L'Épître du facile et de l'élancé

رسالة الصاهل والشاجح

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا
قال أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان
﵀
أسلم على الحضرة العالية تسليم العاجز المقصر، كما ينظر الهادي المدلج إلى فرقد الليل، واليماني المشيم إلى سهيل. وأصحاب الراح يتعوذون من مغن إذا ارتجل شتم، وإذا سكت صين وأكرم. وأنا أمت بحق التخفيف.
قال بعض الرعاة
" لا تذموا القتادة فإن لها علينا حقًا ".... قيل: وما ذاك؟ قال: " أنها لم تنبت بأرضنا ".
ولو كنت بالغًا في الأدب أطورى، لكنت في تلك الحضرة كالقطرة تحت الصبير، والحصاة إلى جانب " ثبير ". فما بالي وأنا مثقل استعان بذقن، وطفل بهش إلى يفن، وذليل عاذ بقرملة، وعبد هتف بأمة؟ والربيع أغفلت الكمأة؛ وعند المنهل نسيت المزادة. كل امري يغدو بما استعد، وقيل الرماء تملأ الكنائن؛ فماذا يصنع من لا كنانة له ولا عدة عنده؟ قد أضاء الصبح لذي عينين، فهل يضيء لمن لا عينين له؟ ولست ممن يعتب عليه، إنما يعاتب الأديم ذو البشرة، ولا قوة عند العشرة. وفي شهري ناجر تكفأ الظعن إلى قراس وإذا طلع قلب العقرب حبت إلى القوم تهامة. والكسير قد يعلو الرابية، والعاشية تهيج الآبية، ولو ترك القطا ليلًا لنام.
يا قطوف، سبقت الوساع فالحقي، إنها من طير الله فانطقي.
هيهات! ما بالوادي من محتطب، حبذا المنتعلون قيامًا.
ومن العناء رياضة الهرم ريا عبير وبهار، يغني المهرية عن المهار. قد عرض نشر عنبر، منع نجيبًا من معبر.
وقد علم الله، جل اسمه، أني أستنزر ل " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " خلد الله أيامه - كل كثير، فلو حملت إلى حضرته الذهب لظننته صفرًا، أو الإيمان لحسبته نفاقًا وكفرًا؛ ولو جعلت شجر الكافور والألوة قوتًا للنار أوقدتها مهنته في الصنبر تدفع بها قرة ذوات وبر، أوهمتني المحبة أني قد ونيت؛ ولو أهديت ظباء المسك إلى الصوائد التي بين يديه، خيلت لي عظمته أني جنيت. لا جعلني الله ممن يعد الصربة من أفضل جنى، ويغدو بالخرز ليضحي به في " منى ". والمؤبرة خير من الوبرة، وإن كانت ليست بالخيرة. وكل الصيد في جوف الفرا، ولكن من يقدر عليه؟ وهل يطرق أهله بالجأب المسحور من يعجز عن مقطعات السحور؟ وأنا كصاحب المثل، قال: أين أغدو إذا صبحتموني؟ فقالوا: أعن صبوح ترقق؟ وأذكر حاجتي قبل أن أبرم فأجرم، لأن من أتى بالإبرام وقع في عظيم الإجرام: لي - أطال الله بقاء السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء - أولاد أخ قد أوذموا على أنفسهم من خدمتي ما ليس بلازم؛ وأصغرهم سنًا طفل صغير قد وكل بي في الصبارة، كلما أحس بحمام اليانوسة لدى أحياها بالحمم؛ إلى غير ذلك من المآرب، لا يمكن قضاؤها بنفسي.
ولهم أوالب في مدينة " حماة " ولتلك الحوبات أشقاص في أملاك يأمل هؤلاء الحسكل - والأمل ساحر ساخر، وربما وجد هو الصادق. وله نوعان كأنهما برقان: هذا خالب، وهذا للمطر جالب - أن يصيبهم نفع من تلك السهمة. ورفع رافع إلى الحضرة العالية، أن حقًا يجب للخزانة المعمورة على أرض أولئك الدرد النهابل، وسألوني، والمسألة حرمة، أن أسأل " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " في ذلك. فاستحييت أن أكلفهم في اليوم القصير لماسات وروب، ويسألوني شهلاء هي في العمر كالبدر في الهالة والقراب في الخلة والمتقارب في الدائرة، فأردهم عنها مكبوتين، وإنما هي الزهرة في الأفق والوضيعة من الشقر.
وكان يجب علي، من فرط الإجلال، أن أقول لهم ما قال " زرارة " لولد " سويد بن ربيعة " وقد تعلقوا به عند " " عمرو بن هند ": " يا بعضي دع بعضًا ".
ولكن حملني أطيط الحاسة وعلمي بكرم الشيمة، على النهضة بغير جناح، وركوب الصعبة بلا أحلاس. وأنا أجله لفهمه وفطنته، مثل ما أجله لعزه وسلطانه، ولو جاء رجل في طمرى برس أو سمل فراري، أو عاريًا لا يصل إلى الطرائد ولا الهيب، يتلهف على منقل أو سميط تحذى له من أم الهنيبر أو غيرها من الهنبر، ويعتمد على خوارة كأنها منسأة الميت، ولديه الجن العاملة، وفيه من الأدب والعلم بعض ما في " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " خلد الله أيامه، خنعت له بالعظمة والترفيل.

1 / 1

وقد أشرت عليهم بترك تنجزهم الصفح عن ذلك، وقلت: الصبر على القناعة أقبل من سوء الصناعة، والكريم يجب أن يستحيا منه، والجمرة إلى الجمرة نار ينتفع بها المقرور، والنغبة مع أختها ري الظمآن.
فأبوا إلا غير ذلك وقالوا: إنا لا نحمل أوقًا كان موضوعًا فيما سلف. وهذه الأيام المشرقة لو رأتها " دوس " لما قال القائل منهم: ذهب الخير مع عمرو بن حممة.
فجشموني كلامًا في ذلك، فقبح الله معزى خيرها خطة، وشجرًا أطوله التربة، ومؤرثات للضيفان أكثرها ضرامًا ما يوقده أبو الحباحب.
فما برحوا، والكاذب خائب، يرمون بالسروة ويفتلون في الذروة، ويقردون العود النافر، ويزجون ثقالًا قيد فما أيد، ويحدون بأم الربيق على أريق. حتى همت النعامة بكروع، وعزم الضب على الشروع. وأني للوليدة بأزمان القردة؟ ومن الفند أن يسأل نعمان في بريرة، ويلتمس من رياض الحزن إنبات الزهرة. وإذا عذلتهم في ذلك، فلهم أن يقولوا: لأفقر منا يهدي غمام أرضنا، وسائمتنا أحق بما نبت في عرضنا.
وقد وصلوا بهذه الرسالة رقعة يرجون بها من اليد العالية توقيعًا مؤبدًا لا يكون بعده القول مرددًا، بل يحسم بإيجاب طمع كل ناظر وجاب.
فإن جاءت بالنجح فلله الحمد ثم للسيد " عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء ". إذا كرم الزندان لم تتعب في القدح اليدان؛ ومن وقف على العناقة أروى الناقة، ومن نزل " تبالة " نفض البالة.
وإن خابت، فهي حقيقة بالخيبة. المطية رجاحة، والأذن فيها جاحة؛ وإن ثعالة لا تبنى العالة. ولو أصغى المسمع إلى ما يأمر به حسن الأدب، لم أحفل بحظيات لقمان، ممن صدق أو مان، ولا احتملت أسهم القارة خيفة من الحقارة. لأن المسألة في التافه أنبأت عن اللب النافه.
وإنما جعلت هذا المقدار تافهًا، لشرف مقدار المسئول. فأما أنا فمذهبي أن الدرهم يقع عليه اسم المال الكثير. ولو كان في الوجذ فراشة وفي المحل الممحول غذيمة، لكفيت الغافلة من رماها، والجازئة من اسّماها.
ولهؤلاء القوم أريضة ليست بالأريضة، هي من قلة العمل كالمريضة. غراسها ليس بعميم، وثمرها بين الثمر كبنى يربوع في بنى تميم؛ إلا أن أولئك حمدوا في الغارة، وذم هذا حين يغير. وحين يختبز لا يطيب منه الخبز. وما سقى منها بالأبق والأديم، فهو العناء المنصب في الحادث وفي القديم؛ يشتكيه المالك ومن يعمل فيه، ويجعل حليمًا مثل سفيه.
كأن ماءه المنتزع كافر محتقر، غفر له بعد ما مسته سقر، فقد عولي به من أسفل سافلين إلى أعلى عليين. وربما غار ونكز، فلم يفل الملطس في إخراجه حتى يرجع إلى قرواه. تود بهيمة أصعدته، لو كانت في سواد ذي القرنين، تحمل أوتاد خيام أو غيرها من أثقال اللئام، وتسافر من المشرق إلى المغرب، وتراح من هذا البؤس الدرب. إذ كان سفرها لا ينفد وعذابها يجدد. ولا يقنع لها القدر بالأين حتى يأمر بتخمير العين. فالخطوة من العبء قصيرة، والعين عمياء بصيرة. وهي في أوقات النجر يكف بصرها عند الفجر فتنظر إلى القمر دون الشمس، ويومها في الشقوة نظير الأمس. وربما تكون ليست بالزعلة فيستأجر لها غلام عارم لا كريم هو ولا مكارم. فيسوقها بالعجراء سياقة عنيف ويمزق جلدها تمزيق الخنيف. فهي تروى الناضر ولا تلقاه، وتسمع قسيب الأزرق ولا تسقاه. وتمر عليها الدجالة من الرفاق، فإذا سمعت صوت الحافر هاج ذلك عليها طربًا وحزنًا، وذمت إلى الله القادر معاشًا لزنًا.
وترد جباها الواردة، فإذا حمل أمرها على ما ظهر من اللفظ العربي في الكتاب الكريم من قوله عزت كلمته: " وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ".
وعلى ما جاء في الحكاية عن النملة: " يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون ".
وعن الهدهد في قوله " تعالى ": " إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم ".
فجائز أن تضمر هذه البهيمة أو تقول باللسان ما لا يفهمه كل إنسان، من كلام معناه: رب صلف تحت الراعد، وساع دأب لقاعد.
تقرى البائسة وترد الرائسة.
ردِي رِدِي وِرْدَ قَطاةٍ صَما
كُدْرية أَعجبها بردُ الما

1 / 2

ذهب سيري وساري، وشربت الشاربة قراي. كأن تعبي ما يهبه الله سبحانه لأهل الدار الآخرة كلما فنى نعيم فالله بمثله زعيم. والحوادث بين المنتظر والملقى، والشقاء بعث للشقى. أدرك ما جبيته التلف، ومن قواي أمل الخلف. وأي قوة للمخلوقين؟ لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، ما لعملي من ريع، لقد صدق " أخو بني قريع ":
قد يجمعُ المالَ غيرُ آكلِهِ ... ويأْكلُ المالَ غَيرُ مَن جَمَعهْ
ولا يمتنع في قدرة الله، أن يرد فارس كميت أو ورد، فإذا شرع في نمير ذي برد، ربطه بالكثب من المثاب.
فيقول الشاحج
بفضل الحس: من أين طرأ علينا الكريم؟
فيقول الصاهل
ومن أين علمت بالكرم، ومن دون عينك حجاب قد شد، لو كان دون العين النابعة لما فارت، أو العين الطالعة لما أنارت؟
فيقول الشاحج
عرفت كرمك في وطئك وصوتك، لأن الرائع قموص الرجل، بحجل كانت أو بغير حجل. ولأن جئة في الصهيل تكون بعتق الفرس أبين دليل قال " الجعفي ":
أَما إِذا استدبرتَه فتسوقه ... رِجْلٌ قموصُ الوقْعِ عارية النَّسَا
وقال " لبيد ":
بِأَجَشِّ الصوتِ يَعبوبٍ إِذا ... طرقَ الحَيَّ من الغزوِ صَهَلْ
فيقول الصاهل
أنك لعالم بالعراب، فمن أين لك ذلك والأيام لك شاجنة، ونوبها عندك راجنة؟
فيقول الشاحج
فرض على المنتسب عرفان الخال، ولا سيما إذا كان صاحب الشرف دون الأب. وإذا افتخر " رقيم " بسعد، و" عمرو " بجذيمة، فإنه غير متعد.
فأخبرني، من أين مبدأ سفرك؟.
فيقول الصاهل
من مصر التي قال فيها فرعون: " أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون "؟ تلك صبرة الذهب، وأم النعيم وينبوع النصفة.
فيقول الشاحج
أكرمت أكرمت، القول ما قالت حذام. تلك الحسناء بعدت من الذام.
إن كان للنجم ظهور فإنه بالقمر مبهور. ولكل ما نبت سموق، ولكن فرعت السحوق، وإذا قيل: الدهر، دخل فيه السنة والشهر.
فإلى أين المحرد؟
فيقول الصاهل
إلى حضرة مواس آس، قد بسط آمل الناس؛ أديب آدب ما هو بجديب ولا جادب. كاد يكون عدله في الآفاق مطرًا، وتأرجت البلاد بثناء عليه فهم الجو أن يكون عطرًا. أقام السوق للفصاحة، وأذكى القلوب بالتذكرة، وأيقظ العيون من طول الرقدة.
فيقول الشاحج
صدق زاعم فيما زعم، إنه لكما تصف وأنعم. وهو على إدراكه جدّ العظماء، ضارب بالسّهم الفائز من سهام العلماء. وليس كذلك جماعة الملوك، لأنهم يرهبون فلا يؤدبون، وإذا كان أحدهم صغيرًا، كان في الباطل واللعب مغيرا؛ حتى إذا كبر أنف فلم يستأنف.
وهذا الأمير كما نطق به الكتاب الكريم، من قوله " تعالى ": " ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكمًا وعلمًا وكذلك نجزي المحسنين ".
فالله القادر يبلغه أفضل آمال المجدودين، إذ كان كما قال تعالت كلمته: " وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ".
قد عرف خدع " الأزمان فأصبح من النوب في أمان. يعتقد أن الإنفاق أفضل من الإشفاق، وأن الدرهم إذا جعل في كيس فما يزال في تنكيس.
وإذا هو إلى المقتر دفع، نمى إلى الجو فرفع. وكذلك ينبغي أن تكون شيم الأولياء. زيادتك في در الأيتام، أبقى ذخيرةً من الدر المعتام. ودعاء الفقير أنهض بك من رغاء العقير. وبدارك مغوثة الأرملة، خير من بدرك المكملة. وشاة في يد فقيرك، خير من شاة ترد في وقيرك، إن بقاءها في الفزر، رهن بالنوب لها أو بالوزر، للذي ملكها فلم يزكها، وأرسلها في المرتع فأبسلها. إنما هي معرضة للطارق أو السارق، سيد عمد لها بالتعذيب أو جارمة عيالٍ مثل الذئب. فإذا صارت أضحيةً كانت للناسك تحية.
وذكرٌ باقٍ خيرٌ من سعد راق. إن الذكر من الغير محروسٌ، يلبث فلا يزيله الدروس. فأعط مالك ولو من ذمك، إنه إذا كثر أهمك.

1 / 3

وقد عزمت يا خالي، أن أستودعك رسالةً إلى حضرة هذا الأمير، لتذكر بي ولاة العدل " فإن الذكرى تنفع المؤمنين ". لعل علاوةً تحط عن فودى مثقلٍ، ونزعًا بالغرب يخفف عن خابط عضه، وراحةً ينالها المتعب في النهار والظلم، وعينًا تطلق من السجن الدائم فتبصر الوضح؛ فقد بلغ نسيس الحشاشة وافتقر إلى الكلمة رب الكلمة، واضطر عارٍ إلى سحق النمرة، وألجىء مالك النخل الواعد إلى التمرة؛ ولكل ذي عمودٍ نوى. وكذلك جرت عادة الزمن بتغيير الكينة.
فيكون منك الطول بأن تصل تظلمى إلى الحضرة، فلعلي أنصف مع المظلومين. قد ترى ما أنا فيه، لا يطلب بعد عينٍ أثرٌ، ويريك بشر ما أحار مشفر. والسناسن العارية دلت على البأساء المتوارية؛ وما ظنك بدريس الأهدام؟ وكفى برغائها مناديًا. إذا " ألحت المهرية فلم يبقى عندها من سير جرية، والتلف أهون من الصلف، وموت لا يجر إلى عارٍ، خيرٌ من عيش على رق. وما عبس طأئيٌ في وجه الضيف، إلا وقد صفر وعاؤه من كل طعام. اسق رقاش إنها سقاية.
إني مع الذي ألاقيه من قلة الدعة وعنف السياق، يسوسني أجير كسلان إذا سأله الملاك: أأرويته من سويد؟ قال: نعم. أحششته بعد ذلك؟ أأوسعت له من الحسيك؟ أتفقدته من آثار الأبرار؟ قال: أجل، نعم، حوب!. ويحلف " لهم الحذاء لقد فعل، وهو بشهادة الله أكذب من الشيخ الغريب والأخيذ الصبحان، وتوهم المخفق وتخيل الوالدة، والبرق في عام سنةٍ. والله المستعان على ما بطن من أمر وما ظهر.
ومن العجائب أنه إذا كان يوم أضحى أو فطرٍ، وهم كل تفلٍ بعطرٍ، واهتم المقتر بإخضام العيلة، وسمح للنصب من البهائم بالراحة، وغسل أطماره كل قهلٍ، وضحك إلى أخيه العابس، ورجوت أني لاشتغال الزراع بصلاتهم في العيد وإصابتهم شيئًا مما صنعه الآدميون، أظفر بقسمٍ من الراحة وسهمٍ أنتفع به من الدعة، وإن كان ذلك المرجو أقصر من ظمء الحمار، فإن الظمآن يعتصر بنسيم الريح، والجائع بلوس النواة، ولا أشعر بما في الغيوب. لقد لقى أحد الشركاء في رجلٌ من جيرانه يكرم عليه، فسأله أن يعيرني ولده كي يركب مع الولدان، فأجابه إلى ذلك. فانصرف الرجل إلى ابنه بالحديث، وهو من عرمة الصبيان. فأول ما صنع أن استعار سوطًا من بعض الناس، فإن عدم ذلك أخذ قصيدةً قصيرةً يأمن كسرها عند الضرب.
وبت محدثًا نفسي بالخير، حتى إذا كان بين الفجرين قبل أن يضح منهما المستطير، أحسست ببرة الرتاج تقرع على أهل الدار. فقالوا: من؟.
قال: فلان بن فلان " أنجز حرٌ ما وعد. فقالوا: دونك.
فدخل فحلني من المربط، وذهب فركبني بأغباش الليل، ووضع في مرة سوطٍ أو صدر وبيل. فلما فرق بين الشبحين، وانتشر أضوأ الصبحين، وخرج الفتيان على دوابهم، جعل يحثني بالضرب لأحضر كإحضار الخيل الجامة والشواحج المودعة، وهو على ظهري مثوب: ويبك أما تخب؟ ويبك أما تقرب؟ هيهات هيهات! ما باللمعة حبة، ولا في الأرض المجدبة ربةٌ، ولا بالشاجنة ريةٌ، ولا عند الراعية مفرية.
وهل ترك سغب من مناص؟ إن العير عجز عن القماص؛ إن الخبب وليته الشبب فهو بوجرة أو السماوة، والتقريب أودعته السمسم فألف الجريب.
حتى إذا اليوم متع وجهد أقصى الرمق، عثرت عثرةً فإذا الغلام قد سقط على الأم البرة. فلولا أني خشيت البارىء لوطئت رأسه وطأة متثاقلٍ تلحقه بعادٍ وثمود. ولكني رهبت العاجل من العقوبة، وهبت أن تكون له أمٌ صالحةٌ فتدعو على ملك الملوك. فقام سليمًا من صرعته، يعتمد كشحى بوبيله.
ومن العني والعناء ضجك الفتيان والبهائم علي. القوائم كثيرات الوفز، والثبج لا يخلو من عفز. وقد أثر الكدان في العنق أثرًا أبيض يظنه من جهل برصًا، وليس كذلك. فلو أقمت الشهادة بين يدي قاضي البهائم لما أمنت ألا يقبلها، إن كان يحكم بما في كتاب الدعائم.
وانصرف غير شاكر ولا مشكور. فلما ردني إلى المربط، لم يلبث أن جاء الزارع فحلني للعمل. فيا لك يومًا ما أطول! كان عند غيري كإبهام القطاة، وغاداني بحمى نطاة.

1 / 4

وفي أي شقوة لا أضع معلى القداح؟ ألست في عنبرة الشتاء يأخذ عباءتي الأجير فيتدفأ بها في الليل، فأمارس قرة الأشهبين؟ وإذا نظرت الباقع الموسومة بعين أو عينين، وصار الحائل من الأمكنة نظير الحولاء، وأصبح أثر الأعمى الدار كالعبقرية ما حماه من الشقر " أبو قابوس "، ورعت الكودان الشقر ما يشبه نبت المعرفة من الشقراء، وذلك من النصي المعلول، فحوافري من العفر غبر، إنما تقع بغبراء منعها القدم والسنبك من النبات، وجحافلي من عض المصر متقريات، وأعمامي من القمر الوحشية وربائط الأهل، كأن جحافلها من الخضرة مسبدات المقتبلين.
وإذا لاح الشرطان في السدفة، واختلفت أصوات المطوقات، وهاجت أشجان المتشوقات، وذكرت الشيخ الدالف بعصور الفتيان والشمطاء الهمة بعيش الفتيات، ذكرتني أزمان أنا فلو خلف المقرفة أرتضع ضاويين مثل القرطين. ولا أحفل بوضع القرطان. أهض البهارة بسنابكي، وأفضل الحوذانة لا أبالي، وأخلف المرجقوشة وهي تذمني، وأطفيء عيون العبهر بهزل مني، ولا أكرم نور الأقحوانة لمشاكلته الأشنب من الثغور. آونة لا تعرف وسمًا عنقي، ولم تعقر الطلقة ظهري، ولم يؤثر الدأب في إهابي. لا أقف بذرًا بيطر، ولا أفرح بنزول القطر. فأما الآن فأنا أسر بالغادية من الشاب المعرس بالهدي غير الصلفة. لأنني أنال الراحة إذا الغيث قلد البلاد. وإذا رمقت أحد الفرغين أو الرشاء، دعوت الله أن يريحني من ذات الفورغ ورشاء أحصد فبلغ القتال. وإنما يبكر إلي العامل في الغبش فألمح طوالع النجوم. ولو كنت من أهل الإيمان ورصفاء الطوية لقد أجيبت الدعوة. ولكني أحلف فإذا حنثت لم أكفر، وأخاف أن يحسب ذلك طرفًا من الكفر " وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ": أقسم لا رمت المعلف ولو كسر عليّ القشبار، فإذا جاء السائس وأخذني بالوبيل ألقيت الألية وخرجت ذا إران.
ولعل السامع ينسبني إلى الكفر من أجل مناسبة أبي زياد، اتباعًا لقول الناس في الرجل إذا ضربوا به المثل: هو أكفر من حمار. قال الشاعر:
وغرتني صلاةُ أَبي خُبيبٍ ... يُصلي وهو أَكفرُ من حمارِ
وإنما يعني بذلك " ح بن مويليك بن مالك بن نصر بن الأسد "، وقد قيل إنه رجل من قوم عاد. فأما الحمار الدابة فما الذي أوجب له الكفر وما برح مطية الصالحين؟ وإذا أضنى قرص المغنيات في الهجر إلى غشيان المجنونة، جلدني العسيف جلد العاهر أو القاذف، وقد علم الله براءتي من القراف. وإني لأعرف الطيرة في وجهه وهو فال.
وقد عزمت أن أنظم هذه الصفة في بيتين من الشعر أو ثلاثة، فإنه أسرع إلى حفظ المرسل، وأخصر تكلفًا من اللفظ المهمل. والموزون أذهب لما في صدر المحزون. وما سجع، دونه وإن رجع. والقول المبثوث كالبعير الأورق لا ينبعث وهو محثوث.
وحملني على ذلك، ما قد ظهر على ألسن الناس من أن " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " أعز الله نصره تعالى قد رفع من قدر الشعراء، يعلي مجيدهم ويكرمه، ويعطي المقصر ولا يحرمه، وينقد المنظوم السائر نقد الصيرفي ماله، ويعرف مشكله معرفة السعدي ماله.
ولقد تحدث الناس بأن رجلًا من النظمة مدحه ثم لفظ عصبه من قبل أن تخرج إليه الجائزة. فأمر بإعطائها ورثته. فأشبه فعله في ذلك ما فعله " النعمان بن المنذر " ب " شقيق " لم تمنعه المنية من الظن الحقيق. وفد على " اللخمى الجبر " فجعل حباءه على القبر، حتى جاء آخذ الحباء من أهل الدفين.
وكيف يحجز - أعز الله نصره - عن الحزامة وقد حلب الزمان أسطره وقرأ من كتاب القدر أسطره، وأراه فهمه وفطنته أن المكرمة إذا شهدت لها القافية فهي ببقائها وافية، والمجد إذا حاطته القصيدة لم تعصف به النوب كأنه أصيدة؟ وإذا ضمن حديثًا روى، سلم لصدقه الغوي. ما سار عن " الكندي " وسرى، أبقى على الغير من أبنية كسرى:
والشعر يستنزلُ الكريم كما اسْ ... تَنْزَل رعدُ السحابةِ السَّبَلاَ

1 / 5

فما بالي يا خالي، لا أعرف فيك بشاشة للمسألة؟ لا تكن من الذين إذا طلبت منهم الحاجة سكتوا، وإذا سئلوا في الشيء المعرض نكتوا. اسق نغبة من صفنك يقيض لك ربك من يملأ مزادتك؛ وأطعم المقوي ثمرة من دجوبك يحفظ ربك حائشك؛ وأعن حاطبك بالشبم يعظم نارك، وانصر المظلوم بالكلمة تنثر باليد واللسان؛ واغد البائن أكن معليك، وكن السابق أدع مصليك. وأعر الجازر مدية يطعمك من أطايب الجزور، وأعط المورد مرسًا يور غنمك؛ ولا تضيعن حق الرحم فإنه لا يجهل: إن العامري ليحس للسعدي، وإن الرجل من بلى ينتصر للفتى من ولد مرة بن عوف، وما بينهما إلا صهر البلوية. وحسبك بما يعتقده بنو النجار في بني عبد المطلب؛ وزهرة برسول الله ﷺ أحق من بني أمية. وإن أحياء قضاعة لتعطف على أحياء مدركة، والذي أوجب ذلك ولادة " ليلى " طابخة وأخاه. عند إلياس بن مضر.
وقبلك أحبت كلب بن وبرة " عبد العزيز " ورئمت قيس " بشر بن مروان " وإن القبط لتلزمهم النصرة لولد إسماعيل، من قبل " هاجر " ﵉.
والخال أثبت نسبًا من العم، لأن الرجل يشك في نسبه من قبل أبيه، ولا يشك في نسبه من قبل أمه.
على أن سوء الحظ يرمي الحقوق بالعقوق.
وإن اصطنعتني بيد، جازيتك بثناء مخلد، قال الشاعر:
ارفعْ صديقَكَ لا يَحُرْ بِك ضعفُه ... يومًا فتُدركه العواقبُ قد نَمَى
يَجْزيك أَو يُثنى عليكَ وإنَّ مَنْ ... أثْنى عليك بما فعلت فقد جَزى
وكأني بقلة الجد قد شنعت صوتي في أذنك، وأساءت نقبتي في نظرك، وضعفت حواري في لبك، والقدر نوعان: جد وحد، فالجد يرعى النعم وربه نائم، ويحفظ بيت المكثر وقعيدته غائبة، ويحوط اللاعب وإن لمس بيده الأراقم، ويطعم الهجرس فريس الضيغم، والغراب الأبقع قنيص الباز الأشهب، ويقيم الحرة على رأس الأمة، ويجعل حجل الخدلة في ساق الكرواء، وسوار الغيل الناعم في ذراع المدشاء، ويكسو الوادع وإن غفل عن طلاب الشرف، محاسن المشمر في طلاب المجد والكرم. وينسب إلى البيطن أمطار الشرطين، وإلى الثريا نوء السماك.
والحد، يخرج الأكلة من فم الغرثان حتى يلقيها في جول القليب، ويقلد المخدرة ذات العفة قلائد الرواد المومس، ويجعل ثوب الخرص حليف الإعدام طعمة للغاضية من النيران؛ ويوهم النابل أن قرنه مملوء بالنبل وأنه قد خرس من أجل الكثرة، فإذا عيث يرجع لم يصادف من أهزع؛ ويرد الواردة عن الماء الخضرم تشتكي لهاث الحرة؛ ويعلم الوالدة عقوق الطفل الصغير، ويسلك بالدليل الخريت وادي تؤلة وطريق العنصلين؛ ويوهم صاحب الواعد أن المرجبة حضلت فيرسل عليها الجذوة.
ولا يغرنك ما تراه في الكفل والأقراب من الجلب والندوب، فإن المطر إذا جاد الأرض ضحكت بعد عبوس وخرجت إلى النعمة من البؤس.
فيجوز والله قدير، أن ينطق الصاهل - وهو " تعالى " منطق كل الحيوان فيقول: اطرقي يا ماعلة، وأطري فإنك ناعلة. وانغلي في الشاكلة فإن عليها برجدًا، وأوضعي في الجرد تحتك أجدًا. دعواك من قلة رعواك، ومن أدعى فبئس ما سعى: إن كان صادقًا فالشاهد لنفسه لا يقبل وإن كان كاذبًا فالكذب خبل وخبل:
لم تدعى الأمر لمه
ووكل بلاء بالكلمه
إن كنت يمينًا فالحنث إزاءها قائم، وإن كانت عدة فكأن الخلف عليها دائم، وإن كانت سوفية فأخلق بها ألا توجد وفية. لو ادعت العضاه أن ثمرها البرم، لوقع في نفوس بعض الشجر شك في ذلك؛ أو زعم اليربوع أن الراهطاء ملك يمينه لأمكن في قضاء الله أن ينازعه فيها عضل أو قزلاء؛ ولو خطر في نفس الدرة وهي في المحارة أنها الغريبة من الدر، جاز أن يحولها الله القادر حيوانًا لا ينتفع به، أو نطفة ليست بالمروية.
ويكفيك عيبًا للمدعين، أن رسول الله ﷺ جعل البينة على المدعي، وحسبك بتلك ظنة.

1 / 6

زعمت أني خالك؟! وأين الآفق من اللئيم ولدته غافق؟ وما بين الشربة والصربة من سهمة؟ وما قرابة البيدانة إلى الريدانة؟ ليست الرقلة عمة للشيحة ولا خالة. ما للجبس الهدان وتنسبا في عبد المدان! إن حليف الزارة قد يقرب من الفزارة ولا يكون السبد أخا لبد. فلا تغرنك الأسماء، قبل الشائم كانت السماء. ما العكرمة هتفت بدهل، ك " عكرمة " ولد أبي جهل، ولا الطلحة رعتها الإبل في الروحات، ك " طلحة الطلحات "، ولا السلمة غضبها راع، ك " سلمة " أخي القراع، ولا الثمامة ضعف عودها، مثل " ثمامة " نفس تنجر وعودها، ولا العبس المشموم عند البكرات، من " عبس " التي هي إحدى الجمارت. إنما السمة علم يهدي المكلم به والمكلم. ليس " قتادة " راوي الأخبار مثل القتادة هناتها كالإبار، ولا العوسجة ذات المصع مثل " عوسجة " فتى المصاع، ولا العرفجة صاحبة نار الزحفتين مثل عرفجة ماض منصاع. ولا الرمثة بقلت وأدبت، كرمثة الرجل إذا الفوارس نجبت؛ ولا " عفارة، صاحبة ميمون " من العفارة أتتك بالنور المخزون، ولا " عتر " من: عاد، كعتر نبت في مكان متعاد. أحسبت " النمر " وهو عكلي، مثل النمر جريحه من البر كلي. أم عندك أن " ثعالب جلهمة " كثعالب صادفت مرهمة، فوبرها بالقطر بليل، وكلها إلى قوت العيلة خليل؟ أم ظننت أن " ذئبًا، جد سطيح " كذئب يهتبل بجد نطيح؟ أم " أسدًا وهو أخو كنانة " كأسد حمى البنانة؟ أ " ثعلبة أو قيس " كأم التتفل حليف الكيس؟ أم " عمرو بن معد يكرب " مثل عمر ثنت وقرب ليس ورد ظهر في ربيع الأزمان، كورد قهر في ربيع الغدران. ربما سمى الرجل بحرًا وهو شحيح، أو داء يرهب وجسمه صحيح. أدرع الرود خلقًا أو جديدًا، مثل ما نسجه " داود " حديدًا؟ أعير في الورقة حقير، كعير في الهامة له توقير؟ ما العنتر إذا أكثر ترنمًا، ك " عنتر " في قطيعة يريد مغنمًا. أذباب السيف قطع في القراب، كذباب الصيف نعت بالإطراب؟ ما " أسامة بن زيد " أين ذهب، كأسامة في طرفاء ذعر وأرهب؟ ذلك تقى سري، وهذا الآخر هو القسوري.
أغرك أن جاهلًا من القوم كان يدعو أمك فرسًا؟ ليت لسانه من قبل ذلك أشعر خرسًا. حن شجير في الربابة، وضبح درص في الغابة. كيف تنسب الحواءة إلى السخبرة، والوبر المتوقل إلى وبرة؟ وفي الشجر دوح وسواه، وما أميل الرمل كلواه. وقد فرق أهل المعرفة بين أمك وخالك وبين الخيل العراب، فسموا أمك رمكة وأخاها كودنًا. وإن في ذلك لما يوضح أمرك.
وإذا دعا العيد سيد القوم عمه، فغير آمن أن يرجع لطيم الوجه. وإذا الأمة أرادت أن ترضع ولدها من ثدي الحرة السيدة، جاز أن يرد أملها بالنجه.
ما ظنك ب " جليلة، أخت جساس " يدعوها ابن الراعية: يا خالة؟ وما قولك في " بنت الخرشب أم الكملة " يهتف بها ابن العبد المجدع: يا أمه؟ أيرضى " كليب وائل " أن يكون خالًا لابن المحتطبة؟ أم يقر " بنو بدر على أن يكونوا للحبشة أسرة؟ انظر في ذلك فرب جناية لم تأت بكناية.
وأما شكيتك ما تلقاه من أحداث الزمان، فإن أقدار الله جرت على الأذلال. وهل يملك أحد رد الأقدار؟ ما تقول في القمر لو شكا الدأب في ليل ونهار؟. أصرف مذ عنه إلى سواه إلا أن يقضى ربك نقض المرة وتغير الفلك؟ ولو شكا " ثبير أو نعمان " ما يلاقيه من حرور القيظ وأريز الشتاء، هل كان إلى دفع ذلك عنهما سبيل للمخلوقين؟ ولو زعم القراح أنه يلقى شدة من الكراب والدبل، هل وجد آويًا له من ذلك؟ أرأيت القتادة لو ذكرت أن الشوك يبعث إليها الألم، هل قدر آس أن يداويها من ذلك حتى تنبت وليست بالشاكة؟ هذه " عين أثال وغمازة " لو شكتا ورد الوحش خبطهما بالحوافر، هل زوي عنهما ذلك بحيلة من البشر؟ وأي شيء من أصناف الحيوان لا ينصب ويقصب؟ ألا تعلم أن بني آدم ملوك الأرض، لا يعدمون هما آبًا وسهمًا من سهام القدر صائبًا؟ في كل صدر من الناس شجون، ولكل نطفة أجون.
فأما نحن معاشر الجبهة، فترمى بوادينا الغمرات وتشهد على ظهورنا الغارات. وقلما اطرد فريقان من العرب إلا وأجلى النقع الثائر عن قتيل منا وعقير. وبذلك سلفت العادة من قديم الزمن. ألم يبلغك المثل في يوم " شعب جبلة " وهو قول القائل: " كالأشقر إن تقدم نحر وإن تأخر عقر "؟ وقال " الجرمي " في " يوم الكلاب ":
فِدًى لكما رِجْلَيَّ أُمِّي وخالتي ... غداةَ الكلابِ إِذ تُحَزُّ الدوابرُ

1 / 7

كم بين معيشة في دعة، وكبد بالأسنة متصدعة! وإن كانت الشواحج في شقاء فإنها لا تهلك أوان اللقاء. إنما تحضر الهيجاء معينة على حمل الأثقال، فلا يعمد إليها الطاعن بإرقال؛ ولا تبيت من شهود الغارة وجلة، مبطئة كانت أو متعجلة. وإنما يفرق من اعتراك القوم فرس يلقى الصوارم بهاديه، ويعاين الشجب فيراديه. هل حدثت بواحد من أصحابك هلك بطعنة أو ضربة؟ فأنتم من ذلك مثل حمام الحرم إنما يأتيها الموت بيد القضاء فتموت حتف الآنف؛ فأما نحن فنباشر الشوكة إذا واجهنا الفئة، ولا نأمن حدها عند المنصرف. ورب ميت منا في الشأو المغرب، كظه الدأب والغاية إلى أن فاظ.
وقد افتخر " الجعدي " فقال:
وإِنا لَحَيُّ ما نعوِّدُ خَيْلَنا ... إذا ما التقينا أَن تَحيدَ وتنفِرا
ونُنكِرُ يومَ الروع أَلوانَ خيلِنا ... من الطعنِ حتى نَحسَب الجوْنَ أَشقرا
فليس بمعروفٍ لنا أَن نردَّها ... صِحَاحًا ولا مُستَنكرا أَن تُعَقَّرا
وقال " عامر بن الطفيل " وعقر فرسه:
ونعم أَخو الصعلوكِ أَمسِ تركتُه ... بتُضروعَ يَمْرِى باليدين ويَعسِفُ
وقال " عروة بن الورد ":
أَقِيه بنفسي في الحروب وأَتَّقي ... بهادِيه، إِني للخَليلِ وَصُولُ
فمتى أصاب أحدًا من رهطك سنان بشر، أو قتل في كر وفر؟ وهل حدثت عن بعض أسرتك أن مهندًا أفرى عنقه، أو أصاب المفصل فطبقه؟ وأكل أبناء أبيك محرم في الملة، فقد أمن كلها حد المدية وغليان المرجل، وأن تهرأ بضيعه الإرة. ونحن لسنا كذلك، بل كانت العرب تأكل لحومنا في الجاهلية، وتركها الشرع الوارد، على تلك السكنة. أليس " حاتم " والمثل به مضروب في الكرم، عقر فرسه لامرأة طرقته معها أيتام؟ ولعل " اليحموم " وهو لركاب " النعمان " ما فقد أذية من الدهر، وإنه لطرف الملك، فما ظنك بطرف المتصعلك؟ وبنو آدم، كما علمت، لا يحفظون الخلة ولا يراعون الخدمة. أليس أعمامك وأبوك من أعظم دوابهم نفعًا وأقلها شماسًا ونفرًا؟ يركبهن الشيخ الهرم والطفل المتعرم وهما آمنان من السقطة وسوء العاقبة، وتردها للحاجة الكبيرة المهترة والكعاب المتسترة، ما لقيت في ذلك عنتًا ولا عنفًا. وقد يكون بعضها عند المقتر أبي السلفان، فإذا كان الأفق كالمريب من بياض الضريب، وكان ذلك في عين البائس المعود أقبح من الوضح في عين المتهود، حطب عياله عليه فجاءهم بأجدال الشجر وجزل القطيل، فأوسعهم من جمر يتلهب، ودون في صرف القر الذهب. فإذا حطبهم الكفاية عدل بالعضد إلى المبتاعين فباع بالدرهمين مرة أو الدرهم، وجعله في الأمر الأهم: من شراء جابر بن حبة والمضيء بن الضروة وإذا كان زمن الرقاع نقل إلى مكان الشغلة ما هذ بمخالب العالمين من لغيف وأرنيف وإذا ركى القوم نكز، جلب عليه الشرب الناقع فأروى الدردق وشرب منه الصادون، ومن رغب في غسل وطهور. وهو في ذلك إذا عثر على بعد لعنه، وإن كان مكثبًا تناله اليد، وكزه بالمطرق أو طعنه. وليس في الحنادس المظلمة بتارك له من استعمال فيما عد بقليل من المصلحة، أو يمتهنه في بعض الأرجاء، حتى يكون ما كسبه المجترح من الحبوب طحنًا يقدر على استعماله باشر أو باكل، هو لجشب الطعام آكل.
ولم يكف ولد الإنسان ما أحلوا بأسرتك من الكد والهون، حتى أتبعوا ذلك قبيح المقال، فضربوا المثل بهن في الذل، وقرنوا إليهن في التشبيه من يستغبون من الرجال. وقال قائلهم على وجه الدهر:
إِنَّ الهوانَ، حِمارُ الأَهلِ يَعرفُه ... والطِّرْفُ يُنكرُه والجَسْرةُ الأُجُدُ
وقال الشاعر:
وما المولَى وإِن عَرُضَتْ قَفاه ... بأَحْمَلَ للملاوِم من حِمَارِ
وشر من ذلك ما فعله " الدارمي " من السوءة الباقية على الأيام: لما سب " جريرًا " وقومه، قذفهم بالذي يكنى عنه فقال:
لعلك في حدراءَ لُمْتَ على الذي ... تخيرت المِعْزَى على كلِّ حالبِ
عطيةَ، أَو عبدٍ سواه كأَنه ... عطيةُ زوجٍ للأَتانِ وراكبِ
إلى غير ذلك مما ثبت في الصحف ودون، وتناقلته الرواة في عصر بعد عصر.
وتلك الآبدة، لا وسم في العلباء وتوقيع في الملبد، ونعوذ بربنا من خزي الأبد.

1 / 8

سب صاحبك وكل خيزبته، ولا تذكر في ذلك معرفته. اضرب عسيفك واغصبه قبضه، واحذر أن تقذف ربضه. جعل في النساء ما ليس هو من أمر النساء. يغفر لك ظلم الأيام ولا يغفر قبيح الشتام. من قذف بكلمة في المنطق أخف من حصاة الخذف، فهي أثقل من الهضبة عظمت عن نزع وقذف. إذا عرفت من عبدك ملأمة، فلا تعيبن امرأته الأمة.
لا تصبر الأجمال الوانية إن قيل إن الناقة زانية. ولكن الأنيس إذا عرفوا ذلة ذليل طمعوا، وإذا لقوا بالعزة نقضوا الذي أجمعوا، لا تفرق رءوس العيدان من وطء الناقذ ولا الهدان؛ والقمر لا يلحق به الغمر. ولا تشد الرحالة على ثبج بحر زاخر، ولا تناط الخزامة بأنف جمل قفاخر؛ ولا يلعب صبي بالصل ولا بالمرمة بنت الظل؛ إنما توطأ مغاريد القاع ويخزم أنف جمل وقاع، ويجترأ على ظهر ذلول، ويلعب الطفل بولد العكرشة، ما أهون دمه من مطلول.
وفي الحرملة طمع الأرملة. والصدق أنبأ عنك صاحبك، ونهاه أن يناحبك.
والإنس لا تحفظ محارم الإنس فما ظنك بغير ذلك؟ العرب غزت الروم فقلدت بناتها الكروم، وما ذلك لكرم المسبية بل لحاجة في الصدر خبية. والروم غزت العرب فلقيت البأس والحرب. وإذا كان الإنسى لا يعرف قرابة إنسى فهل ترجوه للحفاظ راعية ذبح بالبسى؟ وإذا رأيت النمر لا يبر النمر فلن يبر الظبي الخمر. وإذا أضحى الأسد غير مشفق على الشبل فما يشفق على أولاد الإبل. وإذا نشأت الحجر العربية ترمح عن الظبي المهر، فهل ترضع جآذر الصوار الزهر؟ وإذا غدت السعدانة لا تغر جوازل أختها الفقيدة، فالنسر وإن ضرب به المثل في البر، أجدر أن لا يلتفت إلى غربج للورقاء المصيدة. إن الصورة توجب مودة مصورة، واختلاف الصور لا يلام أهله على الزور. ألا ترى ما فعله بنو آدم في أولاد " الجديل " وغيره من فحول الإبل؟ حملتهم في كل سفر فلم يرعوا ذلك لبنات " العيد ". وقضوا على ظهورها ما صعب من مآرب النفوس، فما عرفوا تلك العارفة لطليح معكوس. تحمل الرجل ناقة مالعة ما هي في سيره والعة، ويكون قصده بها أرض الحرم آملًا أن تغفر ذنوبه، وقد كثرت في الآثام عيوبه، فتلقى تحته من الظمإ ومراس الخنتار ما يهون عليها الشجب.
تحمل المزادة المروية وكبدها صادية، وتصمت عن اقتضائه بالمأربة والحاجة بادية. حتى إذا أتهم بها المغذ، خطىء فرمي صيدًا، فعقر تلك الناجية فيدًا فيدًا. فلا إله إلا الله، يتحرج ابن آدم من إلحاق المخشي بحيوان وحشي، فيغسل حوبه فيما يزعم بقتل حيوان قد صحبه وفعل معه خيرًا واستوجبه: حمل رحله وزاده حتى آب من السفر بلاده. فأي أقرب وسيلة: أربداء تصاحب حسيلة، أم وجناء أذهبت نقيها لسيرك وكان لبنها من ميرك، وقتها فيما غبرك من الدهر مثل ما تقوت عيلتك؟.
ومن عجائب فعال الإنس أنهم إذا أرادوا سلوك بلد معطشة ظمئوا الإبل عشرًا حتى إذا لم يترك الظمأ لها أوردوها الرفه، ثم سلكوا بها المفاور فإذا " عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " الماء بقروا بطونها فشربوا الفظ. وقد وصفوا ذلك وتناقلوه، فقال " علقمة بن عبدة ":
وقد أُصاحبُ أَقوامًا طعامُهمُ ... خُضْرُ المَزادِ ولحمٌ فيه تَنشِيمُ
وقال الشاعر:
سَقَيناهن رِفْهًا بعد عِشْرٍ ... وأَوْكرنا المزادَ من الكُبودِ
وقطَّعنا مشافِرَها وخِفنا ... تجرُّرَها، فما اجترتْ بِعُودِ
وأنشد " أبو عمران الكلابي ":
أَوْنًا فقد إِنَّا على الطُّلُحِ ... أَيْنًا كأَيْنِ الحافرِ المُوَكَّحِ
نرمي بها كلَّ تنوفية ... غبراءَ مثل الأَنجمِ اللُّمَّحِ
مَزادةُ الراكب فيها إِذا ... لم ينتضِ المخصفَ لم تُفتح
وقال الشاعر:
ضمِنَتْ لهم أَرماقَهم إِسآدُها ... وجُرومُها كأَهِلَّةِ النحل
ورَدوا بأَرشية الحديد ففرَّجوا ... عن ثائر الجنَبات كالغِسْلِ
وشربوا دماءها فصدًا في الجدب، وأكلها فقراؤهم ميتة، وقالوا في المثل: " لم يجزم من فزد له " - يريدون: فصد له، فسكنوا الصاد على لغة ربيعة، ثم أبدلوا منها الزاي - فسبحان الله، قضوا عليها من قبل التلف أمورًا، وجعلوا بطونهم لها من بعد قبورًا! وليس ذلك من كرامتها عليهم. كان لبعض لأعراب جمل فكان يعمل عليه ويتعبه، فتنبل، فجعل يأكل لحمه ويقول:

1 / 9

إِن السعيدَ من يموتُ جَمَلُه
يأكلُ لحمًا ويَقِلُّ عمَلُه
ثم رئي بعد أيام، وقد ساءت حاله لفقد كد ذلك الجمل، وهو يقول:
من يشإِ الرحمنُ يُقَلِّلْ خيْرَه
ما وجد الموتُ بعيرًا غيره
ومت صبر شيء من البهائم على عنت بني حواء، ما صبرته الإبل: أنضوها سيرًا، وقروها في التنوفة سباعًا وطيرًا. قال " أبو زبيد الطائي " يذكر مساحي حفر بها قبر:
لها صواهلُ في صُمِّ السِّلامِ كما ... صاح القَسِيَّاتُ في أَيدي الصياريف
كأَنهن بأَيدي القومِ في كَبَدٍ ... طيرٌ تعيفُ على جُنٍ مَزاحيفِ
وقال " ذو الرمة ":
ومثلُكِ أَو خيرٌ تركتُ رَذِيَّةً ... تُقَلِّب عينيها إِذا طار طائرُ
وأشنع من ذلك كله، ما ذكره " الفزاري جويرية بن أسماء " مفتخرًا به، من أن ذئبًا تعرض له في السفر فعقر له راحلته، وقال يتكثر بذلك:
ولقد أَلَمَّ بنا لنقريه ... بادِي الشقاء محارَفَ الكسبِ
يدعو الفنا إن نال عُلْقتَه ... من مَطْعَمٍ غِبًّا إِلى غِبِّ
وطوَى ثَميلتَه فأَلحقها ... بالصلبِ بعد لدونةِ الصلْب
يا ضلَّ سعيُكَ ما صنعتَ بما ... جمَّعت من شبٍّ إِلى دبِّ
فجَعلتَ صالحَ ما احترشتَ وما ... جمَّعت من نَهْبٍ إِلى نَهْبِ
وأَظَنَّهُ شغْبٌ يُدلُّ به ... فلقد مُنِيتَ بِغَايَةِ الشغْبِ
إِذ ليس غير مَنَاصلٍ نعصى بها ... ورحالِنا وركائبِ الركبِ
فاعمِدْ إِلى أَهل الوقير فإِنما ... يَخشى شَذاكَ مُقرقصُ الزَّرْبِ
أَحَسِبْتَنا ممن تُطيف به ... فاخترتَنا لِلأَمْنِ والخِصْبِ
وبغيرِ معرفةٍ ولا نَسَبٍ ... إِنَّا وشعبَكَ ليس من شعبِ
لما رأَى أَنْ ليس نافعُه ... جِدًّا، تهاوَن صادقَ الإِرْبِ
وأَلَحَّ إِلحاحًا بحاجتِه ... شكوى الضريكِ ومزجَرَ الكلب
ولَوى التكلُّحَ يشتكي سغَبًا ... وأَنا ابنُ قاتلِ شدةِ السغبِ
فرأَيتُ أَن قد نِلتُه بأَذى ... من عَذْمِ مَثْلَبةٍ ومن سَبِّ
ورأَيتُ حقًّا أَن أُضَيِّفَه ... إِذ رامَ سَلْمِي واتقى حَرْبي
فرمقتُ مُعتامًا أزاوِلُها ... بمهنَّدٍ ذي رونقٍ عضْب
فعرضتُه في سَاقِ أَسمنِها ... فاحتاذ بين الحاذِ والكعب
فتركتُها لعيالِه جَزَرًا ... عمدًا، وعلَّق رحْلَها صحبي
فهذا أحق بمطيته من السري تعذيبًا، ثم قراها بعد العنت ذيبًا.
أليس في حكم الشرع أن راحتله أوجب عليه حقًا من السيد، كما أن مناسبه أوجب عليه حرمة من البعيد؟ ولو أنه ضيف إنسي، لعذر أنه جنسي.
وأما المثيرات الكوارب، فاستعملوهن ثم أكلوهن! وإنك لترى الحنتر من بني آدم يملك الصغير من أولاد النخة فيشفق عليه إشفاقه على الولد، حتى إذا أمكن أن يعمل عليه، أدناه للأرعوة والغبقة والعيان، فابتغى من رزق الله عليه ريع أرضه في كل الربوع. حتى إذا أسن وعلم أنه لم يبق عنده غناء في العمل، جمع له سفير الضرف والسروع.

1 / 10