي البقاء والخلود، والعموم والشمول، والكمال والتمام.
1 / 2
ثم إن سنة الرسول ﵊ هي وحي من الله كما أن القرآن وحي من الله إلا أن القرآن وحي متعبد بتلاوته والعمل به، وأما السنة فإنه متعبد بالعمل بها وهي وحي من الله لأن القرآن وحي وقد قال الله ﷿: (وما ينطق عن الهوى (٣) إن هو إلا وحي يوحى) وقال ﷺ في أحاديث عديدة أُمرت بكذا ونُهيت عن كذا، فإذا قال الرسول أمرت بكذا ونهيت عن كذا فالآمر الناهي هو الله وهذا يبن لنا أن السنة من الله وأنها ليست من عند الرسول ﷺ وإنما هي من عند الله وإنما الرسول أوحيت له السنة كما أوحي إليه القرآن وكذلك جاء في الحديث الطويل الذي رواه البخاري في صحيحه والذي فيه كتاب أبي بكر إلى أنس بن مالك ﵄ في بيان فرائض الصدقة وفي أوله «هذه فريضة الصدقة التي فرضها الله على عباده والتي أمر الله بها رسوله» وهذا الحديث الطويل الذي فيه زكاة الأنصبة من الإبل والبقر والغنم وكذلك مقدار الزكاة في كل نوع من أنواع الأموال الزكوية كله يبين لنا أن السنة وحي من الله وأنها ليست من عند الرسول ﷺ وأن الأخذ بها لازم كالقرآن ومعلوم أن من قال أنه يأخذ بالكتاب ولا يأخذ بالسنة فإنه يقال له كيف يصلي الإنسان لأنه ما جاء في القرآن أن الظهر أربع ركعات والعصر أربع ركعات والمغرب ثلاث ركعات والعشاء أربع ركعات والفجر ركعتين هذا لا يوجد في القرآن وإنما جاء في السنة، فالذي يزعم أنه يأخذ بالقرآن دون السنة فهو منكر للكتاب والسنة وجاحد للكتاب والسنة لأنه لابد من الأخذ بالكتاب ولابد من الأخذ بالسنة ولهذا جاء عن عبدالله بن مسعود ﵁ لما قال: لعن الله النامصة والمتنمصة وكذا، قال: مالي لا ألعن من لعنه الله وهو موجود في كتاب الله، فقالت امرأة: إني قرأت المصحف من أوله إلى آخره فما وجدت هذا الذي تقول - يعني ما وجدت أن النامصة والمتنمصة ملعونة- قال: إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه قال الله ﷿: (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) فالسنة كلها داخلة في قوله: (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) ولهذا يأتي في القران آيات كثيرة تدل على لزوم اتباع ما جاء به الرسول ﵊ وأنه يؤخذ بما جاء عن الله والرسول وهو ما جاء في الكتاب والسنة كما قال الله ﷿: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم) ويقول: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) ويقول: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) فإذًا السنة هي وحي من الله ومن زعم أنه يأخذ بالقرآن دون السنة فإنه غير آخذ بالكتاب ولا بالسنة.
1 / 3
ثم إن السنة تطلق أربعة إطلاقات:
تطلق إطلاق عاما على كل ما جاء به الرسول من الكتاب والسنة فإنه داخل في سنة الرسول ﷺ أي طريقته ومنهجه ومن أدلة ذلك قوله ﷺ: «من رغب عن سنتي فليس مني» من رغب عن سنته أي الكتاب والسنة فمن رغب عن الكتاب والسنة فليس من الرسول ﷺ في شيء.
والإطلاق الثاني السنة بمعنى الحديث وهذا فيما إذا عطفت على القرآن وإذا عطفت على الكتاب كما في قول الرسول ﷺ: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي» فإنه لما عطفت السنة على الكتاب عرف أن المراد بالسنة الحديث وكذلك إذا قال شراح الحديث وكتاب الفقه هذه المسألة دل عليها الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقول الله عز وكل كذا، وأما السنة فقول الرسول ﷺ كذا، وأما الإجماع فقد حكى الإجماع فلان على كذا وكذا فإذا عطفت السنة على الكتاب يراد بها حديث الرسول ﷺ.
والإطلاق الثالث السنة في مقابل البدعة ومن أمثلة ذلك قوله ﷺ: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة» فإن في هذا حث على السنة بقوله «فعليكم بسنتي» ثم بعد ذلك تحذير من البدع في قوله ﷺ: «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة»، فإذًا السنة تطلق في مقابل البدعة وأن ما جاء به الرسول ﷺ في الكتاب والسنة هذا هو السنة وما جاء بخلاف ذلك وما جاء مبتدعا ومضافا إلى الشريعة وهي لم تأتي به فإن هذا من البدع المحدثة.
والإطلاق الرابع وهو في اصطلاح الفقهاء وهو بمعنى المندوب والمستحب الذي ليس بفرض وليس بواجب وليس بمتعين فإن الأوامر منها ما هو على سبيل الإلزام وهي الفرائض ومنها ما هو على سبيل الاستحباب وهي النوافل فالفرائض مثل الصلوات الخمس هذه فرائض محتمة في اليوم والليلة، وأما الرواتب فهي كالسنن القبلية والسنن البعدية وكذلك صلاة الضحى وقيام الليل، فهذه كلها من النوافل والإنسان يحرص على أن يأتي بالفرائض ويأتي بالنوافل لكن النفل يطلق عليه سنة يعني إذا قال الفقهاء يسن كذا معناه ليس بواجب وإذا قالوا يندب كذا معناه أنه ليس بواجب وإذا قالوا يستحب كذا معناه أنه ليس بواجب، إذًا هذه أربعة معاني لإطلاق لفظ السنة.
1 / 4
ثم إن سنة الرسول ﵊ قد حصل تدوينها في أواخر عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم واتسع التدوين في القرن الثالث الهجري، فإن الكتب الستة التي هي صحيح البخاري وصحيح مسلم والسنن الأربعة لأبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجه كلها في القرن الثالث الهجري وهذه الكتب هي الكتب المشهورة التي اشتهرت والتي حصل عليها التعويل والتي حصل خدمتها في متونها وأسانيدها ورجالها، حصل عناية خاصة بهذه الكتب، وهذه الكتب مشتملة على الأحكام وعلى غير الأحكام، مشتملة على العقائد مثل: البخاري ومسلم في كتاب الإيمان، وقد بدئ كتاب البخاري بكتاب الإيمان وكتاب مسلم بكتاب الإيمان وقبل كتاب الإيمان باب في بدء الوحي على رسول الله ﵊، فهذه الكتب اشتملت على أحاديث الأحكام وعلى غير أحاديث الأحكام، وأما كتب السنن الأربعة فإنها مشتملة على الأحكام ولهذا يعني أبو داود والترمذي والنسائي كل منهم بدأ سننه بكتاب الطهارة التي هي أول ما يتعلق بالأحكام وذلك أن الأحكام عبادات ومعاملات فالعبادات صلاة وزكاة وصيام وحج والصلاة لا تصح إلا بطهارة وهي شرط من شروط الصلاة والشرط يتقدم على المشروط ويكون موجودا قبله فلهذا بدؤوا كتبهم بكتاب الطهارة ثم أتوا بعد ذلك بكتاب الصلاة ثم بعد أن ينتهون من العبادات يأتون بالمعاملات التي هي البيوع والإجارة والنكاح والطلاق والعتق والرق والأطعمة والأشربة وغير ذلك من سائر الكتب التي متعلقة بالأحكام، وعلى هذا فإن الأحاديث النبوية بدأ تدوينها وهي مشتملة على الأحكام ولكنها بالأسانيد وهذا في العصر الأول يعني القرون الثلاثة كانت مبنية على الأسانيد وكذلك بعده بسنوات مبنية على الأسانيد
1 / 5
وبعد ذلك صار التأليف بإثبات المتون دون الأسانيد مثل ما حصل في أزمان متأخرة فإن أحاديث الأحكام ألف فيها مؤلفون فقد ألف فيها عبدالغني المقدسي المتوفى سنة (٦٠٠ هـ) ألف فيها كتابه عمدة الأحكام وهو مقتصر على الأحاديث المتفق على صحتها عند البخاري ومسلم، ثم جاء بعده ابن تيمية المجد جد شيخ الإسلام ابن تيمية وهو عبدالسلام وألف كتابه منتقى الأخبار وكانت وفاته سنة (٦٥٢ هـ)، ثم جاء بعد ذلك ابن دقيق العيد المتوفى سنة (٧٠٢ هـ) وألف كتابه الإلمام في أحاديث الأحكام، ثم جاء بعده محمد ابن عبدالهادي صاحب المحرر الذي ندرسه ألف كتابه المحرر في أحاديث الأحكام، ثم جاء بعد ذلك الحافظ ابن حجر وألف كتابه بلوغ المرام من أدلة الأحكام وهذه كلها يذكر الصحابي ويذكر الحديث ويذكرون من خرج هذه الأحاديث فيقول رواه البخاري ومسلم أو رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه أو رواه ابن خزيمة وفلان وفلان هذه طريقتهم كانت كتب مختصرة يذكرون فيها المتون دون الأسانيد حتى يسهل حفظها ويسهل تناولها ولهذا فإن التأليف في أحاديث الأحكام جاء على الأسانيد والمتون كما حصل ذلك في الكتب الستة وغيرها وجاء بعد ذلك في أزمان متأخرة من سنة ستمائة وما بعدها ألَّف هؤلاء الذين ألفوا في أحاديث الأحكام ولكنهم اقتصروا على المتون دون الأسانيد، وابن عبدالهادي ﵀ الذي هو مؤلف المحرر هو محمد بن أحمد بن عبدالهادي الحنبلي وكانت ولادته سنة خمس وسبعمائة وكانت وفاته سنة أربع وأربعين وسبعمائة ومدة عمره تسع وثلاثون سنة ومع ذلك ألف هذا المؤلف وألف المؤلفات الأخرى له مؤلفات عديدة مؤلفات كثيرة ومع ذلك عمره تسع وثلاثين يعني مدة حياته تسع وثلاثين وهذا يدلنا على أن من العلماء من كان غير معمر ولكنه ألف المؤلفات، ومن الذين أعمارهم قصيرة وجهودهم عظيمة ومؤلفاتهم واضحة ومشهورة أبو بكر الحازمي فإن عمره خمس وثلاثون سنة ولهذا ذكره الذهبي في كتابه من يعتمد قوله في الجرح والتعديل فقال: مات شابا طريا عمره خمس وثلاثون سنة، ومثل ذلك النووي فإن مؤلفاته كثيرة وعمره تسع وأربعون سنة وقد ألف فيه المؤلفات الكثيرة الواسعة، وكذلك عمر بن عبدالعزيز ﵀ الخليفة الراشد وهو من الخلفاء الراشدين يعني عمره أربعون سنة مات وعمره أربعون سنة، يعني ابن قدامة هذا الذي معنا في هذا الكتاب أو المؤلف لهذا الكتاب عمره تسع وثلاثون سنة ومع ذلك ألف هذه المؤلفات، ومن المعاصرين الذين لهم المؤلفات الكثيرة نظما ونثرا الشيخ حافظ الحكمي ﵀ فإن عمره خمس وثلاثون سنة وقد ألف المؤلفات الكثيرة الواسعة نظما ونثرا عمره خمس وثلاثون سنة وهذا يدل على أن هؤلاء بجدهم واجتهادهم مع قصر أعمارهم ألفوا هذه المؤلفات العظيمة الواسعة، وإن شاء الله في الدرس القادم نبدأ بدراسة الأحاديث التي في كتاب المحرر، والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
1 / 6
الدرس الثاني: [الأسس التي بنى عليها كتاب المحرر]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين أما بعد:
فسبق أن مر في الدرس الماضي بيان عدد من الكتب التي ألفت في الأحكام وبالأسانيد وأن في طليعتها صحيح البخاري وصحيح مسلم وكتب السنن الأربعة وغيرها وأن التأليف قبل ذلك كان بالأسانيد يعني سواء في الأحكام أو في غير الأحكام وأنه بعد ذلك بعد ما مضى مدد طويلة فإن العلماء لا يروون الأحاديث بالأسانيد كما هو شأن المتقدمين وإنما يذكرون الصحابي والحديث الذي يرويه عن رسول الله ﷺ كما جاء يعني فعله عبدالهادي وغيره ممن مر ذكرهم بالأمس وأن منهم من ألف على سبيل الأسانيد ومنهم من يذكر المتن مع ذكر الصحابي فقط كما فعل ذلك العلماء المتأخرون مثل عبدالغني المقدسي ومثل ابن تيمية صاحب المنتقى ومثل ابن دقيق العيد في الإلمام ومثل المحرر عند ابن عبد الهادي ومثل بلوغ المرام عند الحافظ ابن حجر تقدم هذا في الدرس الماضي وهنا ذكر هذه المقدمة التي ذكرها ابن عبدالهادي ﵀ ﷿ بين يدي كتابه يعني هذي مشتملة على الأسس التي بنى عليها كتابه وأنه رجع إلى كتب المتقدمين وأنه استفاد منها وأنه أخذ منها وهي الكتب المسندة وذكر قال: إن هذا مختصر، لأنه اختصره من كتب الأئمة المتقدمين في أحاديث الأحكام وهذا أحد مؤلفاته لأن ابن عبد الهادي ﵀ له مؤلفات كثيرة وهذا إحداها وقد ترجم له ابن رجب الحنبلي في كتابه ذيل طبقات الحنابلة وسمى له ما يقرب من سبعين كتابا من مؤلفاته سردها فهي مؤلفات كثيرة
1 / 7
وهذا واحد منها وما جاء في أول هذا الكلام من قوله الثناء عليه قال فلان الذي هو كذا وكذا هذا قول تلميذه يعني هذي العبارة التي جاءت فيها الثناء عليه وبيان منزلته وأنه إمام وأنه حافظ وأنه فقيه وأنه كذا يعني هذا كلام تلميذه الذي روى عنه الكتاب، أما كلام ابن عبدالهادي فهو يبدأ من المقدمة الذي قال فيها الحمد لله … الخ يعني ذكر أنه انتخبه من مؤلفات كثيرة تروى بالأسانيد وذكر أحد عشر كتابا، فذكر مسند الإمام أحمد وقدمه على الصحيحين لأنه من أجل الزمان متقدم في الزمان وإلا فإن الصحيحين مقدمين على غيرها في الصحة ولكنه يأتون به قبلهما لأنه يسبقهما في الزمان ومن أجل ذلك ذكره، فذكر مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري وصحيح الإمام مسلم وسنن أبي داوود والترمذي والنسائي وابن ماجة فهذه سبعة كتب مسند الإمام أحمد والكتب الستة، ثم بعد ذلك الكتب الثلاثة التي ألفت في الحديث الصحيح وإن كانت فيها شيء من الضعيف وهي صحيح ابن خزيمة وصحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم هذه عشرة ثم بعد ذلك ذكر السنن الكبرى للبيهقي فهذه أحد عشر كتابا ثم قال وغيرها، فنص على هذه الكتب الأحد عشر وأشار أنه لم يقتصر عليها بل على غيرها، قال رتبتها على ترتيب بعض فقهاء زماننا ليسهل الكشف منه يعني أنه مشى في ترتيب الأبواب على ترتيب بعض أهل زماننا ومعلوم أن الأبواب في الغالب في الطهارة وفي الزكاة وكذا أن ترتيبها متقارب وإن حصل بينها شيء من التفاوت لكن الشيء الذي رأيته أقرب موافقة في الترتيب والتبويب كتاب الإلمام لابن دقيق العيد فإنه موافق له في الغالب من ناحية التنصيص على الأبواب وترتيبها وابن دقيق العيد توفي قبل ولادة ابن عبدالهادي بثلاث سنوات لأن ابن دقيق العيد توفي سنة اثنتين وسبع مائة وابن عبدالهادي ولد سنة خمس وسبع مائة وما كان متفق عليه يعني إذا قيل متفق عليه يقصد البخاري ومسلم لأن هذه عبارة اصطلح عليها الذين جاؤوا بعد الشيخين والذين يكتبون في الأحاديث دون أن يذكروا أسانيدها يقولون متفق عليه يقصدون اتفاق البخاري ومسلم هذا المشهور أنه عندما يوجد في كتب الحديث التي لا تذكر الأسانيد وإنما تذكر المتن ثم تعزو الى أصحاب المؤلفات المسندة يقولون متفق عليه يقصدون البخاري ومسلم، إلا ابن تيمية في المنتقى فإنه إذا قال متفق عليه يقصد البخاري ومسلم والإمام أحمد يعني الإمام أحمد فإنه في اصطلاح ابن تيمية الذي هو جد شيخ الإسلام في منتقى الاخبار أنه عندما يقول متفق عليه يقصد البخاري ومسلم ويقصد أيضا مع ذلك الإمام أحمد، قال وربما يعني وهذا التقليل أشار إلى كلمة ربما تفيد التقليل يذكر بعض الآثار عن الصحابة يعني الموقوفة عليهم ومعلوم أن لفظ الحديث يطلق خاصا بما جاء عن رسول الله ﷺ لفظ الحديث يطلق على ما جاء عن رسول الله ﷺ فقط أما الآثار فإنه يطلق إطلاقا عاما يشمل الحديث ويشمل ما جاء عن الصحابة وعن غيرهم ويطلق إطلاقا خاصا على ما جاء عن الصحابة ﵃ ومن دونهم، لأنه إذا قال الحديث والأثر، الحديث ما يضاف إلى الرسول ﷺ والأثر ما يضاف الى الصحابة ﵃ ومن دونهم ولكنه إذا جاء الأثر هكذا ليس معه الحديث فيدخل تحته الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة والآثار المقطوعة التي تنسب إلى ما دون الصحابة لأن ما يضاف إلى الرسول ﷺ يقال له مرفوع وما يضاف إلى الصحابة ﵃ يقال له موقوف وما يضاف إلى غيرهم ممن جاء بعدهم يقال له مقطوع.
1 / 8
كتاب الطهارة
ثم بدأ بعد ذلك بالكتاب بعدما ذكر هذه المقدمة المختصرة التي بيّن فيها أنّه استقاه من كتب مسندة، هي الإحدى عشر وغيرها ممّا أبهمه وقال وغير ذلك، بدأ بكتاب الطهارة، ومعلوم أنّ كتب الأحكام تشتمل على العبادات والمعاملات، والعبادات هي: الصلاة والزكاة والصيام والحج، ولمّا كانت الصلاة لا تصح إلا بالطهارة بالماء عند وجوده، وعند عدمه بالتيمم، فلا بد من الطهارة، فإنّها قُدمت وجُعلت بين يدي الصلاة؛ لأنّها شرط من شروط الصلاة، والشرط يتقدم المشروط، لابد أن يكون الإنسان عندما يريد أن يصلي أن يتوضأ (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) يعني إذا أردتم القيام فاغسلوا وجوهكم، فالإنسان عندما يريد الصلاة يتوضأ، وجاء في الحديث «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حدثًا حتى يتوضأ» فبدأ بالطهارة؛ لأنّها مفتاح الصلاة؛ ولأنّها لا تكون الصلاة إلا بطهارة، سواء كان بالماء، أو بالتيمم عند فقد الماء، وكثير من الأئمة سواء الذين ألّفوا في الأحكام مسندة أو غير مسندة، فإنّهم يبدؤون بالطهارة، أمّا البخاري ومسلم فقد بدؤوا بكتاب الايمان، فذكروا شيء يتعلق بالعقيدة، ثمّ بعد ذلك بدؤوا بالطهارة وغيرها من الأبواب التي تتعلق في العبادات والمعاملات، وأمّا أصحاب السنن فإنّ ثلاثة منهم بدؤوا بكتاب الطهارة، الذين هم: أبو داود، والترمذي، والنسائي، هؤلاء الثلاثة قالوا كتاب الطهارة، أمّا ابن ماجه فبدأ بأحاديث تتعلق بالعقيدة، وهي أحاديث كثيرة تبلغ مائتان وست وستين حديثا، فيها اتباع السنة وأحاديث أبواب كثيرة تتعلق بالعقيدة، ثم أتى بكتاب الطهارة، وكذلك الذين جاؤوا فيما بعد وألفوا في الأحكام فإنهم يبدؤون بكتاب الطهارة، مثل ما فعل عبدالغني المقدسي في كتابه عمدة الأحكام فإنه بدأ بالطهارة، وكذلك بعده صاحب منتقى الأخبار وهو: عبدالسلام جد شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه بدأ كتابه بكتاب الطهارة، وكذلك ابن دقيق العيد بدأ بكتاب الطهارة، وابن عبدالهادي بدأ بكتاب الطهارة، وابن حجر بدأ بلوغ المرام بكتاب الطهارة وهكذا فبدؤوا بالطهارة، وأول حديث ذكره ابن عبدالهادي هنا هو حديث ماء البحر.
1 / 9
١ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: " سَأَلَ رجل رَسُول الله ﷺ َ فَقَالَ: إِنَّا نركب الْبَحْر ونحمل مَعنا الْقَلِيل من المَاء فَإِن توضأنا بِهِ عطشنا، أفنتوضأ من مَاء الْبَحْر؟ فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ: هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ الْحل ميتَته " رَوَاهُ أَحْمد، وَأَبُو دَاوُد، وَابْن مَاجَه، وَالنَّسَائِيّ، وَالتِّرْمِذِيّ، (وَصَححهُ البُخَارِيّ، وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَة، وَابْن حبَان، وَابْن عبد الْبر وَغَيرهم) وَقَالَ الْحَاكِم: (هُوَ أصل صدّر بِهِ مَالك كتاب الْمُوَطَّأ وتداوله فُقَهَاء الْإِسْلَام ﵃ من عصره إِلَى وقتنا هَذَا).
أول حديث ذكره ابن عبد الهادي في كتاب الطهارة هو حديث ماء البحر، وقد سبقه إلى ذلك عدد من العلماء فإنّهم بدؤوا بحديث البحر: السنن الكبرى للبيهقي بدأ بكتاب الطهارة وبدأ بحديث البحر هذا، وكذلك المجد بن تيمية بدأ بحديث ماء البحر في كتابه المنتقى، وكذلك ابن دقيق العيد في كتابه الإلمام بدأ بحديث ماء البحر، وابن عبدالهادي معهم على هذا، وبعده الحافظ ابن حجر بدأ كتابه بلوغ المرام بحديث ماء البحر، فهؤلاء صدّروا كتاب الطهارة بحديث البحر، وذلك لأنّه أكثر المياه (الذي هو البحر)؛ لأنّ المياه إمّا مياه أمطار، أو مياه آبار، وإمّا بحار، وإمّا أنهار، وأكثرها ماء البحر؛ فصدّر به؛ لأنّ الناس يحتاجون إليه، وأنّهم يركبون البحار، وأنّهم ينقلون الماء القليل؛ ليشربوا منه، وكأنّهم يظنون أنّ ماء البحر لمّا كان يختلف عن المياه الأًخرى في رائحته ونُتنِه وشدة مرارته أنّه يختلف عن سائر المياه، فسألوا رسول الله ﷺ وأنّهم كانوا يركبون البحر ويحملون معهم القليل من الماء؛ لشربهم، فإن توضأنا منه عطشنا، فقالوا أنتوضأ من ماء البحر، فقال ﷺ: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» وهذا يدلنا على حرص الصحابة ﵃ على تلقي السنن، وعلى سؤال الرسول ﷺ أمور دينهم، وأنهم يسألون عن كل ما يحتاجون إليه، وكل ما تدعوا إليه الحاجة، وكل ما يعرض لهم، فإنّهم يسألون رسول الله ﷺ، وهذا يدلنا على حرصهم على تلقي السنة عن النبي ﷺ، سواء كانت تحصل منه ابتداء كما يحصل في خُطبِه وغيرها، أو كونه يُحدِّث الناس ابتداء، أو كونه يسألونه ويجيبهم على الشيء الذي يحتاجون إليه، وهنا ذكر سبب هذا الحديث؛ أنّ رجلًا سأل النبي ﷺ وقال إنّا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا منه عطشنا، يحملونه للشرب فإن استعملوه للطهارة فإنّهم يعطشون، فهل نتوضأ من ماء البحر؟ قال: نعم، قال: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» ما قال ﷺ نعم لأنّهم قالوا أنتوضأ، ما أتى بكلمة نعم، لأنّه لو أجاب بنعم فقط لظن أنّه في حال الضرورة؛ لأنّهم سألوا في حال ضرورة، فلو أجاب بنعم يعني يجوز لكم في حال الضرورة كذا وكذا، لكنّه بيّن ﷺ أنّ هذا مطلقًا ضرورة وغير ضرورة، سواء كان في ضرورة أو غير ضرورة وأنّهم يتوضؤون بماء البحر كما يتوضؤون بماء الأنهار وماء الآبار وماء الأمطار والغدران وما إلى ذلك كل ذلك لهم، وأنّه لا فرق بين البحر وغيره، فإذًا أجابهم بجواب ليس مطابقا لسؤالهم بأن يقول نعم؛ لأنّه أراد أن تطيب نفوسهم وأن يطمئنوا إلى أنّهم يتوضؤون منه في جميع أحوالهم، سواء كان معهم ماء حلو أو ليس معهم ماء، المهم أنّه ماء طهو، وأنّه يُتوضأ منه، والطهور يأتي بضم الطاء وبفتحها، فما كان بالفتح فإنه يراد به الماء المستعمل، الماء المستعمل يقال له طَهور، ونفس الاستعمال أن يكون الإنسان يغسل وجهه ويغسل يديه ويمسح رأسه ويغسل رجليه هذا يقال له طُهور، فإذًا ما كان بالفتح يراد به الشيء المستعمل الماء المستعمل، وما يراد به الضم يراد به نفس الاستعمال، وهناك كلمات مماثلة لهذه الكلمة التي هي الطهور؛ لأنّها في حال فتحها تكون للشيء المستعمل وللمادة المستعملة، وفي حال ضمها نفس الاستعمال، فإن الطَهور بفتح الطاء المقصود به الماء المستعمل، والطُهور المقصود به الاستعمال،
وكذلك الوَضوء والوُضوء؛ لأنّه بفتح الواو المقصود به الماء المستعمل، وبضمها نفس الاستعمال، وكذلك السَحور والسُحور، السَحور اسم للطعام الذي يؤكل في السحر للصيام، والسُحور هو نفس الأكل عملية الأكل التي هي كون الانسان يأكل في السَحر، وكذلك السَعوط الذي يستسعط في الأنف فهذا يقال له سعوط إذا كان بفتح السين، وسُعوط الذي هو نفس الجذب في الأنف هذا يقال له سُعوط، وكذلك الوَجور الذي هو يوضع في الحلق، فالذي يوضع في الحلق يقال وَجور، ونفس وضعه بالحلق فهذا يقال له وُجور، فهذه كلها كلمات في حال الفتح يراد بها الشيء
المستعمل أو المادة المستعملة، وما كان بالضم يراد به نفس الاستعمال أو عملية الاستعمال، الرسول ﷺ لمّا سألوه أنتوضأ من ماء البحر، قال هو «الطهور ماؤه» يعني معناه أنّ ماؤه طهور يُتطهر به وقوله يعني (هو) ليس المقصود به الماء، لأنّ المقصود به الأرضية التي عليها الماء التي يستقر عليها الماء، لأنّه لا يقال أنّ الماء هو الطهور ماؤه، وإنّما البحر هو الطهور ماؤه، المكان الذي فيه الماء، مثل ما يقال ماء البئر المكان الذي هو فيه، أو الغدران التي يكون فيها الماء، والأنهار التي يكون فيها الماء، فإن الضمير في قوله (هو) لا يرجع إلى الماء ولا يقال أنّه المقصود ماء لأنّه يصير ماء غير مستقيم يعني ماؤه هو الطهور ماؤه، وإنّما المقصود المكان الذي فيه الماء، كما يُقال ماء البئر ماء النهر ماء الغدران التي تكون في الفلاة من مياه السيول المتجمعة، ثمّ إنّ الرسول ﷺ لمّا رآهم توقفوا وترددوا في طهورية ماء البحر؛ لشدة مرارته ولنتن رائحته، قد يُشكل عليهم وقد يخفى عليهم أيضًا أنّ ميتته مثل ميتة غيره بأنها حرام، فبيّن ﷺ أنّها حلال؛ لأنّ ميتة البحر حلال، قال: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»، قالوا وهذا يدل على أنّ الإنسان إذا رأى أنّ بالسائل حاجة إلى أن يضيف إليه شيء قد يشكل عليه فإنّه يزيد، وهذا يسمونه أسلوب الحكيم، بمعنى أنّه يضيف شيئا يحتاج إليه السائل، ومثله ما لو سأل سؤالًا عامًا ثمّ أُجيب بسؤال خاص باختصار، مثل ما جاء عن الرسول ﷺ أنّهم سألوه ما الذي يلبسه المحرم من الثياب، فقال لا يلبس المحرم، سألوه عن ما يُلبس فأجاب بما لا يلبس؛ لأنّ ما لا يلبس قليل، وما عداه هو الذي يلبس، فبدل من كونه أن يجيب يلبس كذا وكذا وكذا من أنواع الملابس، قال لا يلبس كذا ويلبس ما سوى ذلك، فهذا كونه سألوه بما يلبس فأجابهم بما لا يلبس؛ لأنّه تنبيه لهم إلى
أنّ السؤال ينبغي أنّ يكون عن الشيء الذي لا يلبسه؛ لأنّه محصور، بخلاف الذي يلبس؛ فإنّه غير محصور، فهذا يسمى أسلوب الحكيم، فإذًا هذا الحديث الذي معنا هو من هذا القبيل، الرسول ﷺ لمّا رأى أشكل عليهم الطهارة من ماء البحر، فأرشدهم إلى أنّهم أيضًا حتى ميتته، والمقصود بميتة البحر يعني الحيوان الذي لا يعيش إلا بالبحر فإن خرج من البحر مات، فإنّ هذا هو المقصود، أمّا لو مات فيه شيء من ما يعيش في البر بأن غرقت فيه ناقة، أو فرس، أو شاة، أو عنز، أو طير من الطيور التي يحل أكلها وماتت به، فإنها حرام؛ لأنّها ليست مما يعيش إلاّ به الذي هو السمك وغيره مما يعيش إلاّ به، فإنّ ممّا يعيش بالبر إذا مات
في البحر فإنّه يعتبر ميته ولا يجوز أكله، فإذًا قوله «الحل ميتته» المقصود بذلك الميتة التي لا تعيش إلاّ في ماء البحر، قال ﷺ «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»، وهذا الحديث أصل عظيم، ولهذا صدّر به كثير من العلماء كتبهم كما ذكرت، وهو حديث صحيح صححه كثير من أهل العلم، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة المغيرة ابن أبي بردة ﵁ في تهذيب التهذيب في ترجمته، بأنّه ذكر عشرة صححوا الحديث وقال وآخرون، فقد صحح هذا الحديث كثيرون من أهل العلم، فهو حديث صحيح، وهو أصل من الأصول، ولهذا صدّر به جماعة من العلماء كتب الطهارة كالذين ذكرتهم، رواية يحيى بن يحيى الليثي المشهورة التي هي مشهورة عند الناس، لم يصدّر بها هذا الحديث، وإنّما يمكن أنّ المقصود بهذا في بعض الموطآت؛ لأن الموطأ رواه عنه جماعه يحيى ابن يحيى الليثي وغيره، لكنّ المشهورة رواية يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي، ولم يصدّر الموطأ فيها، بل جاء هذا الحديث الذي هو حديث البحر في الموطأ بعد أحاديث كثيرة في رواية يحيى بن يحيى، لكنّه المقصود من ذلك بعض الموطآت.
1 / 10