300

Commentaire des quarante hadiths de l'Imam An-Nawawi

شرح الأربعين النووية

معنى: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ..)
وإذا كان الحديث السابق يبين حسن الإسلام، فهذا الحديث يبين كمال الإيمان، وقد جاء في هذا المعنى أحاديث عديدة، وقوله: (لا يؤمن أحدكم) (لا) نافية، تنفي الإيمان عن أحد، وأحد نكرة أضيفت للمخاطب، فتعم جميع آحاد الناس، والإيمان كما جاء في حديث جبريل ﵇: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره)، وهذا الحديث ينفي كل أركان الإيمان الستة، وهل يكون قد خرج عن عداد المؤمنين أو المعنى: لا يؤمن إيمانًا كاملًا؟ لا يؤمن إيمانًا كاملًا كما جاء في سورة الحجرات: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، وعند علماء اللغة أن (لما) تشترك مع (ما) في النفي، إلا أن (لما) تدل على أن المنفي هو في سبيل إتمامه، تقول: أثمرت النخلة ولما ترطب، أثمرت الشجرة ولما تينع، أي: ينضج ثمرتها، أي: أنها في طريق النمو، وفي طريق اكتمال النضج، وكذلك الأعراب، أسلموا، وبوادر الإيمان في طريق اكتمالها، فقوله: (لم تؤمنوا) أي: لم يكتمل إيمانكم، وبقي مراحل حتى يكتمل، ولذا حملوا النصوص التي ترد بهذا المعنى على نفي كمال الإيمان كقوله ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)، وليس المراد أنه انتفى عنه الإيمان وخرج عن مسمى المسلمين، لا، بل جاء في الحديث الآخر: (يكون الإيمان عليه كالظلة حتى يرجع عن ذلك أو ينتهي منه)، فالإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
هذا الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) نقيسه بالشمول وعموم الإسلام كله، (حتى يحب لأخيه)، وليس المراد بأخيه ابن أمه وأبيه أو أخوه من الرضاع أو أخوه لأب أو لأم، بل المراد أخوة الإسلام ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، وقال بعض العلماء: الأخوة في الإنسانية أعم من الأخوة في الإسلام؛ لأن الواجب عليك لو رأيت كافرًا مشركًا -وتعلم أن نهاية الكفر والشرك إلى النار وأنت تكره ذلك- أن تحب له الإسلام لينجو من النار كما تحب ذلك لنفسك، فبعض العلماء وسع نطاق الأخوة، وجعلها في الجنس البشري، وبعضهم يقصرها على الأخوة الإسلامية.

36 / 3