L'Arbre de la lumière pure dans les couches des Malikites

شجرة النور الزكية في طبقات المالكية

Enquêteur

علق عليه: عبد المجيد خيالي

Maison d'édition

دار الكتب العلمية

Édition

1

Année de publication

1424 هـ - 2003 م

Lieu d'édition

لبنان

خطبة الكتاب

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وسلم

الحمد لله الذي أنزل القرآن وهدى من أحب لاجتناء أزهاره، واقتباس أنواره، والأخذ بأوامره ونواهيه ووعده ووعيده وأخباره، واختار منهم خزنة لأسراره. وأرشدهم لإبراز رموزه، واستنباط كنوزه. ورفع مقام العلم وأهله، ووصل بسببه انقطاعهم بحبله، وأنعم عليهم سوابغ نعمه بفضله، وأكمل دينه وجمع مفترق شمله. وجعل الإسناد من الدين، وأبقاه متصلا بينهم أبد الآبدين. حفظا للدين من الشك والوهم، وصونا له من التبديل والتغيير ومحو الرسم.

والصلاة والسلام على سيدنا محمد صاحب الشريعة المطهرة، والسنة الواضحة النيرة، المخصوص بجوامع الكلم، وبدائع الحكم، ومكارم الأخلاق ومعالي الهمم. والتشريف والتكريم، والإجلال والتعظيم، والآيات والذكر الحكيم. وتلقي الوحي والتنزيل، من الروح الأمين جبريل. فبلغ ذلك ونهى وأمر، وأنذر وبشر، وضرب الأمثال وذكر. وعلى آله وأصحابه الذين عزروه ووقروه ووفوا بالعهود ونصروه، ونقلوا شرعه العزيز وآثروه. وعلى خلفائه الراشدين المرشدين أئمة الهدى، والتالين له في شرف ذلك المدى، والقائمين بأعباء أمره الموعود أنه يبقى أبدا، وعلى التابعين وتابعهيم نجوم الاهتداء، والسنة في الاقتداء، وسائر حملة الشريعة وحماة الدين القويم، عن الزيغ وتحريفاته، وهداة الخلق إلى الصراط المستقيم، بإيضاح كلياته وجزئياته، صلاة وسلاما دائمين متلازمين بدوام نعم الله تعالى على خواصه وأهل طاعاته.

أما بعد فيقول راقم هاته الحروف، الواجل من اليوم المخوف، عبده محمد بن محمد مخلوف: قد اغتنى العلماء بالتاريخ قديما وحديثا، وسعوا في ذلك سعيا حثيثا. فألفوا التآليف البارعة، في أغراض متفاوتة مفيدة نافعة. فمنهم من ألف في الرواة والمحدثين، والفقهاء والمفسرين والمتكلمين، والأدباء والشعراء والنحاة

Page 9

<div dir="rtl" id="book-container">

واللغويين، والعلماء والخلفاء والملوك والسلاطين، وأتى على تراجمهم من دون تمييز ولا تفريق، ومنهم من أتى على فريق دون فريق، وبين مراده، فيما أراده. وممن سلك هذا الطريق العالم الشهير الذكر، الجليل القدر، أبو الفضل القاضي عياض فألف المدارك، في طبقات أعيان الأئمة الآخذين بمذهب مالك، وتبعه العلامة الحامل لواء المعارف والفنون، برهان الدين بن فرحون، فألف الديباج، وذيله العالم العامل أبو العباس أحمد بابا بنيل الابتهاج ، فرغ منه سنة خمس بعد المائة العاشرة، وجاء بعده إلى هذا العهد أئمة لهم في العلم منزلة ظاهرة، ومزايا فاخرة. ومعلوم أنه لم يزل في كل عصر من حملة هذا الدين بدر طالع، وزهر غصن يانع، وعلم ترنو إليه الأبصار وتشير إليه الأصابع، ولم نجد من تعرض لجمعهم بحال، ونسج فضائلهم على ذلك المنوال. وقد اختلج ما يأتي ذكره في صدري، وعالجه فكري، حتى صرت أقدم رجلا وأؤخر أخرى، وأجري شوطا ثم أرجع القهقرى. فتوجهت إلى الله تعالى واستخرته، وسألته إبراز ما اختلج في صدري واستعنته. وبعد ذلك انشرح صدري لتأليف تذييل مفيد مبين، وتكميل مستحسن معين. جامع لكثير من أئمة السلف، المترجم لهم قبل الخمس سنين بعد الألف، مع كونه صلة، إلى علماء العصر وشيوخنا الجلة، به كثير من أعيان علماء الدين والملة، مرتب على طبقات متصلة بمن ختم الله به النبوة والرسالة المنتخب من خير عنصر وأطيب سلالة، مقتصرا على ما هو أولى، والحمد لله على ما أولى، جائحا للاختصار، تاركا التطويل والإكثار، بعد التثبت والتحري فيه، حسبما وصلت القدرة إليه، ولم آل جهدا في تحرير اسم المترجم له وعمن أخذ فنون علمه، وما له في التآليف التي هي من محاسن نثره وبديع نظمه، مع ذكر محاسن الصفات، وإثبات المواليد والوفيات، ومكثت أعواما كثيرة أبحث عن ذلك جهدي، وكلما عثرت على ترجمة عالم قيدتها في ورقات عندي. ولم أدع كتابا وقفت عليه إلا وعيته نظرا، وتحققته معتبرا أو مختبرا، وترددت في تفهمه وردا وصدرا، وعكفت عليه بسيطا كان أو مختصرا. واقتطفت منه ما لا بد منه، ولا مندوحة للإعراض عنه. فاجتمع من ذلك أعلاق جمة، وتراجم كثير من الأئمة، وأنا في ذلك ألتمس مزيدا، ولا أسأم بحثا وتقييدا، فحصل بذلك الغاية المطلوبة، والبغية المرغوبة. ومع ذلك بقي بعض تحريرات إلى هذا الأوان مطوية عني محجوبة، حيث لم أجد عندي ولدي، ولا أرى من خلفي وبين يدي، كتبا في الغرض أراجعها في المشتبهات، وأقتطف منها تراجم من لم يقع العثور عليه من العلماء الثقات. ثم جمعت تلك الأعلاق ورتبتها، على نحو ما انشرح إليه صدري وهذبتها، مقتطفة من تآليف نفيسة مهمة، مشار لها

Page 10

<div dir="rtl" id="book-container">

في آخر التتمة، سالكا في ترتيب ذلك أقرب الطرق والمسالك، ذاكرا علماء كل طبقة على نسق من كل مملكة من المالك، مرتبا ذلك فريقا بعد فريق، والله ولي الإعانة والتوفيق، مبتدئا بنبي الرحمة، وينبوع كل فضيلة وحكمة، سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وشرف وكرم، ثم بسادات من الصحابة الأعلام، ثم بأئمة من التابعين الكرام، ثم بأربعين حديثا ثنائيات، مروية في الموطأ عن أولئك السادات، ثم بمالك إمام دار الهجرة طابه، خير من أم المطي رحابه، ثم بطبقات الأئمة الأعيان، طبقة بعد طبقة إلى هذا الزمان، والراوي إما أن يكون في الطبقة التي شيخه فيها، أو في الطبقة التي تليها، فارتباط الرواة في كل طبقتين، كارتباط القمرين النيرين.

ورتبته على مقدمة فيها سبع فرائد اشتملت على كثير من الجواهر الثمينة والفوائد. ومقصد به سبع وعشرون طبقة ترتيبها على نحو ما أشرت إليه، وعولت في تهذيبها عليه. وختمته بخاتمة قيمة في تاريخ فنون السنة، وأسأله التوفيق لما أمر به وسنه. وتتمة في طبقات أمراء إفريقية، هي في الحقيقة خلاصة نقية، اشتملت على فوائد تاريخية، وتنبيهات لها أهمية. غاية في التحرير، والتقرير والتحبير، جديرة بالاعتبار، عند ذوي الأنظار، وعلى خلاصة الأدوار والأطوار، التي حصلت لدول إفريقية وما لها من الآثار. وخاتمة في خصوص الكلام على المنستير، وهو مسقط رأس العبد الفقير، ومنبت غرسه، ومجمع أهله وأنسه. ثم لخصت المقصد في صورة شجرة، بعبارات وجيزة محررة، أغصانها بالدر يانعة، وثمراتها طيبة نافعة، وأنوارها ساطعة لامعة، روضها كله زهر، وسلكها كله درر، شجرة تقتبس أنوارها، وتجتنى ثمارها وأزهارها، لم تزل من البركة والسمو في النماء، أصلها ثابت وفرعها في السماء، طابت أصلا، وزكت فرعا وفصلا، وسميته (شجرة النور الزكية، في طبقات المالكية) والباعث على تلخيصه على نحو ما ذكرناه، والنمط الذي اخترناه، هو التوصل بسهولة للأسانيد عند المطالعة، وليكون المطالع على يقين بعد المراجعة. فجاء تأليفا جامعا لما انتشر، وموضوعا بارعا ناظما لما انتثر، على أسلوب غريب، ومنزع عجيب، راق مجتلاه ومجتناه، في الحسن والإحسان لفظه ومعناه، وعلم الشريعة كما هو معلوم على طبقات، ولأصحابه فيما بينهم درجات، والمترجم لهم هم سادات السادات، سباقو غايات، وأساطين روايات، وأئمة في العلوم والمعارف، والرقائق والمواعظ واللطائف، فمنهم الخلفاء، والملوك والأمراء. ومنهم قضاة العدل، والقراء والمحدثون المشهود لهم بالعلم والعمل والفضل، ومنهم الفقهاء المعتكفون على مطالعة المسائل، واعمال النظر لتحريرها بأكمل الوسائل، والتقاط المسائل من الدلائل. فمنهم من أصل وفرع، ومنهم من

Page 11

<div dir="rtl" id="book-container">

جمع وصنف فأبدع. ومنهم من هذب فحرر وأجاد، وحقق المباحث فوق ما يراد. وأذاق حلاوة الشريعة لذوي الألباب، وفتح للحرج المدفوع أحسن باب. بسياسة شرعية، أساسها المصلحة المرعية. وما ذكرناه عنوان، عما لهم من المزية وعلو الشأن. ولا نسبة بينه وبين ما يجهل، وأقل من معشار ما عنه يغفل. فبحار المدارك مسجورة، وغايات الإحسان عن الإنسان مهجورة، مع قلة البضاعة، والتطفل على هذه الصناعة، فالحمد لله الذي يسر هذا القدر، مع تكدر منهج الصدر، وشواغل القضاء عائقة، وأحوال عن مثل هذا متضائقة، ورحم الله القائل:

طبعت على كدر وأنت تريدها ... صفوا من الأسواء والأكدار

ومكلف الأيام ضد طباعها

....

متطلب في الماء جذوة نار

ورحم الله القائل:

من رام في الدنيا حياة خلية ... من الهم والأكدار رام محالا

وهاتيك دعوى قد تركت دليلها ... على كل أبناء الزمان محالا

وقد قيل: من صنف قد استهدف. وعليه فالمرجو ممن وقف عليه وسرح ألحاظه، أن يسامح نسيجه ولا ينتقد ألفاظه، وأن يصلح ما يجد من الخلل. وأسأل الله التوفيق لإخلاص النية في القول والعمل، وأن يجعله من شوائب الرياء سالما، وينفع به نفعا عميما دائما، وخير أعمال لا تدرس ولا تبلى، وينفع صاحبها يوم تحشر السرائر وتبلى. هذا وقد قال بعض العلماء: إن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" يدخل فيه الانتفاع بالتأليف لأنه مظنة عدم انقطاع الانتفاع وقد قيل: طوبى لمن عرف المصير، وشمر زمانه القصير، في اكتساب منفعة تبقى بعده شهابا، وتخليد محمدة تورثه ثناء وثوابا. فالذكر الجميل كلما تخلد استدعى الرحمة وطلبها، واستدنى الراحة وجلبها. وإلى جناب الله الرفيع أستند، وعليه في كل أموري أعتمد. وبعزته ألوذ، وبه أستعين ومن كل أفاك وحسود أعوذ. اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وعمل لا يرفع، وقلب لا يخشع، ودعاء لا يسمع، ونفس لا تشبع، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين وعلى آله وأصحابه والتابعين والحمد لله رب العالمين.

Page 12

<div dir="rtl" id="book-container">

المقدمة وفيها سبع فرائد:

الفريدة الأولى في بعض مبادئ علم التاريخ وفضيلته

في مفتاح السعادة: التأريخ لغة تعريف الوقت مطلقا، يقال: أرخت الكتاب تأريخا وورخته توريخا كما في الصحاح. واصطلاحا هو معرفة الطوائف وبلدانهم ورسومهم وعاداتهم وصنائع أشخاصهم وألقابهم ووفياتهم إلى غير ذلك. وموضوعه أحوال الأشخاص الماضية من الأنبياء والأولياء والعلماء والحكماء والملوك والشعراء وغيرهم. والغرض منه الوقوف على الأحوال الماضية وفائدته العبرة بتلك الأحوال والتنصح بها، وحصول ملكة التجارب بالوقوف على تقلبات الزمان ليحترز عن أمثال ما نقل من المضار ويستجلب نظائرها من المنافع. وهذا العلم كما قيل عمر آخر للناظرين ينتقي به المطلع في مصره منافع لا نحصل إلا للمسافرين. انتهى باختصار من كشف الظنون.

ليس بإنسان ولا شبهه ... من لا يعي التاريخ في صدره

ومن روى أخبار من قد مضى ... أضاف أعمارا إلى عمره

ومزية التاريخ مشكورة بكل لسان، ممدوحة عند كل إنسان، فهو من أجل العلوم قدرا، وأرفعها منزلة وذكرا، وأنفعها عائدة وذخرا. وقد شحن الله به كتابه العزيز بما أفحم به أكابر أهل الكتاب وأتى بما لم يكن في ظن ولا حساب. قال بعضهم: احتج الله في القرآن على أهل الكتابين بالتاريخ فقال: {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون (65)} وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ذكر الله التاريخ في كتابه واستنبطه بعضهم من قوله تعالى: {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة

Page 13

<div dir="rtl" id="book-container">

وذكرى للمؤمنين (120)} وفي الجامع الصغير "بلغوا عني ولو آية وحدثوا علي بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب عني متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" وفي أوائل كشف الظنون قد ورد الأثر عن سيد البشر "من ورخ مؤمنا فكأنما أحياه" ابن عيينة: عند ذكر الأولياء تنزل الرحمة. قال الإمامان الجليلان أبو حنيفة والشافعي رضي الله عنهما: إن لم يكن العلماء أولياء وفي رواية الفقهاء أولياء فليس لله ولي. وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر في استذكاره: معرفة أعمار العلماء والوقوف على وفياتهم من علم خاصة أهل العلم وإنه لا ينبغي لمن وسم نفسه بالعلم جهل ذلك. قال حسان بن يزيد لم أستعن علي دفع كذب الكاذبين بمثل التاريخ وقال ولي الدين بن خلدون: التاريخ من الفنون التي يتداولها الأمم والأجيال وتشد إليه الركائب والرحال وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال وتتنافس فيه الملوك والأقيال ويتساوى في فهمه العلماء والجهال إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأمم والدول والسوابق من القرون الأولى تنهى فيه الأقوال وتضرب فيه الأمثال وتطرب به الأندية إذا غصها الاحتفال وتؤدي إلينا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال واتسع للدول فيها النضال والمجال وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال وحان منهم الزوال، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق وجدير بأن يعد في علومها وخليق.

وقال الصلاح الصفدي: التاريخ للزمان مرآة، وتراجم العلماء للمشاركة والمشاهدة مرقاة، وأخبار الماضين لمن عاقره الهموم ملهاة، وقد أفاد حزما وعزما وموعظة وعلما وهمة تذهب هما، وبيانا يزيل وهما، وصبرا يبعثه التأسي بمن مضى واحتشاما يوجب الرضى بما خفي وجلا من القضاء {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} - {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب}.

وقال النووي: ومن المطلوبات المهمات والنفائس الجليلات التي ينبغي للفقيه والمتفقه معرفتها، ويقبح به جهالتها، معرفة شيوخه في العلم الذين هم آباؤه في الدين ووصلة بينه وبين رب العالمين. وكيف لا يقبح به جهل الأنساب والوصلة بينه وبين ربه الكريم الوهاب مع أنه مأمور بالدعاء لهم وبرهم وذكر مآثرهم والثناء عليهم والشكر لهم. وقال الشيخ أحمد بابا: الجاهل بالتاريخ راكب عمياء وخابط خبط عشواء، ينسب إلى من تقدم أخبار من تأخر ويعكس ذلك ولا يتدبر.

Page 14

<div dir="rtl" id="book-container">

وقال بعض العلماء: دراسة حياة الأجداد تربي أخلاق الأبناء والأحفاد لما فيها من الحكمة البالغة الحسنة والموعظة المستحسنة.

وفي البستان: طلب الإجازة والرواية من شأن أهل العلم وكذلك معرفة أفاضل الأمة من صحابي وتابعي وفقيه ومن الكمال معرفة تاريخ موتهم وولادتهم ليميز من سبق عمن لحق ومعرفة الكتب وأسماء المؤلفين من الكمال ومعرفة طبقات الفقهاء من مهمات الطالب وكذلك ما ألفوه في حصر المسائل انتهى.

وفي عنوان الدراية: لما كان طلب العلم فرضا على الكفاية حينا ومتعينا في حال ولم يكن بد في تحصيله من تلقيه على الرجال وكان التلقي إما مباشرة أو عن سند ذي اتصال وكان المباشر تكفي معرفته والمسند عنه لا بد أن تعرف صفته فلهذا اهتم العلماء بذكر الرجال واستعملوا في تمييز أحوالهم الفكر والبال ليوضحوا سبيل المتحمل ويبينوا وسيلة التوصل، وقد اختلفت في ذلك مصادرهم ومواردهم وإن اتفقت في بعض الوجوه مقاصدهم: فمنهم من ذكر التعديل والتجريح في المحدثين، ومنهم من ذكر من يعرف بالحفظ والإتقان من المتقدمين، ومنهم من اقتصر على ذكر العلماء المجتهدين، ومنهم من ذكر المؤلفين والمصنفين، ومنهم من ذكر علماء وقته، ومنهم من اقتصر على ذكر مشيخته وكل ذلك يحصل الإفادة ويسهل للطالب مراده انتهى.

وقال ابن شاكر في عيون التواريخ: التاريخ من أعظم العلوم أدبا وأسناها مشربا وأنورها مطلعا وأحلاها في القلوب موقعا. لم تزل محاسنه تروق وفوائده تفوق وفرائده تشوق، به تعرف أخبار من سلف من العرب والعجم وأحاديث ذوي المراتب والهمم وسيرة الكرماء في كل وقت ومن اختص ببعض صفاته بالهيبة وغيره بالمقت وكل عالم وعمن أخذ فنون علمه، وكل أديب ومحاسن نثره وبديع نظمه. والنظر في السنة الشريفة وأسماء رجالها ومراتب رواتها وطبقات فرسان مجالها حتى كأن الواقف عليه قد أدرك كلا منهم في عصره ومصره في ساحة ميدانه ومشيد قصره ورأي الأئمة وأصبح للعلوم من أفواههم متلقيا وعلم من كان بجده وهزله إلى ورود العلياء مرتقيا، وفي كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أخبار الأمم السابقة وأنباء القرون الخالية ما فيه عبرة لذوي البصائر واستعداد ليوم تبلى فيه السرائر. وقد اختار الله لنا أن نكون آخر الأمم وأطلعنا على أخبار من تقدم لنتعظ بما جرى على القرون الخالية وتعيها أذن واعية ولنقتدي بمن تقدم من الأنبياء والأئمة والعلماء. ونرجو بتوفيق الله تعالى أن نجتمع بهم في الجنة ونذاكرهم بما نقل إلينا عنهم، وذلك على رغم أنف من عدم الأدب ولم يكن له في هذا العلم أرب. انتهى.

Page 15

<div dir="rtl" id="book-container">

ولنقتصر على ما ذكرنا من فوائد علم التاريخ المعقولة المقصودة بالنصوص المنقولة والله ولي التوفيق.

صلة في الكلام على علم الجغرافية وفضيلته وأقسامه

اعلم أن علم الجغرافية مرتبط بعلم التاريخ ارتباطا وثيقا ويتعلق به تعلقا عريقا. قال بعض العلماء: اعلم أن بين فني التاريخ والجغرافية ارتباطا قويا وتعلقا شديدا، فهما أخوان يتعاونان وفرسا رهان يتسابقان لا يستغنى بأحدهما عن الآخر. ولذا قال بعضهم: إن التاريخ له عينان يبصر بإحداهما معرفة الزمان وبالأخرى معرفة البلدان والحق كذلك فإنه لا تتم حوادث الأزمنة من غير وقوف على ما وقعت فيه من الأمكنة. على أن التجارة والصناعة اللتين بهما أساس لثروة الأمم وقوتها وتمدنها وحضارتها يرتبطان بفن الجغرافية ارتباطا تاما بحيث لا يمكن الحصول عليهما بدونه إذ به تعرف المحال التي تستخرج منها المواد الصالحة للصناعة والجهات التي يلزم توزيع التجارة فيها وإلا فلا ثمرة لها، وحينئذ فلا شيء أنفع للإنسان من معرفته إذ هو يعرفنا حقيقة الأرض التي نحن ساكنوها، والدنيا التي نحن آهلوها. ومن العار أن يجهل الإنسان زوايا داره، ولا يعرف كل ساكن بجواره. فإذا كنت مالكا لقطعة أرض مثلا أفلا يلزمك أن تجتهد في معرفة ما تشتمل عليه من ينابيع وغدران ومستنقعات وغير ذلك ثم تبحث عن الطريقة الموصلة لاستخراج ما فيها من المنافع بأن تنظر فيها بما يناسب طبيعة القطعة من النباتات التي يمكن زرعها فيها والحيوانات التي يمكن استعمالها لحرثها لتعود عليك بالمحصول الجيد الوافر. ولذا وقع تعريفه بقولهم (هو علم يعرف به سطح الأرض وما عليه من أنهار وبحار وجبال ومدن وسكان وحكومات ودول وما شاكل ذلك) قيل: وضع قدماء المصريين وقيل غيرهم.

وجغرافية كلمة يونانية الأصل مركبة من كلمتين وهما وصف الأرض ويسمى عند العرب علم تقويم البلدان وينقسم إلى ستة أقسام:

أولا: الجغرافية الطبيعية يبحث فيها عن وصف سطح الأرض على ما هي عليه من أصل خلقة الباري جل وعلا كالتكلم على الجبال والأنهار والبحار وغير ذلك.

ثانيا: الجغرافية السياسية ويبحث فيها عن وصف ما على هذا السطح من السكان والدول والحكومات وما أشبه ذلك.

Page 16

<div dir="rtl" id="book-container">

ثالثا: الجغرافية التاريخية ويبحث فيها عن تاريخ الأرض وما اعتراها من تقلبات الدول وبيان الوقائع المرتبطة بالبقاع والأمكنة.

رابعا: الجغرافية الرياضية ويبحث فيها عما يتعلق بشكل الأرض والعلائق التي بينها وبين الكواكب وسكونها وحركاتها وأطول البلاد وعروضها واختلاف الليل والنهار وتكوين الفصول وما يتعلق بذلك.

خامسا: الجغرافية الدينية ويبحث فيها عن اختلاف أديان أهل الأرض ومللهم ومذاهبهم وطرق عبادتهم.

سادسا: الجغرافية الاقتصادية ويبحث فيها عن محصولات البلاد من نباتات ومعادن وثروة كل أمة وتجارتها وصناعتها وما يتعلق بذلك.

والمتأخرون من علماء هذا الفن قسموا اليابس من الأرض إلى خمسة أقسام: آسيا وأوروبا وإفريقية وأمريكا الشمالية والجنوبية وأستراليا وفي ذلك خرائط وتصانيف كثيرة مشتملة على تفاصيل وافية وإيضاحات شافية.

الفريدة الثانية من خصائص هذه الأمة أنهم أوتوا الإسناد

اعلم أن الإسناد خصيصة فاضلة من خصائص هذه الأمة وسنة مؤكدة. قال محمد بن حاتم بن المظفر: إن الله قد أكرم هذه الأمة وشرفها وفضلها بالإسناد وليس لأحد من الأمم كلها قديمها وحديثها إسناد وإنما هو صحف في أيديهم وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم فليس عندهم تمييز بين ما أنزل من التوراة والإنجيل وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوها عن غير الثقات وهذه الأمة الشريفة زادها الله شرفا بنبيها، إنما تنص الحديث عن الثقة المعروف في زمانه بالصدق والأمانة عن مثله حتى تنتهي أخبارهم ثم يبحثون أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ والأضبط فالأضبط والأطول مجالسة فمن فوقه ممن كان أقصر مجالسة ثم يكتبون الحديث من عشرين وجها فأكثر حتى يهذبوه من الغلط والزلل ويضبطوا حروفه ويعدوه عدا، وهذا من فضل الله على هذه الأمة. انتهى من اختصار المواهب اللدنية. وقد ذكرنا في الفريدة الأولى أن المسند عنه لا بد من معرفة صفته.

Page 17

<div dir="rtl" id="book-container">

إذا علمت ذلك فاعلم أنه جاء عن العلماء في الحض على تقييد العلم بالأسانيد والكراهية لمن كان عريا عنها. قال أبو محمد عبد الله بن المبارك: "الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء". وقال سفيان الثوري: الإسناد سلاح المؤمن فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل. وقال يزيد بن زريع: لكل دين فرسان وفرسان هذا الدين أصحاب الأسانيد ولها طرق في الحمل والرواية وفي التأدية والتبليغ وللرواية مراتب أعلاها سماع الراوي قراءة المحدث للكتاب الذي رواه أو الحديث وسماع الشيخ ثم مناولة الشيخ للكتاب الذي رواه عن شيخه ثم إجازة الشيخ للطالب أن يحدث عنه بالكتاب الذي رواه وإباحة ذلك. فأما السماع من الشيخ فالأصل فيه حديث ابن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "تسمعون ويسمع منكم ويسمع من يسمع منكم" وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "نضر الله امرءا سمع مقالتي فحفظها ووعاها فأداها كما

Page 18