شرح أدب القاضي
شرح أدب القاضي
Enquêteur
أبو الوفاء الأفغاني [ت ١٣٩٥ هـ]- أبو بكر محمد الهاشمي [ت ١٤٢٩ هـ]
Maison d'édition
دار الكتب العلمية
Édition
الأولى
Année de publication
١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م
Lieu d'édition
بيروت - لبنان
شرح أدب القاضي
تأليف
الإمام أبي بكر أحمد بن عمر الخصاف
شرحه
الإمام عمر بن عبد العزيز المعروف بـ «الحسام الشهيد»
حقق أصوله
الشيخ أبو الوفاء الأفغاني والشيخ أبو بكر محمد الهاشمي
1 / 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (^١)
وبه التوفيق والمستعان رب يسّر يا كريم (^١) الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الشيخ الإِمام الأجل الأستاذ حسام الدين شمس الإِسلام والمسلمين برهان الأئمّة في العالمين أبو المعالي عمر ابن الشيخ الأجل شمس الأئمة عبد العزيز ﵀: أما بعد، فقد طلب مني بعض أصحابنا أن أذكر بكل مسألة من مسائل كتاب "أدب القاضي" الذي جمعه القاضي الأجل الإِمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن نهير الخصاف ﵀ نكتة وجيزة قدر ما يحتاج الناظر إليها للتفهم فأجبتهم إلى ذلك مستعينًا بالله تعالى، وعددت أبوابه فكانت مائة وعشرين بابًا لاندراج بعض الأبواب في بعض، وفصلته في ابتدائه كيلا يتعذر على من يروم منه مسألة وبالله التوفيق (^٢) يحتاج لمعرفة كتاب "أدب القاضي" إلى معرفة تفسير القضاء لغة وشريعة ومعرفة أهله، و[إلى معرفة] (^٣) من يجوز تقلد القضاء منه [ومن لا يجوز] (^٤) وصفة الدخول فيه.
أما تفسيره لغة فقد يعبّر به عن أشياء: منها الإلزام (^٥) ولذلك سمي الحاكم قاضيًا لأنه يلزم المحكوم عليه، ومنها التقدير (^٦) يقال "قضى عليه بالنفقة" أي قدرها، ومنها الأمر قال
(^١) بين الرقمين (١ - ١) من الأصل المدني، وفي الأصفية "وما توفيقي إلّا بالله" وفي السعيدية "وبه ثقتي رب يسر وأعن برحمتك".
(^٢) ثم عد الأبواب كلها راجع الفهرس.
(^٣) بين المربعين من س، وكان في ص، مكانه "قال الشيخ الإِمام شمس الأئمة إمام الحرمين أبو المفاخر عمر عمّره الله في عز مشرقة أنواره ومجد مغدقة أفكاره اعلم أنه يحتاج .. إلخ".
(^٤) زيادة من س.
(^٥) في س "وإلى معرفة جواز الدخول في القضاء، أما تفسير القضاء لغة فالقضاء لغة يعبر عن أشياء عن اللزوم".
(^٦) وفي س "وعن التقدير" وكذا "من الأمر" الآتي.
1 / 3
الله ﷿ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (^١) أي أمر وهو في عرف لسان الشرع عبارة عن فصل الخصومات وقطع المنازعات.
وأما معرفة أهله فلا ينبغي لأحد أن يتقلّد القضاء ولا لغيره أن يقلده ما لم يكن عالمًا بالكتاب والسنّة واجتهاد الرأي، بين ذلك بالسنّة والمعقول.
أما السنّة فحديث مُعاذ ﵁ حين وجَّهه رسول الله ﷺ (^٢) إلى اليمن قاضيًا قال له: بم تحكم يا معاذ؟ قال بكتاب الله! قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنّة رسول الله! قال: فإن لم تجد؟ قال أجتهد فيه رأيي! فقال ﵊: الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِه لما يرضى به رسوله (^٣).
وأما المعقول فلأنه مأمور بالقضاء بالحق والحكم بالمنَزَّل.
قال الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (^٤).
وقال عز من قائل ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (^٥) ولا يتهيّأ له ذلك ما لم يكن عالمًا بما ذكرنا.
أما اجتهاد الرأي فلأن الحوادث ممدودة والنصوص معدودة فلا تجد (^٦) في كل حادثة نصًا يفصل به الحكم (^٧) فيحتاج إلى استخراج المعنى من المنصوص عليه ليثبت مثل حكمه في غير المنصوص عليه.
أما الكتاب والسنة فلأن اجتهاد الرأي إنما يكون حجة متى لم يخالف أحدهما، ولن يعلم أنه لم يخالف أحدهما ما لم يكن عالمًا بهما، فصار العلم بالجملة شرطًا ليمكنه القيام بالمأمور به (^٨) وقد شرط الخصاف (^٩) ﵀ شرطًا آخر وهو العدالة (^١٠) وهو قول
(^١) آية رقم ٢٣ من سورة الإسراء.
(^٢) وفي س "ثبت ذلك بالنص والمعقول، أما النص فما روي عن رسول الله ﷺ أنه لما بعث معاذًا".
(^٣) رواه الشيخان.
(^٤) آية رقم ٣٦ من سورة ص.
(^٥) آية رقم ٤٩ من سورة المائدة.
(^٦) وفي س "فلا يجد القاضي".
(^٧) وفي س "يفصل به الخصومة".
(^٨) وفي س "وإنما يمكنه ذلك إذا كان عالمًا بالاجتهاد، ثم الاجتهاد إنما يكون حجة إذا لم يكن مخالفًا للكتاب والسنة، وإنما يمكنه أن يعرف أنه لم يخالف الكتاب والسنة إذا كان عالمًا بالكتاب والسنة، فصار العلم بهذه الجملة شرطًا".
(^٩) وكان في ص - م "الجصاص" اشتبه على الكاتب.
(^١٠) وفي س "وذكر الخصاف شرطًا آخر وهو أن يكون عدلًا".
1 / 4
الشافعي ﵀، لكنه من الشافعي شرط لازم كاشتراطه العدالة في الشاهد حتى قال: لا يجوز تقليد غير العدل ولو قلّد لا يصير قاضيًا ولو قضى لا ينفذ قضاؤه؛ وهو من الخصاف محمول على الأولى، كما في الشهادة الأولى أن يكون عدلًا على أصول أصحابنا، فإن قضى القاضي بشهادة الفاسق نفذ القضاء وكذا القاضي نفسه (^١).
وأما بيان من يجوز تقلّد القضاء منه فلا بأس بذلك من جهة الإِمام عادلًا كان أو جائرًا، أما العادل فلأن رسول الله ﷺ بعث معاذًا ﵁ إلى اليمن قاضيًا، وولى عتاب بن أسيد ﵁ على مكة أميرًا وأما الجائر فلأن كبار الصحابة تقلدوا الأعمال من معاوية ﵁ بعد إظهاره الخلاف على علي ﵁ وكان الحق مع علي ﵁ في نوبته. لكن إنما يجوز ذلك إذا كان يمكنه من القضاء بحق، أما إذا كان لا يمكنه فلا، لما روي عن الحكم بن عمرو الغفاري ﵁ أنه تقلّد القضاء من معاوية ﵁ فأتاه كتاب معاوية وكان فيه "إن أمير المؤمنين يأمرك أن تصطفي له الصفراء والبيضاء" فقال الحكم سبق كتابُ الله كتابَ معاوية، وتلا قوله ﷿ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ ثم صعد المنبر وقال: أيها الناس أتاني كتاب أمير المؤمنين يأمرني أن أصطفي له الصفراء والبيضاء وأن كتاب الله ﷿ سبق كتاب معاوية ألا وإني قاسم ما أفاء الله عليكم بينكم فليقم كل واحد منكم فليأخذ حقه؛ ثم قال: اللهم. اقبضني إليك! فما عاش إلا قليلًا.
أما الكلام في صفة الدخول في القضاء قال بعضهم: لا بأس به عن اختيار لأن الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم والخلفاء الراشدين ﵃ فعلوا ذلك ولأنّه نيابة عن الأئمة الراشدين في إيفاء الحق وإقامة الحدود وكف الظالم، فجاز الدخول فيه مطلقًا. وقال بعضهم: لا يجوز الدخول فيه إلَّا عن كره، ولهذا دعي أبو حنيفة ﵁ إلى القضاء فلم يجب حتى ضُرب ثلاث مرات في كل مرة (^٢) ثلاثين سوطًا فقال في الثالثة:
(^١) والعبارة في س من قوله "وهو قول الشافعي" إلى هنا هكذا: "وهو مذهب الشافعي إلَّا أن الشافعي شرط العدالة أن تكون شرطًا لازمًا حتى لو تقلّد القضاء وهو غير عدل لا يصير قاضيًا ولو قضى لا ينفذ قضاؤه، وجعل الخصاف العدالة شرط الأولوية، فإن الأولى أن يكون القاضي عدلًا كما أن الأولى أن القاضي لا يقضي بشهادة الفاسق ومع هذا إذا قضى بشهادة الفاسق ينفذ قضاؤه وكذلك هاهنا الأولى أن لا يتقلد الفاسق القضاء ومع هذا إذا تقلّد يصير قاضيًا، ولو قضى ينفذ قضاؤه".
(^٢) وفي س العبارة من قوله: أما الكلام في صفة الدخول .. إلخ، هكذا: "وأما جواز الدخول في القضاء اختلفوا فيه، منهم من قال: يجوز الدخول فيه مختارًا، لأن الأنبياء والرسل والخلفاء الراشدين اشتغلوا به، ولأن هذا نيابة عن الخلفاء الراشدين وإقامة حدود الله تعالى، فيجوز الدخول فيه مختارًا، ومنهم من قال: لا يجوز =
1 / 5
حتى أستشير أصحابي (^١)! فاستشار أبا يوسف، فقال: لو تقلّدت لنفعت الناس! فنظر إليه شبه المغضب (^٢) وقال: أرأيت لو أُمرت أن أعبر البحرَ سباحةً أكنت أقدر عليه! وكأني بك قاضيًا. وكذا محمَّد ﵀ عرض عليه القضاء (^٣) فأبى حتى حبس وقيد فاضطر فتقلد حينئذٍ.
قال ﵀: والحاصل (^٤) أن الدخول في القضاء عن اختيار رخصة، والامتناعَ عزيمة، أما الدخول رخصة لما تقدم (^٥) والامتناع عزيمة لوجهين: أحدهما أنه مأمور بالقضاء بالحق وقد يظن أنه يقضي بحق ولا يتهيأ له ذلك (^٦) والثاني أنه لا يقدر على القضاء إلَّا بمن يعينه وقد يجد من يعينه وقد لا يجد فكان الامتناع هو العزيمة والدخول رخصة هو المختار في هذا الباب والله أعلم بالصواب (^٧).
باب الدخول (^٨) في القضاء
افتتح صاحب الكتاب بحديث عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ (^٩) "يجاء بالقاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يودّ أنه لم يكن قضى بين اثنين" ورد الحديث (^١٠) للتحذير عن طلب القضاء والدخول فيه، فإنّ الحديث ورد في حق العدل، فما ظنك بغير العدل (^١١)! وشدة الحساب تشمل كل القضاة إلَّا أن الله ﷿ ينجي العادل بعدله ويبقى الجائر في وبال ما صنع (^١٢).
= الدخول فيه إلَّا مكرهًا، ألا ترى أن أبا حنيفة ﵁ دُعي إلى القضاء ثلاث مرات فأبى حتى ضرب في كل مرة .. إلخ".
(^١) وفي س "فلما كان في المرة الثالثة قال: حتى أستشير أصحابي".
(^٢) وفي س "نظر المغضب".
(^٣) وفي س "وكذا دعي محمَّد إلى القضاء".
(^٤) وفي س "والصحيح".
(^٥) وفي س "فلما قلنا".
(^٦) وفي س "وعسى يظن في الابتداء أنه يقضي بحق ثم لا يقضي في الانتهاء".
(^٧) وفي س "والثاني أنه لا يمكنه القضاء إلا بمعاونة غيره، وعسى يعينه غيره وعسى لا يعينه، وإذا عرفنا هذه المقدمات جئنا إلى ما افتتح صاحب الكتاب به الكتاب".
(^٨) وفي س "باب ما جاء في الدخول".
(^٩) وفي س "أنها قالت يجاء - الحديث" وليس فيها الرفع.
(^١٠) وفي س "أورد هذا الحديث".
(^١١) وفي س "بالجائر".
(^١٢) وفي س "فكان شدة الحساب والعقاب يعم جميع القضاة إلَّا أن العادل ينجيه الله تعالى بعدله والجائر يبقى في وبال ما فعل".
1 / 6
ثم ذكر بعد هذا (عن صعصعة بن صوحان قال: خطبنا علي ﵁ بذي قارٍ على ظربٍ وعليه عمامة سوداء) وذي قار اسم موضع بقرب مكة، "وظِرب" مكسورة الراء تل، وكان من عادة العرب اختيار التلال والجبال للخطبة ليكون أبلغ (^١) في الإسماع ولذا تحدث في زماننا المنابر (^٢)، وتعمم بعمامة سوداء اقتداء برسول الله ﷺ، فإنه يوم فتح مكة تعمّم بعمامة سوداء (^٣) وعصب عليها عصابة حمراء عاد الحديث (فقال: سمعت (^٤) رسول الله ﷺ يقول "ليس من وال ولا قاض إلَّا يؤتى (^٥) به يوم القيامة حتى يوقف بين يدي الله ﷿ على الصراط ثم تنشر الملائكة سيرته) [أي صحيفة عمله مع رعيته ومع من تحت يديه أعدل أم جائر] (^٦) (فتقرأها على رؤوس الخلائق) [يعني بين الأشهاد كما قال الله تعالى ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (^٧)] (^٦) (فإن كان عدلًا نجاه الله ﷿ بعدله، وإن كان غير ذلك انتفض به الصراط انتفاضة صار بين كل عضوين من أعضائه مسيرة مئة سنة، ثم ينخرق به الصراط) [أي ينشق، وفي رواية: ينحرف الصراط، أي يميل، والأول أصح] (^٦) (فما يتلقى قعر جهنم إلَّا بوجهه وحد جبينه) تكلموا في قوله "يصير بين كل عضوين من أعضائه" من وجهين: قال بعضهم: يعظم أعضاؤه ويغلظ أجزاؤه، فلذلك تبعد مسافة ما بين الأعضاء كما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال "غلظ جلد الكافر في النار أربعون ذراعًا" وقال ﵊ "عظم ضرس الكافر في النار مثل أحُد" والمقصود أن يذوق من العذاب بحسبه، وقال بعضهم بل تتفرق أعضاؤه ويتقطع أجزاؤه. وتكلموا في قوله إلَّا بوجهه قال بعضهم (^٨): أول ما يعذب منه الوجه لأنه اختار القضاء بالجور للوجاهة في الدنيا فكان المختار للبداية في العذاب الوجه، وقال بعضهم: بل يلقى منكوسًا في جهنم ليكون في الدرك الأسفل من النار منها محل المنافقين لأنّ صنيعه شابهَ صنيعهم فإنه كان مظهرًا أنه يقضي بالعدل وهو جائر في الباطن؛ ورد هذا الحديث أيضًا للتحذير (^٩) عن طلب القضاء.
ثم ذكر (عن سفيان بن عيينة عن مجالد بن سعيد عن مسروق قال: "ما من حكم
(^١) وفي س "أشهر وأبلغ".
(^٢) كذا في الأصلين، وفي س "ولهذا جرت العادة باتخاذ المنابر".
(^٣) وفي س "فإنّ النبي ﷺ كان على رأسه يوم فتح مكة عمامة سوداء".
(^٤) وفي س "ثم قال أيها الناس إني سمعت".
(^٥) وفي س "إنه ليس من وال ولا قاض إلَّا ويؤتى".
(^٦) زيادة من س.
(^٧) آية رقم ٥١ من سورة غافر.
(^٨) وفي س "وتكلّموا في معناه على وجهين منهم من قال".
(^٩) وفي س "وفائدة الحديث التحذير".
1 / 7
يحكم بين اثنين) (^١) وفي رواية ما من حاكم (إلا جيء به يوم القيامة وملك آخذ بهذه منه) وأشار سفيان بيده إلى قفاه (ينظر إلى الله ﷿ فإن أمره أن يلقيه ألقاه في مهواة سبعين خريفًا") أفاد الحديث دخول الحكم في وعيد القضاة (^٢)، وتكلّموا في معنى قوله "ينظر إلى الله ﷿" والنظر مضاف إلى الملك، قال: بعضهم: أي ينتظر أمر الله ﷿ أنه بماذا يأمره ليمتثل، وقال بعضهم: بل المراد النظر الذي هو رؤية العين (^٣)، وقد تكلّم الناس في الرؤية أنها تكون لبني آدم [دون الملائكة] (^٤) أم لهم وللملائكة، وترك الخوض فيه أحوط والإعراض عنه أسلم؛ وقوله "سبعين خريفًا" لم يرد به حقيقة السبعين بل هو عبارة عن طول المدة في الجملة، فإنّ عادة العرب أنهم إذا أرادوا المبالغة في التكثير والتطويل أتوا بلفظ السبعين والأربعين، ذلك معروف بينهم، فكان هو المراد فيما روينا - والله أعلم.
ثم ذكر بعد هذا (عن مسروق أنه قال: لأن أقضي يومًا واحدًا بحق وعدل أحب إليّ من سنة أغزوها في سبيل الله) وكان مسروق (^٥) ابتلي بالقضاء فذكر محاسنه، كما هو العادة المستمرة أن من ابتلي بشيء يذكر محاسنه، وإنما قال ذلك لأن الجهاد أمر بالمعروف، وفي القضاء ذلك وإيصال الحق (^٦) إلى مستحقه ونصرة المظلوم وغير ذلك فكان نفعه أعم (^٧) من نفع الجهاد، وبقدر النفع تثبت الأفضلية.
ثم ذكر حديث (أبي هريرة ﵁ (^٨) قال: قال رسول الله ﷺ: "من جعل على القضاء فكأنما ذبح بغير سكين [وفي رواية من قلّد القضاء فكأنما ذبح بغير سكين]) (^٩) ورد
(^١) وفي س "بين الناس".
(^٢) وفي س "فهذا الحديث كالمرفوع إلى رسول الله ﷺ، لأنّ الوعيد في الآخرة لا يعرف بالرأي، إنما يعرف بالسماع من رسول الله ﷺ فصار كالمرفوع إلى رسول الله ﷺ، ففي الحديث دليل على أن الوعيد المذكور للقضاة يتناول الحكم أيضًا، وفائدة الحديثِ التحذيرُ عن طلب القضاء، فإنّه أشد ما يكون من الاستخفاف أن يكون غيره آخذ القضاء.
(^٣) وفي س "بعد قوله "إلى الله ﷿: من وجهين، منهم من يقول: لم يرد به حقيقة النظر وإنما أراد به أن ينظر أمر الله تعالى ليمتثل أمره، ومنهم من يقول: أراد به حقيقة النظر وهي الرؤية".
(^٤) زيادة من س.
(^٥) وكان في الأصلين "كان مسروقًا"؛ وفي س "ذكر مسروق محاسن القضاء لأنه ابتلى به، ومن ابتلى بشيء يذكر محاسن ذلك الشيء، هذا هو العادة، وإنما .. إلخ".
(^٦) وفي س "وإظهار الحق".
(^٧) أيد في س "وما يكون أعم نفعًا كان أفضل - إلخ".
(^٨) كان في الأصلين "ابن حمزة" والصواب ما في س "ذكر عن أبي هريرة".
(^٩) زيادة من س.
1 / 8
الحديث محذرًا عن الدخول في القضاء، لأن الذبح بغير السكين أشد، ولأنّ الذبح بغير السكين لا يؤثر في الظاهر ويؤثّر في الباطن نحو الخنق والقتل بالحزن والغم، وكذا القضاء لا يؤثر في الظاهر هلاكًا فإنّه جاه (^١) في الظاهر ويؤثر في الباطن لأنه هلاك في الباطن أعني به القضاء بغير حق.
ثم ذكر عن (الحارث النضري (^٢) قال: كانت بنو إسرائيل إذا استقضي الرجل منهم أويس (^٣) له من النبوة) ورد الحديث أيضًا للتحذير لأن وقوع اليأس عن النبوة التي عظمت درجتها وعلت رتبتها مسقطة، وهذا لأنّ الواحد من بني إسرائيل كان إذا فرغ نفسه للعبادة ستين سنة (^٤) نبّئ ويوحى إليه فعظم شأنه، فمتى اشتغل بالقضاء انقطع الطمع فيه (^٤).
ثم ذكر حديث (أبي قلابة أنه دُعي إلى القضاء فهرب حتى أتى الشام، فوافق ذلك عزل صاحبها، فهرب حتى أتى اليمامة وقال: ما وجدت مثل القاضي إلَّا كمثل سابح في بحرٍ فكم عسى أن يسبح حتى يغرق) [وهذ لأنّ الغالب من حال السابح في البحر الهلاك والنجاة نادر، فكذا الغالب من حال الداخل في القضاء الهلاك، والنجاة نادر] (^٥) وكان هذا بلغ أبا حنيفة ﵁ حين قال (^٦) لأبي يوسف: أرأيت لو أمرتُ أن أعبر البحر سباحة أكنت أقدر عليه [وفائدة الحديث ما قلنا] (^٥).
ثم ذكر (عن الحكم بن أيوب أنه كتب في نفر يستعملهم على القضاء، فقال أبو الشعثاء جابر بن زيد بن عمر (^٧): إن الحكم بن أيوب قد كتب يذكرني في هؤلاء وما أملك (^٨) من الدنيا إلَّا حماري هذا ولو أرسل إليّ لركبته وهربت في الأرض) وفائدته أنه لا ينبغي للمرء أن يدخل في القضاء مختارًا.
ثم ذكر (عن شريح أنه قال إنما القضاء جَمْر (^٩)، فادفع الجمر (^٩) عنك بعودين يعني بشاهدين) وإنما قال ذلك لأن الخصمين متى جثيا بين يدي القاضى توجه الاحتراق عليه لأنه
(^١) وفي س "حياة".
(^٢) كذا في الأصلين، وفي س "البصري" والله أعلم من هو.
(^٣) كذا في الأصول وهو "أيس" بناء للمفعول من الناس، فالواو في الكتابة زائدة.
(^٤) مكان ما بين الرقمين في س "يرجى له النبوّة فإذا اشتغل بالقضاء انقطع طمعه فيها".
(^٥) بين المربعين زيادة من س.
(^٦) وفي س "فكان حديث أبي قلابة بلغ إلى أبي حنيفة حتى قال - إلخ".
(^٧) وفي س "عمرو".
(^٨) وفي س "ولا أملك".
(^٩) وفي س "جمرة" في الموضعين.
1 / 9
لا يعرف حقيقة الحال، فإن قضى بشهادة شاهدين دفع الاحتراق عن نفسه وإن خالف احترق في نفسه.
ثم ذكر حديث (أبي هريرة ﵁ (^١) والله لَيَرْمين الله القضاة يوم القيامة بشررٍ أعظم من هضاب حِسْمَى) "والشرر" هي النار قال الله تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾ والمراد به النار، و"حسمى" اسم موضع، "والهضاب" تلال، جمع هضبة وهو اسم جبال صغار في حسمى وقيل "حِسمى" على ميزان "كسرى" وهو اسم جبل عظيم وهذا وإن قيل في تأويله أن المراد منه الجائر، لكنه بظاهره يتناول الكل (^٢).
ثم ذكر عن (عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال: ويل لديان أهل الأرض من ديان أهل السماء يوم يلقونه، إلَّا من أمَّ العدل وقضى بالحق ولم يقض لهوىً ولا لقرابة ولا لرهبة ولا لرغبة، وجعل [كتاب الله تعالى مرآة بين عينيه) والمراد من] (^٣) الديان الحاكم، ولهذا كان من صفات الله ﷿ (^٤) فكأنه يقول: ويل لحاكم أهل الأرض من الله ﷿ وهو القادر الديان على التمام. وقوله: "إلَّا من أمَّ العدل" أي قصده وقضى بالحق، قال (^٥) "وجعل كتاب الله ﷿ مرآة بين عينيه".
ثم ذكر (عن عمران بن حصين ﵁ أنه قضى على رجل بقضية، فقال: والله! لقد قضيت علي بجور وما آلوت فيه) يعني ما قصرت قال الله تعالى ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ يعني لا يقصرون في إفساد أموركم) فقال وكيف ذلك؟ قال: شهد علي بزور فقال عمران: ما قضيت عليك فهو من مالي، ووالله لا أجلس مجلسي هذا أبدًا) وإنما ضمن ذلك الملك على طريق التبرع لأنه لم يكن واجبًا عليه، وإنما قال "لا أجلس مجلسي هذا أبدًا" لأن القاضي إنما يعتمد على قول الشاهد ويبالغ في التأمل ليخلص عن ورطة الوبال ثم قد يقع مثل (^٦) هذا الحادثة فكان الأحوط الامتناع أصلًا (^٧) والله أعلم بالصواب.
(^١) وفي س "وذكر عن سيمان بن جنيد قال حدثني من سمع أبا هريرة ﵁ يقول: والله - إلخ".
(^٢) وفي س "لكن بظاهره يتناول القضاة العادل والجائر جميعًا، وفائدة الحديث ما قلنا".
(^٣) بين المربعين زيادة من س.
(^٤) وفي س "والمراد من ديان أهل الأرض: الحاكم، ومن ديان أهل السماء: هو الله تعالى".
(^٥) زيد في الأصلين "من الحديث" وليس الزيادة في س.
(^٦) كذا في الأصول، "في مثل".
(^٧) وفي س "فالصواب هو الامتناع".
1 / 10
باب الإكراه على القضاء
ذكر (عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من سأل القضاء وُكِّل إلى نفسه، ومن أُجبر عليه نزل عليه ملك فيسدده").
ثم ذكر (عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: من طلب القضاء وطلب عليه الشفعاء وكل إليه (^١) ومن أكره على القضاء وكل به ملك يسدده) قيل: إنما كان كذلك (^٢) لأنه متى طلب وسأل (^٣) فقد اعتمد على فقهه وورعه وذكائه، فصار معجبًا بنفسه (^٤) فَحُرم عن التوفيق وسلب التسديد، ومتى أجبر عليه فقد اعتمد على الله ﷿ فألهمه الله الصواب وسدده للرشاد، قال الله ﷿ ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (^٥). وقوله "ملك يسدده" أي يهديه للصواب ويرشده للحق، قال رسول الله ﷺ إن الملك لينطق على لسان عمر أي يرشده ويسدده والله أعلم بالصواب.
باب الرخصة في القضاء
ذكر صاحب الكتاب (عن الحسن كان يقال "لأجر حكم عدل يومًا واحدًا أفضل من أجر رجل يصلي في بيته سبعين سنة أو قال: ستين سنة") وكان من عادة الحسن أنه إذا روى عن واحد يقول "حدثني" وإذا روى عن جماعة يقول "كان يقال" ويكون ذلك رواية عن جماعة، قيل إن الحسن ابتلي بالقضاء، ومن ابتلي بشيء يذكر محاسنه، وإنما قال ذلك لما ذكرنا أنه كان بنو إسرائيل متى فرغ الرجل منهم نفسه للعبادة ستين سنة يرجى له النبوة ويعظم شأنه، وفي زماننا وقع اليأس عن النبوة فجعل الرسول ﵊ فضيلة القضاء بحق وعدلٍ مواز بالعبادة ستين سنة، بل أفضل لما ذكرنا عن الحسن ولما ذكرنا أن القضاء بحق أفضل من الجهاد والجهاد أفضل من التخلي لنقل العبادة، فما كان مقدمًا على الجهاد يكون أفضل بطريق الأولى (^٦).
(^١) وفي س "وكل إلى نفسه".
(^٢) و(^٣) وفي س "لأن من سأل القضاء".
(^٤) وفي س بعد قوله "بنفسه" إلى آخر الباب العبارة هكذا: "فلا يلهم الرشد ويحرم التوفيق، فمحال أن يشتغل المرء بالتماس ما لو ناله وكل إلى نفسه، وأما من أكره على القضاء فقد اعتصم بحبل الله تعالى وتوكل على الله تعالى، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. فيلهم الرشد ويوفق للصواب، كما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: إن الملك لينطق على لسان عمر - يعني يوفقه للصواب".
(^٥) آية رقم ٣ من سورة الطلاق.
(^٦) كذا في ص ٢ م ٢. والصواب "بالطريق الأولى". وفي س "ولأن قد ذكرنا من قبل أن القضاء يحق أفضل من الجهاد في سبيل الله تعالى، والجهاد في سبيل الله أفضل من التخلّي لنفل العبادة، فلأن يكون القضاء يحق أفضل للتخلي لنفل العبادة أولى".
1 / 11