Reflections on the Call of Sheikh Muhammad ibn Abdul Wahhab
تأملات في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
Maison d'édition
وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
Édition
١٤١٩هـ
Lieu d'édition
المملكة العربية السعودية
Genres
•Islamic thought
Régions
•Arabie saoudite
مقدمة
...
من مطبوعات وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
تأملات في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀
بقلم معالي الدكتور/ عبد الله بن عبد المحسن التركي
وزير الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
أشرفت وكالة شؤون المطبوعات والنشر بالوزارة على إصداره ١٤١٩ هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
إِن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئاتِ أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا.
وأصلي، وأسلم على خير خلقه، وأمينه على وحيه، نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإِحسان إِلى يوم الدين.
أما بعد: فليس من المبالغة في شيء أن نقول: إِنه لم تظهر دعوة للتجديد، والإِصلاح -بعد القرون الأولى المفضلة- تماثل، أو تقارب في ظرفها، والبيئة التي ظهرت فيها، الدعوة التي قام بها المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في القرن الثاني عشر للهجرة.
إِن تلك الدعوة في وضوح أهدافها، وسلامة منهاجها، وما هيأ الله لها من أسباب النجاح، المتمثلة في مؤازرة آل سعود إِياها، ومناصرتهم لها، أعادت للمسلمين في الجزيرة العربية مكانتهم، وفتحت الأمل أمام المسلمين في خارج الجزيرة، في إِمكان قيام دولهم، ومجتمعاتهم على الإِسلام.
ليس في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، تعقيد، ولا غموض، ولا فلسفة، بل هي واضحة، نقية، نقاء الإِسلام، معتمدة على نصوص كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ البينة الواضحة.
1 / 3
تابع فيها الداعية رسول الله ﷺ وصحابته الكرام، وسلف الأمة الصالح، واستفاد كثيرا ممن سبقه من علماء السلف، وعلى وجه الخصوص شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀، الذي جاهد في سبيل رد الناس إِلى الكتاب والسنة، والدفاع عن عقيدة أهل السنة والجماعة، فقد كان أثر ذلك في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب واضحا.
صدق في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عزم الداعية، وقامت الدولة فيها بواجبها في الدعوة إِلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والعمل بشريعة الله في مختلف شؤونها.
محورها الأساسي الدعوة إِلى توحيد الله في ربوبيته، وإِلهيته، وأسمائه وصفاته، وأن لا يصرف شئ من أنواع العبادة لغيره، وهو محور دعوة الرسل جميعا-عليهم الصلاة والسلام- وخاتمهم وإمامهم نبينا محمد ﷺ الذي جاهد في الله حق جهاده، حتى تحققت العبودية لله وحده دون من سواه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] .
تلك العبودية التي خلق الله الخلق لأجلها، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذّاريات: ٥٦] .
لم تسلم الدعوة ورجالها، ولم تسلم الدولة التي نصرتها، وجاهدت في سبيلها، من كيد الأعداء، وتلفيق التهم، واختلاق الافتراءات، من قبل علماء السوء، وأصحاب الأهواء والمطامع، ومن قبل القوى التي
1 / 4
تسعى إِلى إِضعاف المسلمين، وإِبعادهم عن مصدر قوتهم، وعزهم: كتاب ربهم ﷾، وسنة نبيهم ﷺ. كثيرون الذين كتبوا عن الدعوة ورجالها، منصفين لها، مثنين عليها، وآخرون جحدوا فضلها، وراموا تشويه صورتها.
ولا تضيف هذه التأملات جديدًا في الدعوة، وأساليبها، ومنهاجها، ولكنها إِسهام أملاه الواجب، يستفيد منها غير المتخصصين، أو من لم يتيسر لهم الاطلاع على كتب الدعوة، وآثار علمائها.
لقد كانت الدولة والدعوة، صفحة مفتوحة للناس أجمعين منذ نشأتها، خاطبت العلماء والأمراء، والتقى الناس علماءها في مواسم الحج، وفي الدرعية، عاصمة الدولة السعودية الأولى، حيث انطلقت الدعوة. ليس فيها لبس أو غموض، وليس في رجالها تعال، ولا تكبر، بغيتهم الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة.
لقد خدمت جامعة الإِمام محمد بن سعود الإِسلامية هذه الدعوة، خدمة كبيرة، حينما نظمت ملتقى للعديد من العلماء، من مختلف أنحاء العالم، وهيأت لهم الأسباب للإطلاع على كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وأئمة الدعوة من بعده، وحرصت على تزويدهم بها قبل حضورهم إِلى المملكة؛ ليكتبوا عن هذه الدعوة، ورجالها على بينة ومعرفة، فكتبوا أبحاثهم بكل حياد وموضوعية، وناقشوها خلال
1 / 5
الملتقى، واستمعوا إِلى محاضرات، ودروس من كبار علماء المملكة عن الدعوة، وصاحبها، وتلاميذه، واجتمعوا بالعديد من المسؤولين، والعلماء في المملكة، وأيقنوا أن ما تعيشه المملكة من أمن، ورخاء، واستقرار، ورغد عيش، وترابط بين الناس وولاة أمرهم، مرده إِلى التقيد بالإِسلام، كما في كتاب الله تعالى، وسنة نبيه الكريم ﷺ؛ وذلك هو جوهر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، مع التأكيد على أهمية عودة الناس إِلى الكتاب والسنة، والابتعاد عن الشرك ومظاهره، وعن الابتداع في الدين. ويسرني أن ألحق بهذه التأملات ما صدر عن الملتقى في نهايته.
أما الأبحاث التي قدمت له، فقد طبعتها مشكورة جامعة الإِمام محمد بن سعود الإِسلامية، كما طبعت سابقا مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ورسائله.
وسيلحظ القارئ لهذه التأملات تكرارا لبعض الموضوعات، وذلك أمر اقتضاه السياق، نظرا إِلى الترابط بين الأسس والمنطلقات والوسائل والبيئة التي ظهرت فيها الدعوة، وما لذلك من أثر فيها.
إِن هذا البحث، إِنما هو تأملات في الدعوة، ومرتكزاتها وآثارها، أرجو أن يفيد من يطلع عليه، وأن يكون إِسهاما، يخدم هذه الدعوة التي لها فضل كبير على المسلمين، وبخاصة في شبه الجزيرة العربية.
1 / 6
نسأل الله -تعالى- أن يجزي الإِمام محمد بن سعود، والشيخ محمد بن عبد الوهاب أحسن الجزاء على جهادهما في سبيل الله، وأن يجزي أبناءهما، وأحفادهما الذين ساروا على منهاجهما، في نصرة دين الله، بالدعوة إِليه، وإِقامة أحكامه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما نسأله أن يوفق هذه الدولة المباركة «المملكة العربية السعودية» وقادتها، وفي مقدمتهم خادم الحرمين الشريفين، الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمين الأمير عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، وسمو النائب الثاني الأمير سلطان بن عبد العزيز آل سعود، إِلى ما يحبه ويرضاه، وأن ينصر بهم دينه، ويعلي كلمته، إِنه ولي ذلك، والقادر عليه.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
عبد الله بن عبد المحسن التركي
1 / 7
الحديث ورجاله، كما التقى غيرهما من الأعلام البارزين في فنون مختلفة، مما جعل ثقافة الشيخ ثقافة موسوعية متعددة الروافد.
أما الرحلة الأخرى: فقد كانت إِلى البصرة، من أرض العراق، وكان في عزمه أن يواصل السفر إِلى بغداد، والشام؛ للاتصال بعلمائهما، والتزود من علمهم، ولكن حال دون ذلك أمران:
الأول: قلة المال لديه، وقد كان مجبولا على التعفف الذي يمنعه من أن يسأل الناس شيئا.
والثاني: وهو -الأهم- ما رآه في البصرة من انتشار البدع، وذيوع عبادة القبور، والتوسل بالأولياء، والتقرب إِليهم بالذبح والنذر، واعتقاد النفع والضر منهم، الأمر الذي أثار حفيظته، وأشعل نيران الغيرة على التوحيد في نفسه، فراح ينكر ذلك بكل ما أوتي من قوة، حتى ذاع صيته، وانتشر أمره، وسرعان ما ائتمر به أهل البدع، واتفقوا على أذيته، وتواطؤوا على الإِيقاع به، فما كان منه إِلا أن غادر البصرة على الفور؛ خوفا على دعوته الإِصلاحية أن توأد في مهدها، ولعله يجد في مكان آخر من يعزره، ويؤازره، حتى إِذا استوت دعوته على سوقها، عرف الناس الحق، والتفوا حوله١. ولهذين السببين قفل الشيخ راجعا من البصرة إِلى نجد، وفي الطريقِ نزل على عالم الأحساء الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، وأقام عنده أياما
١ أمير السعيد: سيرة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ص ١٩ طبع دارة الملك عبد العزيز عام ١٣٩٥هـ.
1 / 8
حافلة بالدرس، والمطالعة، والبحث، ثم قفل إِلى حريملاء التي انتقل إِليها والده من العيينة، بلدته الأولى. وبعد استقرار الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في حريملاء عام ١١٣٩هـ، وكان عمره وقتئذ خمسة وعشرين عاما، بدأ يضاعف جهوده في ثلاثة مجالات دعوية:
أولها: تأليف الكتب، والرسائل التي تتسم بأسلوبها السّهل، ومعانيها الواضحة، مما دفع بالكثير من العامة، وطلبة العلم إِلى حفظها عن ظهر قلب.
ثانيها: عقد الدروس، والمحاضرات العامة والخاصة، حيث كان يجتمع لديه الناس من مختلف الأعمار، ومن مختلف المذاهب، الأمر الذي جعل أمره يذيع، وينتشر انتشارا واسعا، مما بدد ظلمات الجهل، والبدع، والخرافات، كما يبدد ضياء الشمس ظلمات الليل البهيم.
ثالثها: المراسلات العلمية، والزيارات الخاصة، لأصحاب النفوذ المادي والعلمي.
وبهذا الامتداد بدأت نواة الدعوة من حريملاء، إِلا أن سنة الله في الأنبياء، والمصلحين، لا تتغير على مرّ الدهور والعصور، بدءا من نوح وإِبراهيم ﵉ إِلى خاتم الرسل محمد ﷺ وخلفائه،
1 / 9
ومن تبعهم من المجاهدين، في مجال بعث الأمة الإِسلامية، في مراحل الضعف العلمي، أو الانحراف السلوكي، كالإِمام أحمد بن حنبل، وابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وغيرهم ممن تحفزهم الأزمات، وتظهر عبقريتهم الشدائد، ومنهم شيخ الإسلام محمد ابن عبد الوهاب.
نقول: إِن سنة الله مع هؤلاء لا تتغير، وهي سنة التدافع والابتلاء، التي تصل بالكثير منهم إِلى الانتقال من بلد الزرع والبذر، بفسيلة الدعوة الصحيحة، إِلى حيث تجد أرضا خصبة نقية تقبل الماء، فتنبت الكلأ، والعشب الكثير. وفي خلال هذه النقلة التي تفرضها ضرورة الحماية لهذه الفسيلة، يقع لها من التعطش، والتشوق ما يجعلها تزدهر في الأرض بكل قوة، بعد أن تمرّ بمرحلة المعاناة
وهذا ما حدث بالفعل لهذا المصلح المجاهد الذي لم يكد زرعه يخرج ثماره في "حريملاء" حتى راحت الأيدي الحاقدة الآثمة، ذات المنافع الدنيوية، تحاول استئصال هذه البذور، وذلك بمحاولة إِيذاء الزارع (الداعية) نفسه؛ لما كان يتسم به من وضوح، وقوة، لا مهادنة معهما، في النهي عن المنكر، ولا سيما في الأمور الشركية التي تزخرت بها الجزيرة العربية، وغيرها من المناطق الإِسلامية. ففي ليلة من الليالي، ائتمر أهل الفساد، وهموا بتسلق جدار منزل الشيخ لإِيذائه، والإِيقاع به، لولا حفظ الله له، ثم يقظة بعض جيرانه
1 / 10
لمحة تاريخية
ولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف التميمي النجدي، في بلدة العيينة عام ١١١٥هـ (١٧١٣م) .
وتقع العيينة شمال غرب مدينة الرياض، على بعد سبعين كيلو مترا تقريبا. كان ﵀ قوي الجسم، دقيق الفهم، سريع الحفظ، فصيح اللسان، سديد الرأي، صادق الفراسة، حسن التدبير، كثير الإِنفاق، زاهدا فيِ الدنيا، موصول الفكرة، لا يفتر لسانه عن ذكر الله وهبه الله قبولا، وهيبة، يشعر بهما كل من رآه، أو سمع منه.
أخذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ علومه، ومعارفه عن عدد من العلماء من أسرته، وعلماء عصره، من أهل الجزيرة العربية والعراق، ما بين مقرئ، ومفسر للقرآن، وصاحب حديث للنبي ﷺ وآثار، وغير هؤلاء من أهل العلم والفضل، وهم كثيرون، وقد كان في مقدمتهم والده الشيخ عبد الوهاب، أحد فقهاء نجد، وقضاتها، فهو الذي تولى تحفيظه كتاب الله -تعالى- حتى أتمه قبل بلوغه العاشرة من عمره، ثم فقهه على مذهب الإِمام أحمد بن حنبل ﵀ حتى بلغ الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الفقه قدرا كبيرا، جعل والده يقول
1 / 12
عنه -فيما يرويه أخوه سليمان بن عبد الوهاب-: «لقد استفدت من ابني محمد كثيرا من الأحكام» ١.
وقد قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب برحلتين علميتين:
إِحداهما: في داخل شبه الجزيرة العربية، التي كانت تعج آنذاك بكثرة البدع، والأماكن التي يعتقد فيها كثير من الناس دفع الضر، وجلب النفع. وكانت أوقات الشيخ محمد بن عبد الوهاب خلال هذه الرحلة تتوزع بين أمرين اثنين:
الأول منهما: تحصيل العلم من شيوخه الأثبات، وتحقيقه من مصادره الموثوقة.
والثاني: السعي الحثيث في نشر العلم، وحث كل من يراه على العمل بهذا العلم، وتقديم العلوم الدينية للناس، بأسلوب سهل يفهمه العامة، بعيدا عن التقعر، والتكلف
وقد أخذ هذا العمل من جهد الشيخ، ووقته قسطا ليس بالقليل، خلال هذه الرحلة العلمية، رحلته في داخل الجزيرة العربية.
وِخلال هذه الرحلة جاب الشيخ محمد بن عبدا لوهاب ﵀ مدنا، أهمها: مكة المكرمة، والمدينة النبوية٢.
وقد التقى الشيخ علماء، منهم الشيخ عبد الله بن إِبراهيم بن سيف النجدي، والشيخ محمد حياة السندي المدني، الذي كان له باع في علم
١ عبد الرحمن الجطيلي: نبذة مختصرة عن حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ص١٣.
٢ حسين بن غنام: روضة الأفكار والأفهام، ١/٧٦، ٧٧.
1 / 13