Shadharāt al-Dhahab
شذرات الذهب
Enquêteur
محمود الأرناؤوط
Maison d'édition
دار ابن كثير
Édition
الأولى
Année de publication
١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م
Lieu d'édition
دمشق - بيروت
[المجلد الاول]
تقديم الكتاب
بقلم الأستاذ الدّكتور خالد عبد الكريم جمعة مدير معهد المخطوطات العربيّة الحمد لله وحده لا شريك له، والصّلاة والسّلام على رسوله النّبيّ العربي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فحين طلب إليّ الأستاذ محمود الأرناؤوط أن أقدم لهذا الكتاب- الذي يقوم بتحقيقه، وتتولى طبعه دار ابن كثير بدمشق- وجدت نفسي في حيرة شديدة، فماذا يمكنني أن أقول في كتاب بذل محققه ما استطاع من جهد في ضبط نصه والتعليق عليه، وقدم له بمقدمة وافية تحدث فيها عن المؤلّف والكتاب باسطا القول فيهما، فلم يترك زيادة لمستزيد.
إنّ خير ما يمكن قوله: إنّ هذا العمل يزكّي نفسه، فهو عمل سار فيه محققه وفق منهج واضح في التحقيق والتعليق، فبدأ بنسخ الكتاب ومقابلة المخطوطة بالنسخة المطبوعة، ثم أخذ في قراءته على والده مرة أخرى، فضبط الأعلام وخاصة ما يحتاج منها إلى ضبط، وخرّج الآيات القرآنية والأشعار. ثم أضاف في مواطن عديدة- وفي هوامش الكتاب- بعض ما يحتاج إليه القارئ من مهمات الحوادث التي فات المؤلّف ذكرها، مع تتبع للنصوص المنقولة للتأكد من صحتها، وفعل ذلك كله في أناة وصبر ودقة.
وما أحوجنا في هذه الأيام إلى نشر نصوص تراثنا بهذه الطريقة، بعد أن كثر نشر النصوص بصورة سيئة على أيدي بعض المحققين من حملة الشهادات. وقد رأيت من بعض هؤلاء عجبا، حيث يشوهون النصّ تشويها،
1 / 5
ولو أنهم تركوه في خزائن المكتبات مخطوطا لكان خيرا لنا ولهم.
وما أحوجنا أيضا إلى نشر كتب التاريخ الإسلامي التي ما زالت مخطوطة وإعادة نشر ما نشر منها غير محقّق، لما لهذه الكتب من أثر في فهم تاريخنا وتحليل أحداثه تحليلا سليما، بعيدا عن روح العصبية والتحامل.
إن قيام الأستاذ محمود الأرناؤوط بنشر هذا الكتاب يعدّ خدمة جليلة للمهتمين بالتراث العربي الإسلامي، وإسهاما منه في تقديم نصّ ذي قيمة علمية كبيرة إلى قرّاء العربية.
أما والد المحقق الأستاذ المحدّث الشيخ عبد القادر الأرناؤوط- المشرف على تحقيق الكتاب- فقد خرّج أحاديث الكتاب وفق الأسس العلمية الصحيحة في تخريج الحديث، ولا غرو فهو أحد المحدّثين المتمكنين القلائل في أيامنا، وقد يعجز مثلي عن أن يفيه ما يستحقّ من الثناء، فكفاه فخرا أن يكون محقق «جامع الأصول في أحاديث الرسول» لابن الأثير، وأحد محقّقي «زاد المعاد في هدي خير العباد» لابن قيم الجوزية، فجزاه الله كل خير على ما قدم إلى الإسلام وأهله.
وإني لآمل أن يستمر محقق هذا الكتاب الأستاذ محمود الأرناؤوط في بذل الجهد لنشر نصوص أخرى، خدمة لتراثنا العربي الإسلامي.
والحمد لله رب العالمين الكويت: ٢٧/ ربيع الأول/ ١٤٠٦ هـ الموافق ٩/ ديسمبر/ ١٩٨٥ م الدّكتور خالد عبد الكريم جمعة
1 / 6
بسم الله الرّحمن الرّحيم مقدّمة المحقّق
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ٣: ١٠٢ (آل عمران: ١٠٢) .
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ من نَفْسٍ واحِدَةٍ، وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها، وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً، وَاتَّقُوا الله الَّذِي تَسائَلُونَ به وَالْأَرْحامَ، إِنَّ الله كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ٤: ١ (النساء: ١) .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَمن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا ٣٣: ٧٠- ٧١ (الأحزاب:
٧٠، ٧١) .
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله ﷿، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أحمدك اللهمّ، يا من حبّبت إلى نفسي طلب العلم، ويسّرت لي أسباب المعرفة بفضلك وكرمك.
1 / 7
وأصلّي وأسلّم على رسولنا محمد، معلّم النّاس الخير، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين.
وبعد: فإن من عظيم فضل الله ﷿ عليّ، أن ولدت في بيت من البيوت التي يذكر فيها اسم الله تعالى صباح مساء، ويتداول العلم في جنباته دراسة وتدريسا آناء الليل وأطراف النهار، وعلى الخصوص من ذلك كتاب الله ﷿، وسنّة نبيّه المطهرة، مما كان له أكبر الأثر في منهجي وتوجهي في الحياة.
وعميد هذا البيت رجل جنّد نفسه للعمل في خدمة مصنفات علماء الأمة الأقدمين ذات الصلة بكتاب الله ﷿، وسنّة نبيّه المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، والتصدّي لنصح الناس في المساجد والمجالس في الحلّ والترحال منذ أكثر من ثلاثين عاما، فكنت أينما دخلت في حجرات دارنا- وأنا طفل صغير- ألتقي بكتب والدي، وأوراقه، وأقلامه.
وما من مرة اصطحبني معه فيها إلا وكانت وجهتنا إلى إحدى المكتبات، العامة منها أو الخاصة، وكذلك الحال في زيارة أصدقائه وزملائه، فقد كان معظمهم من أهل العلم والفضل.
ولقد فرض واقع وفاة أمي- ولمّا أبلغ الرابعة من عمري- على أبي أن يجعل منّي رفيقا صغيرا له، وذلك لعدم وجود إخوة لي في تلك الحقبة من الزمن ألهو معهم وأمرح، فلم تخلف أمي سواي، رحمها الله تعالى وأسكنها فسيح جنانه، ولم يكن في الدار غير جدتي لأبي، وكانت متقدمة في السن، فكان حرص أبي على عدم إرهاقها بخدمتي يحمله على اصطحابي معه إلى مكتبه الذي كنت ألتقي فيه مع أعداد أخرى كبيرة من الكتب تآلفت هنا وهناك في المكتبات الجدارية المنتشرة في كل غرفة من غرفه.
وفي ذلك المكتب أيضا التقيت بعدد كبير من العلماء والباحثين والطلبة من زملاء والدي وأصدقائه ومساعديه، وفي مقدمتهم صاحبه وزميله ورفيق دربه
1 / 8
الأستاذ الشيخ شعيب الأرناؤوط، الذي كان في طليعة من أسهم في تعليمي وتثقيفي وإرشادي وتوجيهي في مراحل مختلفة من الحياة، جزاه الله تعالى خير الجزاء وأحسن مثوبته يوم الدّين.
وكل هذه الأسباب جعلتني أقترب من الكتاب أكثر فأكثر، حتى أصبحت أسيرا طيّعا له، فكنت لا أبرح كتابا، حتى أتناول غيره، ولا أغادر مجلة، حتى أتناول غيرها، وكنت أشغل وقتي في أثناء ركوبي في السيارات والحافلات بقراءة الصحف في أكثر الأحيان.
وكانت أسعد الأوقات في حياتي، هي تلك الساعات التي كنت أقضيها في مساعدة والدي حفظه الله بتصحيح تجارب الطبع لبعض الكتب التي عني بتحقيقها منذ سنوات طويلة.
ثم شدّتني الصحافة إليها، فنشرت عددا من المقالات المنوعة في عدد من المجلات في سورية وغيرها من الأقطار، ثم صنّفت من مجموع ما تخيّرته من تلك المقالات ثلاثة كتب، هي: «الكشكول الصغير»، و«عناقيد ثقافية»، و«زهرات الياسمين» .
وكنت في أثناء هذه الفترة التي قضيتها في الاهتمام بالصحافة وما يتصل بها، أعدّ العدّة للعمل بين يدي أبي في خدمة كتب التراث العزيز.
ولما تأكد لأبي حسن نيّتي في الإقدام على ولوج عالم التراث، وجّهني نحو خدمة كتاب «النصيحة في الأدعية الصحيحة» للإمام الحافظ عبد الغني المقدسي، ولا تسأل عن السعادة التي غمرتني وأنا أعمل به، فقد شعرت بأن أحلامي قد تحققت مرة واحدة، وقد صدر الكتاب فيما بعد عن مؤسسة الرسالة في بيروت، وبذلك انتقلت إلى مرحلة جديدة في الحياة، مرحلة الانقطاع الكامل إلى العمل في خدمة كتب التراث. ولقد كانت سعادة أبي في انصرافي إلى العمل في خدمة كتب التراث أعظم من سعادتي، وكيف لا يكون سعيدا من يرى ولده الأكبر يسير على الطريق ذاتها التي سار عليها من قبل؟ الأمر الذي يجعله على يقين بأن الراية التي حملها لن تسقط- بإذن الله- من بعده.
1 / 9
ثم تابعت رحلتي في عالم التراث، فأخرجت كتاب «إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين» لابن طولون محققا للمرة الأولى، وتبعه «عمدة الأحكام» للحافظ عبد الغني المقدسي، و«الأمصار ذوات الآثار» للذهبي، و«شرح الأربعين النووية»، فكان عملي في هذه الكتب على صغرها قد متّن صلتي بفن التحقيق، وجعلني أنطلق إلى آفاق بعيدة من التفكير في خدمة مصنفات أكبر منها حجما، وأبعد منها أثرا، فكان أن وقع اختياري على هذا الكتاب- «شذرات الذهب» - لجملة أسباب:
أولها: لأنه من كتب التاريخ، وهو الفن الذي أحببته منذ الصغر، وازداد حبّي له أثناء خدمتي لكتاب «إعلام السائلين»، ومن ثم «الأمصار ذوات الآثار» .
وثانيها: لاحتوائه على تراجم مشاهير المحدّثين وغيرهم من أعيان الزمان، وأنا من المغرمين بدراسة سير الرجال، لما فيها من العبر والفوائد.
وثالثها: لكونه يؤرّخ بإيجاز لفترة زمنية طويلة تمتد لعشرة قرون، الأمر الذي يجعله من أفضل التواريخ المختصرة في نظري.
فعرضت رغبتي في خدمة الكتاب على والدي حفظه الله، وشرحت له رأيي بالكيفية التي يمكن أن يخرج الكتاب على أساسها، فأعجب بالفكرة، وشجعني على المضيّ في تنفيذها، فقلت له: إن انتقال فكرة تحقيق الكتاب إلى حيّز التنفيذ يتوقف على موافقتك على الإشراف على تحقيقه، ومراجعته، وتخريج ما يرد فيه من الأحاديث، فوافق حفظه الله على القيام بذلك، ومن ثم تفضل بالنظر في المنهج الذي وضعته لتحقيق الكتاب فأقرّه بعد مناقشة تناولت عددا من الفقرات فيه.
وكان من توفيق الله تعالى ورعايته، أن قيّض لهذا الكتاب ناشرا فاضلا، عمل في طبع كتاب الله ﷿ ونشره لفترة طويلة، وأسهم في انتشار عدد كبير من كتب التراث، هو الأستاذ علي مستو صاحب «دار ابن كثير»، الذي قدّم لنا كلّ ما يمكن أن يسهم في ظهور الكتاب على أفضل وجه، جزاه الله تعالى خير الجزاء، وجعل تجارته رابحة في الدّنيا والآخرة.
1 / 10
وحين تم تحقيق هذا المجلد من الكتاب، طلبت من والدي أن يتولى كتابة مقدمة التحقيق، فاعتذر وقال: إن الكلام عن تحقيق الكتاب من مهام محقّقه، وهو أعلم الناس بما تم من العمل فيه، ولا يليق بالمشرف أن يضع يده على أيّ من حقوق المحقّق، ولو كان ابنه، أو أحد تلامذته المقرّبين.
وأمام واقع الحال هذا توجهت إلى الله تعالى بالسؤال، أن يعينني على كتابة مقدمة تليق بهذا الكتاب العظيم وصاحبه.
وقد رأيت من المفيد أن تتضمن هذه المقدمة نبذة عن أهم المؤرّخين الذين نقل عنهم المؤلف مباشرة، أو بالواسطة، والتعريج على دراسة حياة المؤلف، ثم الكلام عن القيمة الفنية لهذا الكتاب، والمنهج الذي اتبع في تحقيقه، وذلك بالتشاور مع والدي حفظه الله.
ومن ثم قسّمت المقدمة إلى أربعة فصول هي:
١- مشاهير المؤرخين السابقين لابن العماد.
٢- ابن العماد.
٣- القيمة الفنية لكتاب شذرات الذهب.
٤- عملنا في تحقيق الكتاب.
وقد استعنت في إعداد هذه المقدمة بكتب جمهرة من العلماء من متقدمين ومحدثين.
فأسأل الله ﷿ أن يجعل عملنا هذا متقبلا، وأن يكتب فيه النفع للناس جميعا، وأن يعيننا على إتمام تحقيق بقية الكتاب، إنه خير مسؤول
.
1 / 11
الفصل الأول مشاهير المؤرخين السّابقين لابن العماد
لعلّ أهم ما ينبغي عليّ التأكيد عليه في مستهل هذا الفصل، أن الكلام محصور فيه على المشاهير من علماء التاريخ عند المسلمين ممّن تقدموا ابن العماد واستفاد منهم.
وليس المطلوب أن نستقصي جميع المؤرخين من أصحاب المصنفات التي نقل عنها المؤلف، وإلّا لطال الكلام، وتشعب الموضوع، وخرج بنا عن البرنامج المعدّ لهذه المقدمة بعد دراسة مطولة.
وليس المطلوب من هذا الفصل أيضا أن يحدّث القارئ عن علم التاريخ كفنّ من الوجهة التاريخية، ففي بعض ما كتب في هذين الجانبين من الدراسات والمصنفات كفاية لمن يريد التوسّع في دراسة هذا الموضوع [١] .
وقبل المضي في الكلام عن مشاهير المؤرخين موضوع حديثنا، لا بدّ لنا من الوقوف قليلا عند بعض ما قاله عدد من العلماء المتخصصين في فن التأريخ، وذلك لتقديم إلمامة سريعة بهذا الفن للقارئ الكريم.
[١] انظر على سبيل المثال: «مصطلح التاريخ» للدكتور أسد رستم، و«التاريخ العربي والمؤرخون» للدكتور شاكر مصطفى، و«علم التاريخ عند المسلمين» للدكتور فرانز روزنثال، و«إلمامة بالتاريخ عند العرب» الفصل الذي ألحقه الأستاذ عبد الحميد عبادي بكتاب «علم التاريخ» للأستاذ. ج. هرنشو، و«موارد الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد» للدكتور أكرم ضياء العمري.
1 / 13
قال ابن منظور: التأريخ: تعريف الوقت، والتوريخ مثله، أرّخ الكتاب ليوم كذا: وقّته، والواو فيه لغة، وزعم يعقوب [١] أن الواو بدل من الهمزة، وقيل: إن التأريخ الذي يؤرخه الناس ليس بعربي محض، وإن المسلمين أخذوه عن أهل الكتاب، وتأريخ المسلمين أرّخ من زمن هجرة سيدنا رسول الله ﷺ، كتب في خلافة عمر ﵁، فصار تاريخا إلى اليوم [٢] .
وقال ابن خلدون: اعلم أن فن التأريخ فن عزيز المذهب، جمّ الفوائد، شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه [٣] في أحوال الدّين والدّنيا، فهو محتاج إلى مآخذ متعددة، ومعارف متنوعة، وحسن نظر وتثّبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق، وينكبان به [٤] عن المزلّات والمغالط، لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيها من المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثّا أو سمينا، ولم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلّوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط، ولا سيما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر إذا عرضت في الحكايات، إذ هي مظنّة الكذب، ومطيّة الهذر، ولا بدّ
[١] هو يعقوب بن إسحاق بن السّكّيت، أبو يوسف، أحد أئمة اللغة والأدب، أصله من خوزستان، تعلم في بغداد، واتصل بالمتوكل العباسي فجعله في عداد ندمائه من أهم مصنفاته كتابه «إصلاح المنطق» قال المبرد: ما رأيت للبغداديين كتابا أحسن منه. مات سنة (٢٤٤) هـ. انظر «الأعلام» للزركلي (٨/ ١٩٥) .
[٢] «لسان العرب» «أرخ» (١/ ٥٨)، وانظر «تاج العروس» للزبيدي «أرخ»، و«الإعلان بالتوبيخ لمن ذمّ أهل التأريخ» للسخاوي ص (٦)، و«فتح الباري» لابن حجر (٧/ ٢٦٧- ٢٦٨) .
[٣] أي يطلبه.
[٤] أي يعدلان به. انظر «لسان العرب» لابن منظور «نكب» (٦/ ٤٥٣٤) .
1 / 14
من ردّها إلى الأصول، وعرضها على القواعد [١] .
وقال السخاوي: [التاريخ] في الاصطلاح: التعريف بالوقت الذي تضبط به الأحوال، من مولد للرواة والأئمة، ووفاة، وصحة، وعقل، وبدن، ورحلة، وحج، وحفظ، وضبط، وتوثيق، وتجريح، وما أشبه هذا، مما مرجعه الفحص عن أحوالهم في ابتدائهم ... ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة، من ظهور ملمّة، وتجديد فرض، وخليفة، ووزير، وغزوة، وملحمة، وحرب، وفتح بلد وانتزاعه من متغلّب عليه، وانتقال دولة، وربما يتوسع فيه لبدء الخلق، وقصص الأنبياء، وغير ذلك من أمور الأمم الماضية، وأحوال القيامة ومقدّماتها مما سيأتي، أو دونها كبناء جامع، أو مدرسة، أو قنطرة، أو رصيف، أو نحوها مما يعمّ الانتفاع به مما هو شائع مشاهد، أو خفي سماوي، كجراد، وكسوف، وخسوف، أو أرضي، كزلزلة، وحريق، وسيل، وطوفان، وقحط، وطاعون، وموتان، وغيرها من الآيات العظام، والعجائب الجسام.
والحاصل: أنه فنّ يبحث عن وقائع الزمان، من حيثية التعيين والتوقيت، بل عمّا كان في العالم.
وأما موضوعه، فالإنسان والزمان، ومسائلة أحوالهما المفصّلة للجزئيات تحت دائرة الأحوال العارضة الموجودة للإنسان، وفي الزمان.
وأما فائدته، فمعرفة الأمور على وجهها. ومن أجلّ فوائده أنه أحد الطرق التي يعلم بها النسخ في أحد الخبرين المتعارضين، المتعذّر الجمع بينهما [٢] .
وقال الدكتور شاكر مصطفى: تلك العوامل والحاجات التي أوجدت علم التاريخ في الإسلام لم تأت كلها مجتمعة في وقت واحد، ولكن سبق بعضها بعضا، وتعاون بعضها مع بعض على مدى يزيد على قرنين، ما بين أواسط القرن الأول الهجري، حتى أواسط القرن الثالث، كما أنها لم تكن متساوية في
[١] «مقدمة ابن خلدون» ص (٩- ١٠) .
[٢] «الإعلان بالتوبيخ» ص (٧) .
1 / 15