Le voyage de Imad al-Din Ahmad ibn Ibrahim al-Wasiti et l'explication de ses transformations au cours de sa vie

رحلة عماد الدين أحمد بن ابراهيم الواسطي وشرح تقلباته في عمره

Régions
Syrie
•
Empires & Eras
Mamelouks

النص:

رحلة الشيخ العابد الزاهد، السالك، العارف، المحقق عماد الدين، أحمد بن الشيخ إبراهيم الواسطي ، وشرح تقلباته في عمره ، كتبت لمستفيد مشتاق إلى الوقوف على أحوال أهل العصر، فيعرف بذلك سليمهم من سقيمهم، ومعوجهم من مستقيمهم، والله - بكرمه - ينفع بها طالبا يريد بها نهج الاستقامة، واجتناب أحوال أهل الانحراف والملامة ، وذلك بعد مطالعتي لرحلة سلمان الفارسي رضي الله عنه - في طلب الهدى، وعثوره عليه بعد عناء شديد. وجدت بين رحلتي ورحلته مناسبة من بعض الوجوه، فأحببت تعليق جمل منها أرجو بها النفع للمهتدين إن شاء الله تعالى ، وبه التوفيق والعصمة، وهو حسبي ونعم الوكيل.

Page 27

بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن الحمد لله الذي بين لعباده مناهج سبيله فعبدوه، وتعرف إليهم بآياته وبيناته فعرفوه، وكشف لهم عن قدره فتوكلوا عليه ووثقوه، وظهر لقلوبهم بآثار صفاته فأحبوه وألهوه، وأشهد أن لا إله إلا لله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، الذي وعد الله عباده بمحبته لهم إذا هم اتبعوه ، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، ما سبحه الأملاك وما قدسوه، وبعد: فلما كان بيان الحق والهدى، لعباد الله من النصيحة التي أمر الله بها ورسوله صلى الله عليه وسلم حيث قال صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)، ولا يتم ذلك إلا ببيان الانحراف، فإنه لا يعرف الشيء - غالبا - إلا بضده، وبالنور ينكشف الظلام، وبالشعاع يتجلى القتام، أحببت أن أشرح حال رحلتي في طلبي ، وما لقيته من الطوائف المنحرفة عن نهج الحق والصواب، إذ في الناس من يظنهم من أهل الله- وربما يتوسل بهم إلى الله- ليكون ذلك لطالب الهدى في آخر الزمان ، تبصرة ويرهانا ، ومعراجا إلى معرفة مراد الله تعالى من عباده، في مطالبهم وعقودهم وأحوالهم، ليقوم الطالب بذلك فيلقى ربه تعالى بخالص العبودية، فتقر عينه بلقائه، ويجانب من ظهر انحرافه عن طريقة أهل الحق، ويعلم ماهية أذواق الناس، وحقائق أحوالهم في رأس السبعمئة من الهجرة النبوية، فكثير من الناس من تخفى عليه حقائق أحوالهم ، ويتغطى عنه ما أنعم الله عليه، حيث أحياه في ستر العافية، وأوقعه بين أعلى السنة والجماعة من طفوليته إلى سن شيخوخيته، فهو لا يدري ما أحدث الناس، ولا ما يتقلبون فيه من خطوات الشيطان وشركائه ومصائده، ولا يدري ما بدلوا من دين الله وشريعته.

فيستفاد بمعرفة أحوال الخلق أحوال المحقين من المبطلين، والناقصين من

Page 29

الكاملين، والمنحرفين من المستقيمين، ويتوصل بذلك إلى سلوك الحق واجتناب الباطل، ويشكر الله تعالى على نعمه والعافية مما أبتلى به كثيرا من خلقه، وذلك بعد مطالعتي لرحلة سلمان الفارسي في سيرة النبي صلم، فرأيت رحلتي مناسبة من رحلته، فعلقت جملا منها، وإلى الله أرغب في النفع بذلك.

وهذا الفن من العلم حرام على من يريد به الوقيعة بين الناس، لنيل أغراضه الفاسدة ، أو الانتصار لهوى متبع . وهو مباح بل مستحب لمن يريد التوقي من التعثر في الورطات، والوقوع في المزلات، لا لمن يريد المعاياة والفرقة والمحاكاة فيتخذ ذلك فرجة وسمرا ، لا معرفة وعبرا ، فيكشف أستار الناس بلا نية صحيحة، والأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، والله الموفق للصواب.

فصل

أول ذلك أنه كان مولدي ومنشئي بين طائفة من الأحمدية، لأن أبي - عفا الله عنه - كان رئيسا من رؤسائهم ، ووزراء شيوخهم ، وكان مطاعا ، يقول بالنفع المتعدي، من قضاء حوائج الناس، وإطعام الطعام، ورد اللهفة، وذلك هو طريق الفقراء الأحمدية ، فمنهم من يعامل الله تعالى بذلك، ومنهم من يريد به إقامة رئاسته، وتحصيل قيامه ومادته، فما عرفت دين الإسلام، ولا فتحت عيني إلا بين قوم يتخذون الغناء شعارا، والرقص على القصب والكف قربة ودثارا، والاجتماع على الضيافات عادة وإلزاما، والاجتماع بالأجنبيات معروفا لا ينكر، ومحادثتهن ومسامرتهن مباحا لا يقبح.

لا يعرفون تحريم غض الأبصار عن [غير] المحارم ، ولا يفتشون على آداب الشريعة من الحدود والأخلاق والعزائم. قد أسكنوا شيوخهم في قلوبهم في محل العبادة، فإليهم يلجؤون في نوائبهم، وإياهم يذكرون عند نوازلهم. الشيخ في قومه كالنبي، بل ربما عظموه فوق تعظيم الأنبياء، من حط الرؤوس بالسجود ، وكشفها بين يديه، والاستجارة من سخطه وعقوباته الباطنة الغيبية. يعتقدون أنه يقول ما

Page 30

يشاء، يميت الحي، ويبرئ المريض، ويضرب بسهمه من يشاء فيقتله ووجدت فيهم أذكياء، يعلمون أن الأمر ليس كذلك، لكن حصل لهم بسبب تعظيمهم لشيوخهم رئاسة بين الناس وفتوحا، فهم يقيمون جاه شيوخهم إبقاءا على حظوظ أنفسهم . لا يعرفون الحلال ولا الحرام، ولا الورع عن المحارم والاحترام يجيء إليهم المحب الطالب لطريق الله فيتوبونه، ولا يعلمونه حدود الله ولا أمره وكيف وهم يجهلونها علما، ويتركون أحكامها عملا ? لا يأمرون مريديهم بإتقان العبادات، ولا تحقيق معرفة حدودها، من فرائض الطهارة وسننها، وفرائض الصلاة وسننها. ويقولون: إذا قيل لكم: ما مذهبكم ? فقولوا: الماء والمحراب !!

أبغض ما لهم الفقهاء، إلا عند نكاحهم وطلاقهم أو بيوعهم، فيحتاجون إليهم لأن أمرهم لا ينفذ إلا بذلك، ولو أمكن الاستغناء عنهم لاغتنوا، فلا محاسبة في الجوارح، ولا مراقبة في الباطن، ولا مراعاة لحدود الشرع، ولا حرصا على آداب الرسول صلى الله عليه وسلم في عباداته وعاداته، بل يحرصون على سيرة شيخهم الأكبر ، مثل حضور مجلس السماع بعد العشاء ، يزعمون أن رجال الغيب تحضره ، فترى شيوخهم حريصين في ذلك الوقت على الاجتماع، وجمع الهمم فيه، فإذا جاء وقت الصلاة نقروا نقر الغراب، لا يصدق أحدهم متى ينفلت من صلاته، فيخرج من صلاته إلى السماع، كما يخرج المحبوس من بيت مظلم ضيق إلى الفضاء يسافرون بأصحابهم معهم المغاني والرايات، تتبعهم الرجال والنساء، يقيمون السماع، وتضرب النساء منطقة حول الرجال، بارزة وجوههن، وربما بات النساء في مواضعهن رغبة في الأجر ، ولكونه - في معتقدهم - مجمع الأولياء فيتعبدون بالمبيت حول الرجال، وفي ذلك الدسائس وقضاء أوطار النفوس، فإذا أقاموا السماع عمد مولهوهم إلى حيات لهم معدة في الأكياس، فيستخرجونها ويقضمونها قضم الخيار، وتسيل دماؤها على أشداقهم، ثم ينفخونها على الناس يزعمون أن ذلك يستحيل في أفواههم زعفران وفاكهة، ورأيت منهم من يأكل الضفادع يعدها قبل السماع في عبه، فإذا قام الطابق أخرج واحدة وقضمها، ولا ينكر ذلك أحد

Page 31

عليهم ، لا من فقهائنا ولا من ضلحائنا ، بل صارت هذه البدع عندنا سنة معروفة، وشعارا ظاهرا، فيحق لذلك تملك التتر بلادهم واستيلاؤهم عليهم، بل هم طيبون في دولتهم، لأنهم معتقدون فيهم، معظمون لهم، فهل تقوم الطريقة العمياء إلا في الدولة السوداء ? كما لا تقوم الطريقة المنورة إلا قي الدولة البيضاء ، دولة أهل الإسلام ? ، وربما لم ينقطع أثر الخلفاء في بغداد إلا لكونهم لم ينكروا مثل هذه الأشياء، و[لما] لم يغيروها وسلموها لهم، قطعهم الله تعالى لذلك.

أيها السالك، إن أردت الطريقة المثلى فاعكس هذه الأمور، واعتمد خلافها تصب مراد الله منك، فهذا سلوك لك إن فهمت، وهو كافيك.

أول التوبة - عندهم في البداية - الرقص وخدمة الفقراء ، والنهاية عندهم التي ينتهي إليها الطالب ويحصل الوصول ؛ أن يصير للفقير قبول بين الناس ، ويصير صاحب أخذ وعطاء، [و] من لم يكن كذلك لم يصل، ومن حصل له ذلك فقد كمل، ولهم مع ذلك أمور تكاد تخرجهم من الإسلام، منها: أنهم كانوا يأخذوني - وأنا طفل - إلي زيارة قبة الشيخ، فيمشى في المركب إلى القرية التي هو فيها مدفون - أعني أم عبيدة - فإذا لاحت القبة كشفوا رؤوسهم وتضرعوا وابتهلوا، وربما بكوا وانتحبوا، ورقت قلوبهم ودعوا بحوائجهم فإذا جاؤوا إلى باب قبة الشيخ كشفوا رؤوسهم، وسجدوا على عتبته، وكنت أسجد معهم في صغري، ووقفوا على بابه أذلاء وقوفا طويلا، علم الله ما يعظمون الكعبة كما تعظم قبة الشيخ ، بل هناك في الرواق سارية فإذا رأوا قبة الشيخ - من الذي يستجرئ أن يدخل القبة ? بل فيهم من قد شاخ ولا يدري ما داخل القبة - ثم يطفون سبعا بتلك السارية ، فيكون الوقوف على باب القبة كعرفة ، وتلك السارية كالكعبة ، فيكون ذلك حجا لهم كحج الرافضة إلى قبر الحسين.

وحكى لي بعض شيوخهم مادحا لبعضهم، ومترحما عليه، أنه: كان يحرم إذا لاحت القبة ، ويتجرد من مخيط الثياب حتى يدخل القرية ، ويقضي أربه من الزيارة ، ثم يحل من إحرامه، وفيهم من لا يجز شاربيه إلا عند قبة الشيخ.

Page 32

وأهل الرواق المجاورين يتعبدون برؤية قبة الشيخ كأنها إله يعبد، فيرمقونها بأبصارهم، وتتصاعد لذلك أنفاسهم، ويأنسون أنس العابد بمعبوده، وكيف لا ? وهم يرون العالم من آفاق الدنيا يقصدونها بالتعظيم ، وحط الرؤوس والسجود لها ويبذلون أموالهم نذرا لها، من الدراهم والشموع وغير ذلك، ومن ذلك أنهم كانوا لا يتحاشون مؤاخاة النساء الأجانب، ولا المبيت معهن ولا يتحاشون من مؤاخاة الصبي الجميل، ولا المبيت معه ، يزعمون أنهم في المبيت لا يصدر منهم زنا، وربما يتخذ الشيخ منهم أخوات وبنات في الله - بزعمه - فينام في جانب وأخواته وبناته - في الله - في البيت في جانب آخر، ثم يطفئ المصباح، فمن أراد أن يتبرك بقدم الشيخ يكبسها - فلا بأس، فإن قبل الشيخ إحداهن وضاجعها فلا يدرى ما يصنع بعد ذلك!!

فإذا جاء الشيخ الأكبر إلى مريد من مريديه ، ممن استخلفه وجعله شيخا، فيجيئون أصحاب الشيخ الأصغر، ويطالبونه بأن يجمع لهم أخوات يسكنون إليهن، فيجمع الشيخ من نساء أصحابه جمعا، ويفرقهن على أصحاب الشيخ. حدثني من لا أتهمه، سعد الأكال - يقع في قواصر تمر، فيزعم أنه يأكلها بالحال. وأنه [لما] كان صبيا ينام في عناق فلان -خادم الشيخ أحمد الكبير - كأنه يفتخر بذلك وبعناقه له!! فذكر لي - والله أعلم بصدقه من كذبه - أنه ليلة من الليالي - وهذا سعد كان يعتقد أن الشيخ نجم الدين هو مدبر الأمر، وأنه حتي ما مات، لأنه لو مات لم يقم أمر !! سمعت ذاك من لفظه . كأنه اختفى كما اختفى المنتظر الذي للرافضة ، ويستدل بهذا أن المضاجعة عندهم غير محرمة، يفعلها البر والفاجر، فإن تنزه منها ورع من ورعيهم، إنما يفعل ذلك تنزيها لا تحريما !!

هذا الذي شرحته في حق خيارهم، وأما شرارهم فسمعت منهم من يقول: إن الصندوق إذا كان طاهرا - يعنى الصدر - فلا يضر الميل إذا كان في المكحلة. وكان يقوله ممازحا، وهو جد في قالب هزل. ومثل هذا الجنس إذا وقع في كفه امرأة أو صبي واقعه فيما دون الفرج، وقضى شهوته، لا أشك في ذلك. هذا إذا امتنع عليه،

Page 33

وكم قد أفسدوا من امرأة - وربما حبلوها، ورأيت من حبل منهن من الزنا - وكم أتلفوا صبيا أخرجوه عن أبويه وحسنوا له الفقر، فيتخذونه ولدا كما يتخذون في الشام الحوار ، ثم يعانقونه طول الليل ، جهده الاجتماع والمعاشرة والاهتمام بالرقص بالغداة والعشي، وشغل قلب بعضهم ببعض. يبتلى الصبي بذلك فيغيب عن قلبه ما يجري عليه بالليل منهم، فيصبح من فراش أحدهم، فيقبل يد الشيخ ويرقص، ويعدو ويدور في الطابق، يتوارى عن قلبه مخازيهم بالليل، ويقولون: السماع شبكة!! نعم شبكة لمأكلتهم، ورجوع من شرود إلى شرود.

وحكى لي من لا أتهمه : أنهم كانوا يجتمعون في بيت؛ الرجال والنساء خلطاء، ثم يقيمون السماع فيأخذهم الحال، فيتعرى الرجال عن جميع ملابسهم لورود الحال، وتبقى عوراتهم بادية - وهم بادية - فإذا انطفأ المصباح أخذ كل فقير في

Page 34

عناق فقيرة إلى الصباح، والله أعلم بما كان بعد ذلك، وذلك قبيل أخذ التتر بغداد بشؤمهم ، وكان الشيخ العارف نجم الدين الإصفهاني -أعاد الله من بركته - يقول : ما أتلف الدين كطائفتين : الأحمدية في النساء، والحريرية في الصبيان، وأقول أنا: والاتحادية في العقائد أيضا، واليونسية قريبون منهم، وكل هؤلاء أتلفوا الدين ووسخوه، وقلبوا حقائقه وضيعوا حدوده واستهانوا به، وأحلوا حرامه، وبدلوا أحكامه، وانتهكوا حرماته، طهر الله الأرض منهم، وأراح الأرض من أنجاسهم، إنه على كل شيء قدير.

والذي أعتقده - إن شاء الله -أن التتر لم تستول على أهل الإسلام إلا بشؤم هؤلاء الطوائف وظهورهم ، وعهدة ما هم عليه على شيوخهم الأكابر ، كالشيخ أحمد الكبير وأمثاله، فإنهم أول من ابتدع هذه الاجتماعات، ولم يضبطوا أصحابهم على تحريم النظر، وغض الأبصار، وتحرير المراقبة والمحاسبة، وكأن

Page 35

لهم نصيبا من ربهم استغنوا به عن تحرير الشريعة، ومع ذلك فهم يقرؤون القرآن قراءة من لم تبلغه عن الله دعوة، ويعظمون النبي صلى الله عليه وسلم تعظيم من لا يعلم بأي شريعة جاء، لا تجاوز قراءتهم حناجرهم ، بكم غتم كالبهائم السارحة، والأنعام الراتعة ينادون من مكان بعيد، ويرون الشريعة من بعيد، يبغضون القائمين بها - وهم العلماء - بغضا ما عليه مزيد ، فما قولكم - معشر العقلاء - في طفل لم يفتح عينه إلا بين هؤلاء ? ولم يعرف دين الإسلام إلا هكذا ? ومن ألطاف الله تعالى بي أن خلق في غريزة في حال الطفولة كنت أعلم بها أن هؤلاء ليسوا على شيء ، وأن الحق وراء ما يدعونه ، وكنت أتشبث برسالة القشيري، وكتاب (القوت)و(الإحياء) فأعلم باطلهم علما في القوة، ولا سبيل إلى ظهوره في الفعل، لأن الدولة لهم، فلا يمكن ظهور ذلك في الفعل أصلا، وأكابر العلماء المحدثين ، كعز الدين الفاروثي من أشياعهم وأنصارهم يحضر مجالس سماعاتهم، وحضرته - وأنا طفل مراهق وقلت : قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل محدثة بدعة)، فكيف حال هذا السماع؟ قال: فتشاغل عن جوابي، ولم يعجبه ذلك. وكان أنهى ورعه أنه كان يكره السماع في المسجد ، وربما حضره في المسجد تقية ومدارة. رأيته في مسجد يعمل فيه السماع، فهذا حال المشايخ المحدثين العلماء فكيف يقوم الحق المحمدي، والدين الفرقاني بين هؤلاء ? بل كيف يعرف ويعلم فضلا عن قيامه ونصرته? ومعلوم إذا انطاع أهل المدن لمشايخ البر الفلاحين فسد دينهم وانقلبت أمورهم ، وإن كانوا أولياء، وذلك لأن قلة العقل على أهل البر ظاهرة، ولم

Page 36

يبعث الله نبيا من أهل البر قط ، ولا من عرب البادية ، فإذا انطاع أهل المدن للعلماء صلح أحوالهم، ومتى انطاعوا لفقراء البر فسدت أحوالهم، ثم سرت هذه البدع من الأحمدية في سائر طوائف فقراء البطائح ومشايخهم ، من مؤاخاة النساء والصبيان ومضاجعتهم، ومسك الحيات، ونزول النار ، وغير ذلك من المخازي، فالوفائية - عندنا- ينزلون النار ، والبدرية - عندنا أيضا - يؤاخون المردان، وأنسب الطوائف -عندنا - الحلوبية ، أصحاب الشيخ ابن حلوبا ، عندهم شيء من التمسك ، لكن غلبتهم طريقة الأحمدية ، من إظهار شعار السماع بين الخاص والعام، واجتماع النساء على رؤوسهم في السطوح يتفرجون على رؤوسهم وتهتكهم، فالأحمدية كانوا كالجرب جرب بهم الناس، واقتبسوا من ظلماتهم، وقامت دولتهم أي قيام، فكيف يقوم الدين مع هذه الظلمات?

فصل

ثم انتقلت من هذه الطبقة إلى طبقة الفقهاء الشافعيين لأتعلم العلم، فوقعت بين طائفة خير من الطائفة الأولى ، عندهم علم الحلال والحرام ، والحدود والأحكام ، وعلم ما يجوز وما لا يجوز، وعلم ما يترتب عليه الثواب والعقاب واعتقاد ذلك وعلمه في تلك الظلمات نور وهدى، فضلا عن العمل به، لكن القوم فيهم الفقة لا غير، وفيهم من يشارك في أصول الفقه، واصطلاح ابن الخطيب مع تعظيمه وتبجيله، والإقرار بأنه الإمام الأعظم، وأنه ركن من أركان الدين، وإذا ذكر[ذكر] قبل الإمام وترضي عنه، وغالب ما فيهم علم خصومات الناس ووقائعهم، فقلوبهم مشحونة بمسائل (التنبيه)، و(المهذب)، و(الوجيز)، و(الوسيط)، و(شرح الوجيز)، و(الحاوي)، و(اللباب)، و(العجاب) لعبد الغفار، و(المحرر) للرافعي لا يوجد عندهم أصول السنة ؛ من علوم الحديث وقواعده ، ومعرفة رجاله، وعلم صحيحه من سقيمه، ولا علم معاملة الله بالسنة، ولا معرفة عندهم بقواعد الاعتقاد ، من طريق الصحابة والسلف الأول ، كالسفيانين ، والحمادين ، وابن

Page 37