Réponse à Ibn al-Nagrilat le Juif
رد على ابن النغريلة اليهودي
Enquêteur
د . إحسان عباس
Maison d'édition
المؤسسة العربية للدراسات والنشر
Édition
الثانية
Année de publication
1987 م
Lieu d'édition
بيروت / لبنان
[رسالة في الرد على ابن النغريلة اليهودي]
[ 47 - أ ب ] رد أبي محمد بن حزم على ابن النغريلة اليهودي لعنه الله
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين وصلى الله على سيدنا محمد وآله قال أبو محمد علي بن أحمد بن حزم رضي الله عنه : الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا وصلى الله على سيدنا محمد عبده ورسوله وسلم تسليما ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم :
1 - اللهم إنا نشكو إليك تشاغل أهل الممالك من أهل ملتنا بدنياهم عن إقامة دينهم ، وبعمارة قصور يتركونها عما قريب عن عمارة شريعتهم اللازمة لهم في معادهم ودار قرارهم ، وبجمع أموال ربما كانت سببا إلى انقراض أعمارهم وعونا لأعدائهم عليهم ، وعن حياطة ملتهم [ بها ] عزوا في عاجلتهم وبها يرجون الفوز في آجلتهم حتى استشرف لذلك أهل القلة ( 1 ) والذمة ، وانطلقت ألسنة أهل الكفر والشرك بما لو حقق النظر أرباب الدنيا لاهتموا بذلك ضعف همنا ، لأنهم مشاركون لنا فيما يلزم الجميع من الامتعاض للديانة الزهراء والحمية للملة الغراء ، ثم هم متردون بما يؤول إليه إهمال هذا الحال من فساد سياستهم والقدح في رياستهم ، فللأسباب أسباب ، وللمداخل إلى البلاء أبواب ، والله اعلم بالصواب . وقد قال علي بن العباس ( 2 ) : لا تحقرن سبيبا . . . كم جر أمرا سبيب وقال أبو نصر ابن نباتة :
Page 41
فلا تحقرن عدوا رماك . . . وإن كان في ساعديه قصر فإن السيوف ( 1 ) تجذ الرقاب . . . وتعجز عما تنال الإبر لاسيما إن كان العدو من عصابة لا تحسن إلا الخبث مع مهانة الظاهر فيأنس المغتر إلى الضعف البادي ، وتحت ذلك الختل والكيد والمكر ، كاليهود الذين لا يحسنون شيئا من الحيل ( 2 ) ولا آتاهم الله شيئا من أسباب القوة وإنما شأنهم ( 3 ) الغش [ 148 / أ ] والتخابث والسرقة ، على التطاول والخضوع ، مع شدة العداوة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم .
2 - وبعد فإن بعض من تقلى قلبه ( 4 ) للعداوة للإسلام وأهله وذوبت كبده ببغضه الرسول صلى الله عليه وسلم من متدهرة الزنادقة المستسرين بأذل الملل وأرذل النحل من اليهود التي استمرت لعنة الله على المرتسمين بها ، واستقر غضبه عز وجل [ على ] المنتمين إليها ، أطلق الأشر لسانه ، وأرخى البطر عنانه ، واستشمخت لكثرة الأموال لديه نفسه المهينة ، وأطغى توافر ( 5 ) الذهب والفضة عنده همته الحقيرة ، فألف كتابا قصد فيه ، بزعمه ، إلى إبانة تناقض كلام الله عز وجل في القرآن اغترارا ( 6 ) بالله أولا ، ثم بملك ضعفة ( 7 ) ثانيا ، واستخفافا بأهل الدين بدءا ، ثم بأهل الرياسة في مجانة ( 8 ) عودا ؛ فلما اتصل بي أمر هذا اللعين لم أزل باحثا عن ذلك الكتاب الخسيس لأقوم فيه بما أقدرني الله عز وجل عليه من نصر دينه بلساني وفهمي ، والذب عن ملته ببياني وعلمي ، إذ قد عدمها ، والمشكى إلى الله عز وجل ووجود الأعوان والأنصار على توفية هذا الخسيس الزنديق المستبطن مذهب الدهرية في باطنه ، المكفن بتابوت اليهودية في ظاهره ، حقه الواجب عليه من سفك الدماء واستيفاء ماله وسبي نسائه وولده ، لتقدمه طوره وخلعه الصغار عن عنقه ، وبراءته من الذمة الحاقنة ( 1 ) دمه ،
Page 42
المانعة من ماله وأهله ، وحسبنا الله تعالى ونعم الوكيل . فأظفرني القدر بنسخة رد فيها عليه رجل من المسلمين ، فانتسخت الفصول التي ذكرها ذلك الراد عن هذا الرذل الجاهل ، وبادرت إلى بطلان ظنونه الفاسدة بحول الله تعالى وقوته ؛ ولعمري عن اعتراضه الذي اعترض به ليدل على ضيق باعه في العلم ، وقلة اتساعه في الفهم على ما عهدناه عليه [ 148 ب ] قديما ، فإننا ندريه عاريا إلا من المخرقة ، سليما إلا من الكذب ، صفرا إلا من البهت ؛ وهذه عقوبة الله تعالى المعجلة لمن سلك مسلك هذا الزنديق اللعين مقدمة ، أما ما أعد الله له ولأمثاله من الخلود في نار جهنم [ فهو ] المقر لعيون أولياء الله عز وجل فيه وفي ضربائه ، وبالله تعالى التوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
3 - الفصل الأول :
فكان أول ما اعترض به هذا الزنديق المستسر باليهودية ، على القرآن بزعمه أن ذكر [ قول ] لله عز وجل : { وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك } ( النساء : 78 ) قال هذا المائق ( 2 ) الجاهل : فأنكر في هذه الآية تقسيم القائلين بأن ما أصابهم من حسنة فمن الله وما أصابهم من سيئة فمن عند محمد ، وأخبر أن كل ذلك من عند الله ؛ قال : ثم قال في آخر هذه الآية : { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } ( النساء : 79 ) قال هذا الزنديق الجاهل : فعاد مصوبا لقولهم ومضادا لما قدم في أول الآية :
4 - قال أبو محمد بن حزم : لو كان لهذا الجاهل الوقاح أقل بسطة أو أدنى حظ من التمييز لم يتعرض بهذا الاعتراض الساقط الضعيف ، والآية المذكورة مكتفية بظاهرها عن تكلف تاويل ، مستغنية ببادي ألفاظها عن تطلب وجه لتأليفها ، ولكن جهله أعمى بصيرته وطمس إدراكه . وبيان ذلك أن الكفار يقولون : إن الحسنات الواصلة إليهم هي من عند الله عز وجل وان السيئات المصيبة لهم ( 3 ) في دنياهم هي من عند محمد صلى الله عليه وسلم ، فأكذبهم الله تعالى في ذلك ، وبين وجه ورود حسنات الدنيا وسيئاتها على كل من فيها بان الحسنات السارة هي من عند الله تعالى بفضله على الناس ، وان كل سيئة يصيب الله تعالى بها إنسانا في دنياه فمن [ 149 / أ ] قبل نفس المصاب بها بما يجني على نفسه من تقصيره فيما يلزمه من أداء حق الله تعالى الذي لا يقوم به أحد ، وكل ذلك من عند الله تعالى جملة ، فأحد
Page 43
الوجهين ( 1 ) وهو : الحسنات فضل من الله تعالى مجرد لم يستحقه أحد على الله تعالى إلا حتى يفضل به عز وجل من احسن إليه من عباده ، والوجه الثاني وهو السيئات تأديب من الله تعالى أوجبه على المصاب بها تقصيره عما يلزمه من واجبات ربه تعالى .
5 - ولا يستوحشن ( 2 ) مستوحش فيقول : كيف يكون النبي صلى الله عليه وسلم المخاطب بهذا الخطاب مقصرا في أداء واجب ربه تعالى فليعلم أن التقصير ليس يكون معصية في كل وقت ، وإنما يكون النبي عليه السلام منزها عن تعمد المعصية صغيرها وكبيرها . وأما تأدية شكر الله تعالى وجميع حقوقه على عباده فهذا ما لا يستوفيه ملك ولا نبي فكيف من دونهما ، كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' إن أحدكم لا يدخل الجنة بعمله ' فقيل له : ولا أنت يا رسول الله فقال : ' ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ' ( 3 ) ، أو كما قال عليه السلام .
6 - فإنما أنكر الله تعالى على الكفار في الآية المتلوة آنفا قولهم للنبي عليه السلام : عن ما أصابهم من سيئة فهي منك يا محمد ، وأخبر عز وجل أنها من عند أنفسهم ، وأن كل ذلك من عند الله تعالى ؛ فلم يفرق المجنون بين ما أوجبه الله تعالى من أن كل من أصابته سيئة فمن نفسه ، وبين ما ذكر الله تعالى من قول الكفار لمحمد صلى الله عليه وسلم : إن ما أصابهم من سيئة فمنك يا محمد . فأي ظلم يكون اعظم من ظلم من جهل أن يفرق بين معنيي هذين اللفظين
7 - وإنما كان الكفار يتطيرون بمحمد صلى الله عليه وسلم عندما يرد عليهم من نكبة تعرض لهم ( 4 ) بكفرهم وخلافهم له عليه [ 149 ب ] السلام ، كما تطير إخوانهم قبلهم بموسى صلى الله عليه وسلم إذ قال تعالى حاكيا عنهم قولهم : { فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله } ( الأعراف : 131 ) . وما أرى هذا الزنديق الأنوك إذ ( 5 ) اعترض بهذا الاعتراض كان إلا سكران الخمر ، وسكر عجب الصغير إذا كبر
Page 44
، والخسيس إذا أشر ، والذليل الجائع إذا عز وشبع ، والسفلي إذا أمر وشط ، والكلب إذا دلل ونشط ، فإن لهذه المعاني مسالك خفية ( 1 ) في إفساد الأخلاق التي تقرب من الاعتدال . وكيف بخلق سوء متكرر في الخساسة والهجنة والرذالة والنذالة واللعنة والمهانة ولله در القائل ( 2 ) : [ إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ] . . . وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا ووضع الندى في موضع السيف بالعلا . . . مضر كوضع السيف في موضع الندى وهذا الذي قلنا هو المفهوم من نص الآية دون تزيد ولا انتقاص ولا تبديل لفظ ، والحمد لله رب العالمين كثيرا .
8 - ولكن لو تذكر هذا المائق الجاهل ما يقرأونه في كفرهم البدل وإفكهم المحرف بأخرق تحريف وأنتن معان - حاشا ما خذلهم الله تعالى في تركه على وجهه ليبدي فضائحهم ، فأبقوه تخبيثا من الله تعالى لهم ليكون حجة عليهم ، من ذكر عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم - في كتابهم الذي يسمونه : ' التوراة ' إذ يقولون فيه في السفر الرابع عن موسى صلى الله عليه وسلم انه قال مخاطبا لله عز وجل ( 3 ) : ' يا رب كما حلفت قائلا : الرب وديع ذو حن عظيم بعفو عن الذنب والسيئة وليس ينسى شيئا من المآثم ، الذي يعاقب بذنب الوالد الولد في الدرجة الثانية والرابعة ' . ويقرأون فيه أيضا في أول السفر الأول ( 4 ) : ' إن قاين ابن آدم عاقبه الله في السابع من ولده ' ثم يقرأون في الكتاب المذكور نفسه في السفر [ 150 و ] الخامس منه : ' إن الله تبارك وتعالى قال لموسى : لا تقتل الآباء لأجل الأبناء ، ولا الأبناء لأجل الآباء ، ألا كل واحد يقتل بذنبه ' - فلو تفكر هذا الجاهل المائق وعظيم التناقض لشغله عظيم مصابه عن أن يظن بقول الله تعالى الذي هو الحق الواضح الواحد غير المختلف : { قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا * ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } وهذا قد بيناه
Page 45
كما مر آنفا انه لا مجاز للتناقض فيه أصلا ، وإنما التناقض المحض ما نسبوا إلى موسى عليه السلام من أنه قدر بربه أنه يغفر الذنب لفاعله ، ويعاقب بذلك الذنب من كان من ولد المذنب في الدرجة الرابعة ، ثم يقول في مكان آخر : أن لا تقتل الأبناء لأجل الآباء ولا الآباء لأجل الأبناء ، هذا مع إقرارهم بأنه ليس في التوراة ذكر عذاب ولا جزاء بعد الموت أصلا ، وإنما فيها الجزاء بالثواب والعقاب في الدنيا فقط ، فهذا هو التناقض المجرد الذي لا خفاء به ، وبالله تعالى التوفيق .
9 - الفصل الثاني :
وكان مما اعتراض به أيضا ان ذكر قول الله تعالى : { أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها دماءها ومرعاها والجبال أرساها } ، ( النازعات : 27 - 32 ) قال : فذكر في هذه الآية [ أن ] دحو الأرض وإخراج الماء والمرعى منها كان بعد رفع سمك السماء وبعد بنائها وتسويتها وإحكام ليلها ونهارها ، ثم قال في آية أخرى : { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات ، وهو بكل شيء عظيم } ( البقرة : 29 ) قال : فذكر [ في ] هذه الآية ضد ما في الأولى ، وذلك أن هذه التسوية للسماء كانت بعد خلق ما في الأرض .
10 - قال أبو محمد : والقول في هذا كالقول [ 150 ب ] في التي قبلها ولا فرق وهو : ان بظاهر هاتين الآيتين يكتفى عن تطلب تأويل أو تكلف مخرج وهو : انه تعالى ذكر في الآية التي تلونا أولا أنه عز وجل بنى السماء ورفع سمكها وأحكم الدور الذي به يظهر الليل والنهار ، وأنه بعد ذلك أخرج ماء الأرض ومرعاها وأرسى الجبال فيها . وذكر تعالى في الآية الأخرى ان تسويته تعالى السموات سبعا وتفريقه بين تلك الطرائق ( 1 ) السبع التي هي مدار الكواكب المتحيرة والقمر والشمس كان بعد خلقه كل ما في الأرض . فلم يفرق هذا الجاهل المائق بين قوله تعالى : إنه سوى السماء ورفع سمكها وبين قوله تعالى : إنه سواهن سبع سموات . فهل بعد هذا العمى عمى ، وبعد هذا الجهل جهل
11 - وإنما أخبر تعالى ان تسوية السماء جملة واختراعها كان قبل دحو الأرض ، وأن دحوه الأرض كان قبل أن تقسم السماء على طرائق الكواكب السبع ، فلاح أن الآيتين متفقتان يصدق بعضهما بعضا . ولكن ليذكر هذا الجاهل على
Page 46
ما يفتتحون به كذبهم المفترى وبهتانهم المختلق الذي يسمونه ' التوراة ' إذ يفترون ( 1 ) ان الله تعالى خلق إنسانا مثله ، ولم يكن انفرد عنه تعالى إلا بشيئين : علم الشر والخير ، ودوام الخلود والحياة ، وأن آدم صلوات الله وسلامه عليه أكل من الشجرة التي فيها علم الخير والشر ، فلما خالفه عظم ذلك عليه ؛ قال : هذا آدم أكل من الشجرة التي بها يكون علم الخير والشر فساوانا في ذلك ، فإن أكل من شجرة الحياة حصل على الخلد فكان مثلنا لا فضل لنا فيه ، فجعل يخرجه من الجنة وفي يده سيف يذود به شجرة الحياة ( 2 ) . حتى لقد انسخف ( 3 ) جماعة من نوكاهم إلى ان قالوا : إن لآدم كان إنسانا من نوع الإنس الذي نحن منه ، حصل على [ 151 / أ ] أكل شجرة الحياة فزاد ( 4 ) بهاؤه وحصل له الخلد . فلو أن ( 5 ) هذا الخسيس الجاهل تبرا إلى الله تعالى من المظاهرة لهذا الوضع وهذا الإعتقاد الساقط لكان أحظى ( 6 ) له . ولكن يأبى الله تعالى إلا أن يجعل له الخزي والمهانة ، ويؤجل له الخلود بين أطباق النيران المعدة له ولأمثاله ولأشباهه والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا .
12 - الفصل الثالث (7):
وكان مما اعترض به أيضا ان ذكر قوله عز وجل { قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين } إلى منتهى قوله في الآية نفسها { وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين } ( فصلت : 10 ) قال : فذكر في هذه الآية خلق الأرض في يومين وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام ، فهذه ستة أيام ، ثم ذكر قوله تعالى { ثم استوى إلى السماء وهي دخان } ( فصلت : 11 ) إلى منتهى قوله تعالى { فقضاهن سبع سموات في يومين } ( فصلت : 12 ) . ثم ذكر قوله تعالى { ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام } ( ق : 38 ) .
13 - قال أبو محمد : والقول في هذه الآيات كالقول في التي مضى فيها الكلام ولا فرق ، وهي أنها تكتفي بظاهرها عن تكلف تأويل لها ، وأنه لا
Page 47
يظن في شيء من هذا كله اختلافا ( 1 ) إلا عديم العقل سليب التمييز مطموس عين القلب ظليم الجهل ، لأنه تعالى إنما ذكر خلق الجميع من السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ، فسر لنا تعالى تلك الأيام الستة ، فمنها يومان خلق فيهما ( 2 ) الأرض ومنها أربعة أيام قدر في الأرض أقواتها ، وأنه تعالى قضى السموات سبعا في يومين ، وقد صح بما تلونا قبل أن تسويته تعالى السموات سبعا كان بعد خلقه لما في الأرض جميعا ، فاليومان اللذان خلق [ الله ] تعالى فيهما السموات سبعا هما اليومان الآخران من الأربعة [ 151 ب ] الأيام التي قدر فيها أقوات الأرض لأن التقدير هو غير الخلق ، لان الخلق هو الاختراع والإبداع وإخراج الشيء من ليس إلى أيس بمعنى من لا شيء إلى ان يكون شيئا موجودا . وأما التقدير فهو الترتيب وإحكام الأشياء الموجودات بعد إيجادها ، وهذه معان لا يعلمها إلا من أعز الله تعالى نفسه من ذوي الهمم الرفيعة ، المترفعة عن مهانة الإساءة ودناءة المعايش ، القاصدة ( 3 ) إلى طلب المعاني الفاضلة ( 4 ) والحقائق المؤدية إلى معرفة الله تعالى ، ومعرفة رسوله صلى الله عليه وسلم ، والدخول في ظل الإسلام والملة الحنيفية المصحبة من الله تعالى السعد في الدنيا والنصرة والعزة ، المتكفل لها في الآخرة بالفوز بالجنة والقبول والرضوان والريحان ، والحمد لله رب العالمين الذي جعلنا من أهلها ، وإياه تعالى نسأل ان يميتنا عليها حتى نلقاه وهو راض عنا ، آمين . وأما من لم يقطع دهره إلا بالسرقة ولا أفنى عمره إلا بالخيانة والغش فبعيد عن إدراك هذه المعاني وفهمها .
14 - وليت شعري أين كان هذا الخسيس المائق إذ اعترض بهذا الاعتراض على هذه الأنوار الساطعة والحقائق الظاهرة عن التفكر فيما يقرأونه في هذيانهم المخترع وزورهم المفتعل الذي يسمونه ' التوراة ' إذ يقولون ( 5 ) : إن الله تعالى خلق الخلق في ستة أيام ، واستراح في اليوم السابع وهل تكون الراحة إلا لتعب ونصب قد خارت قواه وضعفت طبيعته فمثل هذا وشبههه من دينه الخسيس الذي يستسر ( 6 ) به لو تهمم بالفكرة فيه ثم بادر إلى التوبة منه والدخول في دين الله تعالى
Page 48
الذي لا دين له سواه ، الذي به بدا الملك على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ، والحمد لله رب العالمين [ 152 و ] .
15 - الفصل الرابع :
ثم ذكر الخسيس الجاهل قول الله تعالى { هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون } ( المرسلات : 35 ) ثم قال في آية أخرى : { يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها } ( النحل : 111 ) قال : وهذا تناقض عظيم .
16 - قال أبو محمد : قد قال بعض العلماء المتقدمين : إن المنع من النطق المذكور في الآية إنما هو في بعض مواقف يوم القيامة ، وان الجدال المذكور في الآية الأخرى هو موقف آخر مما يتلو ذلك اليوم نفسه ، وهذا قول صحيح يبينه قول الله تعالى قبل الآية المذكورة ، إذ يقول عز وجل : { انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون * انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب * إنها ترمي بشرر كالقصر * كأنه جمالات ( 1 ) صفر * ويل يومئذ للمكذبين * هذا يوم لا ينطلقون * ولا يؤذن لهم فيعتذرون } ( المرسلات :
29 - 36 ) فيه بعذر . هكذا نص الآيات متتابعات ، لا فصل بينها ( 2 ) ، فصح أن اليوم الذي لا ينطقون فيه بعذر إنما هو يوم إدخالهم النار ، وهو أول اليوم التالي ليوم القيامة الذي هو يوم الحساب ، وهو أيضا ( 3 ) يوم جدال كل نفس عن نفسها ؛ وهذا بيان لا إشكال فيه أصلا .
17 - وها هنا وجه آخر وهو اتباع ظاهر الآيتين دون تكلف تأويل إلا أن يأتي بالتأويل نص آخر أو إجماع من جميع الأمة كلها ما بين الأشبونة والقندهار والشحر وأرمينية والمولتان ( 4 ) . فنقول وبالله نستعين : عن هاتين الآيتين بينتان لا اختلاف بينهما أصلا ، وإن النطق المنفي عنهم في الآية الأولى والمعذرة التي لم يؤذن لهم فيها إنما ذلك فيما عصوا فيه خالقهم تعالى ، كما ( 5 ) قال عز وجل في آية أخرى : { اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون } ( يس : 65 ) فلا عذر لكافر ولا لعاص أصلا ولا كلام لهم . وأما الجدال الذي ذكر الله تعالى حينئذ [ لكل نفس ] عن نفسها فإنما هو في طلب الناس مظالمهم [
Page 49
125 ظ ] بعضهم من بعض ، فإن الله تعالى لا يضيع شيئا من ذلك ، على ما صح عن النبي صلى الله عليه [ وسلم ] من أن يوم القيامة يقص الشاة الجماء من الشاة القرناء ( 1 ) . وبيان هذا الذي قلنا ان المعذرة إنما هي إلى الله تعالى ، ولا عذر يوم القيامة لمن كفر بالله تعالى أو بنبي من أنبيائه ، وخالف الإسلام . وهذا هو الذي ( 2 ) يكون يوم القيامة ولا يعذر عليه أحد . وإنما هو مصدر جادل يجادل جدالا ، وجادل هو فعل من فاعلين لا ينكر أحد هذا من أهل اللغة ، فالله تعالى لا يجادل ، وإنما يجادل الناس بعضهم بعضا ، فكل أحد حينئذ يجادل من ظلمه ليقتص منه وهذا ما لا يعرى منه مؤمن ولا كافر ، فاستبان [ معنى ] الآيتين بظاهرهما دون تكلف تاويل ، وبطل ما ظنه هذا الجاهل ، والحمد لله رب العالمين .
18 - قال أبو محمد : ليس في حماقاتهم المبدلة التي يسمونها ' التوراة ' ذكر اجر ولا ثواب لمحسن بعد الموت ولا عقاب لمسيء في الدنيا أصلا ولا في الكتب التي ينسبونها إلى أنبيائهم من هذا قليل ولا كثير . فلو نظر هذا المجنون فيما ينسبونه إلى سليمان عليه السلام في تصويبه دعاء امرأة دعت له فقالت : ولا زالت أرواح أعدائك يدور بها الفلك ؛ وهذا إبطال الثواب والعقاب إلا على معنى التناسخ ومضا [ د ] لما ذكروه عن غيره من الأنبياء إن هنالك نارا ونعيما ؛ ومثل ما ينسبونه إليه أيضا عليه السلام من أنه قال مرة : ' عن العالم لا أول له ' وأنه قال مرة أخرى : ' أنا كنت مع الله تعالى حين خلق الأرض والسماء ' . فلو أن هذا الجاهل الشقي اشتغل بمثل هذا وشبهه من كذبهم وافترائهم لكان أولى به من تكلف ما لا يحسن ولا يدري ، مما قد فضحه ( 3 ) الله فيه عاجلا ، ويخزيه [ 153 / أ ] آجلا ، والحمد لله رب العالمين .
19 - الفصل الخامس :
ثم ذكر هذا الزنديق الجاهل قول الله تعالى { فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان } ( الرحمن : 39 ) قال : ثم قال في آية أخرى { فلنسألن الذي أرسل إليهم ولنسألن المرسلين } ( الأعراف : 6 ) قال : وهذا تناقض .
20 - قال أبو محمد : لو فهم هذا المائق الجاهل أدنى فهم لم يجعل هذا تعارضا ، أما قوله تعالى : { فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان } فإن [ ما ] بعد هذه الآية متصلا بها قوله تعالى : { فبأي آلاء ربكما تكذبان * يعرف
Page 50