Rasa'il al-Shahid al-Thani
رسائل الشهيد الثاني
الحمد على ما هدانا إلى صراطه المستقيم وله الشكر على ما حبانا من فقه احكام الدين القويم وصلواته الجامعة وتحياته الصادعة على من طهرنا من رجس الزبية وأنقذنا من غريق الغواية والضلالة وسلك بنا سبيل الحق المقيم محمد وآله الوارث التراث علمه الكشاف للاسرار القديم العليم بما اوحى إليه من ربه وفوق كل ذي علم وعليم بعد فمما لا يخفى ان الامام العلامة الهمام والمحقق والمدقق القمقام الفضل المحققين شيخ الاسلام الشيخ الأجل السعيد زين الدين العاملي الشهيد الثاني أعلى الله في روضات القدس له المقام علم علم لا تباريه الاعلام وهضبة فضل لا يفصح عن وصفها الكلام أرحت أنفاس فوائده ارجاء الأقطار وأحيت رشحات تحقيقاته كل قفز زلت بها كأنها الأمطار تصانيفه في صفحات الأيام غرر وكلماته في عقود السطور درر فأي قد ظفرنا من إفاداته برسائل ثمان كأنها درر ثمان هي لروضات التحقيق في عدة عدده أبواب الجنان بل ابكار أفكار وكأنها الياقوت والمرجان لم يدركها قبله انس ولا جان ولم يعرف لها رسم الا في ديوان تصانيف العلماء الأعيان فضلا عن أن يفوز بنسخه أو طبعه طلاب العلوم وأرباب الألباب والأذهان فساعدنا التوفيق على أن نحوزها في حوزة الترتيب والاجتماع ونسلكها في سلك الطبع لشدة شوق الطباع ونرجوا به النفع يوم الا يصلح المال والبنون للانتفاع ولما كان الكتاب بهذه الأبواب قليل الحجم صغير القاعدة مع أنه كثير المعنى عظيم الفائدة فعززناها من إفاداته المنيعة المنطبعة بكتابين كانا لمدينة القدس بابين فصارت تلك عشرة كاملة دورات لرشائق التحقيق شاملة وهي هذه رسائل في انفعال ماء البئر وفى من تيقن بالطهارة والحدث وشك في المتأخر وفى من أحدث في غسل الجنابة وفى صلاة الجمعة وفى صلاة المسافر وفى طلاق الحايض والغايب عن زوجته وفى الحبوة وفى ميراث الزوجة واما الكتابين المنطبعين سابقا فيها اسرار الصلاة وكشف الريبة في احكام الغيبة
Page 1
هذه مجموعة من إفادات الامام الهمام العلامة لسان الفقهاء ذوي الكرامة المحقق المدقق السديد الشيخ الأجل السعيد الشهيد الثاني عامله بلطفه المجيد ره بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله رب العالمين وصلاته على سيدنا محمد وآله الطاهرين مسألة اختلف أصحابنا رضي الله عنهم في نجاسة البئر بمجرد ملاقاة النجاسة له كالقليل وعدمه على أقوال أشهرها بينهم بل ادعى عليه جماعة الاجماع منهم السيد أبو المكارم حمزه بن زهره في كتابه غنية النزوع وقال الشهيد في شرح الارشاد فقال كاد ان يكون اجماعا ولعله الحجة النجاسة وذهب آخرون منهم ابن أبي عقيل من المتقدمين و الشيخ جمال الدين بن المطهر من المتأخرين إلى عدم انفعاله بدون التغيير كالكثير أو كالجاري والقولان للشيخ اولهما هو المشهور من مذهبه والثاني نقله عنه جماعة وله في كتاب الحديث قول ثالث وهو انه ينجس ويجب النزح المقدر لكن لا يجب إعادة الصلاة ولاغسل مالا قاه قبل العلم بالنجاسة وله قول رابع انه لا ينجس ولكن يجب النزح تعبدا جمعا بين النصوص وفى المسألة قول خامس للشيخ أبى الحسن محمد بن محمد البصروي وهو اعتبار الكرية فيه وعدمها فان بلغ كرا لم ينجس الا بالتغيير
Page 2
والا نجس بالملاقات وهذا في الحقيقة مذهب العلامة جمال الدين أيضا وان لم يصرح به لأنه اعتبر كرية الجاري في عدم انفعاله بالملاقات وما البئر في معناه بل أضعف منه فيقتضى اعتباره فيه بطريق أولي ومنشأ هذه الأقوال اختلاف الروايات عن أهل البيت عليهم السلام بعد اتفاقهم جميعا على ورود النزح له شرعا بدون التغير حتى تواترت به الاخبار عن النبي صلى الله عليه وآله ولكن ليست صريحة في النجاسة فمن ثم حملها من حكم بعدم نجاسة على الاستحباب واما الأخبار الدالة على الأقوال المذكورة فهى على أقسام أحدها ما دل على النجاسة وهي صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع انه كتب إلى رجل يسأله ان يسأل أبا الحسن الرضا عليه السلام عن البئر يقطر فيها قطرات من بول أو دم ما الذي يطهرها حتى يحل الوضوء منها للصلاة فوقع عليه السلام في كتابي بخطه ينزح منها دلاء وهي في قوه طهرها بذلك وبقرينة ما تقدم وطهرها بالنزح يدل على نجاستها قبله والا لزم ايجاد الموجود أو اجتماع الأمثال وقريب منه قوله حتى يحل الوضوء منها وصحيحة علي بن يقطين قال سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن البئر يقع فيه الحمامة أو الدجاجة أو الفارة أو الكلب أو الهرة فقال يجزيك ان تنزح منها دلاء فان ذلك يطهرها انشاء الله تعالى والاجزاء ظاهر في الخروج عن العهدة وتطهيرها بذلك يدل على نجاستها بدونه كما تقدم وصحيحة عبد الله بن أبي يعفور عن الصادق عليه السلام قال إذا أتيت البئر وأنت جنب ولم تجدد لو أولا شيئا تعرف منه فتيمم بالصعيد الطيب فان رب الماء رب الصعيد ولا تقع في البئر ولا تفسد على القوم ماءهم أوجب التيمم بصيغة الامر المشروط بعدم الماء الطاهر فلا يكون الماء طاهرا على تقدير الوقوع والاغتسال ونهى عن الوقوع في البئر وعن افساد الماء والمفهوم من الافساد النجاسة وحمله على نجاسة تغيره بعيد لان ظاهره استناد الافساد إلى الوقوع وهو
Page 3
غير مغير لحالتها وللزوم تأخر البيان عن وقت الحاجة وثانيها ما دل على عدمها وهي صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع أيضا قال كتبت إلى رجل أسأله ان يسأل أبا الحسن الرضا عليه السلام فقال ماء البئر واسع لا يفسده شئ الا ان يتغير ريحه أو طعمه فينزح حتى يذهب الريح ويطيب الطعم لان له مادة وهذه الرواية أقوى حجج القائلين بالطهارة لحكمه عليه السلام على الماء بالسعة ويفهم منها عدم الانفعال بالملاقات ونفى افساد شئ له وهو عام لأنه نكرة في سياق النفي واشتمالها على الحصر المستفاد من الاستثناء في سياق النفي ووجود التعليل بالمادة والمعلل مقدم على غيره ولدلالتها على المراد نصا وللاكتفاء مع تغيره بمزيل التغير ولو كان نجسا ويوجب نزح ما قدر لكان مع تغير المقدر يوجب نزح أكثر الامرين من المقدر وما يزيل التغير والا فلا يعقل الاكتفاء بزوال التغير لو حصل قبل استيفاء المقدر ولو فرض كون النجاسة المغيرة لا مقدر لها لم يتم الاكتفاء أيضا بمزيل التغير لان الحق وجوب نزح الجميع لما لا نص فيه بدون التغير فكيف معه وهذا كله لا يجامع القول بالنجاسة ولا يصح مع تأويل الافساد بما أول به القائل بها وحسنه علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال سألته عن بئر ماء وقع فيها زبيل من عذره رطبه أو يابسه أو زبيل من سرجين أيصلح الوضوء منها قال لا بأس والمراد من العذرة والسرجين النجس لان الفقيه لا يسأل عن ملاقاة الطاهر وان سلم فترك الاستفصال في العذرة دليل استواء الطاهرة والنجسة في الحكم باعتبار الوقوع ورواية حماد عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال لا يغسل الثوب ولا تعاد الصلاة مما وقع في البئر الا ان ينتن فان أنتن غسل الثوب وأعاد الصلاة ونزحت البئر وصحيحة معوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام في الفارة تقع في البئر فيتوضى الرجل منها ويصلى وهو لا يعلم أيعيد الصلاة ويغسل ثوبه قال لا يعيد الصلاة ولا يغسل الثوب وقريب منها رواية أبان بن
Page 4
عثمان عنه عليه السلام ورواية عيينة عنه عليه السلام ورواية يعقوب بن عيثم عنه عليه السلام وهذه الروايات الأخيرة حجة الشيخ في كتابي الاخبار على نجاسته وعدم وجوب إعادة الصلاة وتطهير الثوب منها قبل العلم بحالها وحجة البصروي رواية الحسن بن صالح الثوري عن أبي عبد الله عليه السلام قال إذا كان الماء في الزكي كرا لم ينجسه شئ والمراد من الزكي الأبار لغة وعرفا واعلم أن الروايات التي استدل بها الشيخ على عدم الإعادة ظاهرة في الطهارة عاضدة لما دل عليها منها والحكم بالنجاسة مع عدم وجوب إعادة الطهارة وغسل الثوب الذي باشرها مخالف لأصول المذهب فهذا القول ساقط و كذا لاخر من حيث الاستدلال بالخبر فان طريقه ضعيف لحسن بن صالح فإنه زيدي تبرى نعم يمكن الاحتجاج له بعموم قوله عليه السلام إذا بلغ كرا لم ينجسه شئ فإنه متفق على معناه وعلى العمل بمفهومه وتحمل اخبار النجاسة على ما لا يبلغ منه الكر واخبار الطهارة على ما بلغ منه كرا جمعا وبقرينه قوله في صحيح ابن بزيع ماء البئر واسع الخ وهذا طريق حسن في الاستدلال لم يذكروه ولعله أقوى من الجانبين لولا ما نقرره بعد ذلك وقد نسب هذا القول إلى البصروي وكانه عندهم مختص به مع أنه لازم لكل من اعتبر كرية الجاري وحكم بعدم نجاسة البئر بالملاقات فان دليل اعتبار كرية الجاري وارد هنا وأيضا اعتباره في الجاري يدل على اعتباره في البئر بطريق أولي لان كثير الجاري لا ينفعل بالملاقات اجماعا وكثير البئر مختلف فيه فيكون أضعف منه فإذا حكم بانفعال قليل الجاري بالملاقات لزم القول بانفعال البئر بطريق أولي مضافا إلى ما دل عليه من الاخبار المتناول لهما ولغيرهما من افراد المياه و ح فيكون قول البصروي قولا للعلامة ولمن قال بمقالته في المسلمين وهو واضح وان لم يصرحوا به فبقى الكلام في القولين المتقابلين وقد اورد كل من الفريقين على حجة الأخر مناقضات ومعارضات
Page 5
نحن نشير إليها مع ما يرد عليها فنقول إما أصحاب القول المشهور فقد أجابوا عن الحديث الأول من أحاديث الطهارة بأنه مكاتبة يضعف عن الدلالة وبعدم التصريح بان المجيب الامام وبان المراد بالفساد المنفى فساد الكل دون الفساد الكلى إذ لا يفسد فسادا يوجب التعطيل كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم المؤمن لا يخبث أي لا يصير في نفسه خبثا وكقول الرضا عليه السلام ماء الحمام لا يخبث مع أنه يجوز ان تعرض له النجاسة وهذا وإن كان خلاف الظاهر الا ان فيه جمعا بين الاخبار وعن الخبرين الآخرين بان البئر يقع على النابعة والغدير فلعل السؤال عن بئر ماؤها محقون فيكون الأخبار الدالة على وجوب نزح البئر عن أعيان المنزوحات مختصة بالنابعة ويكون هذا متناولا لغيرها مما هو محقون وعن الثاني بالخصوص بان العذرة والسرقين أعم من النجسين فلا يدل على الخاص وبان السؤال وقع عن وقوع الزبيل المشتملة عليهما وذلك لا يستلزم اصابتهما الماء وانما المتحقق إصابة الزبيل خاصة وبامكان ان يراد لا بأس ينزح الخمسين وعن الثالث بان حماد الراوي عن معاوية مقول بالاشتراك على جماعة منهم الثقة وغيره فلعله غير الثقة وبأنه يدل بضيقه ما العامة فيما لا يعقل فيكون الترجيح لجانب الأحاديث الدالة على أعيان المتروحات تقديما للخاص على العام ولمعارضة الأخبار الكثيرة لها وأكثر هذه الأجوبة للمحقق في المعتبر وفيه نظر إما الأول فلان المكاتبة معمول بها وظاهر الضمير عوده إلى الامام لأنه أقرب هذا ما يتعلق بالحديث المتنازع مع أن الشيخ في زيادات التهذيب روى عن محمد بن بزيع في الصحيح عن الرضا عليه السلام قال ماء البئر واسع لا يفسده شئ الا ان يتغير وهذه حجة قويه لا يرد عليها شئ مما ذكر إذ ليس فيها تعرض للمكاتبة ولكنه لم يذكر فيه التعليل بان له مادة وأمره سهل بالنسبة إلى البئر وإن كان ينفع في أمر اخر وأبلغ منه ما رواه الشيخ في الاستبصار عن محمد بن بزيع في الصحيح أيضا عن الرضا عليه السلام أيضا صريحا قال ماء البئر واسع لا ينجسه شئ
Page 6
الا ان يتغير ريحه أو طعمه فينزح حتى يذهب الريح ويطيب الطعم لان له مادة فانى بلفظ الحديث السابق أجمع وزاد تحقيق الرواية عن الرضا عليه السلام من غير مكاتبة ولا يقدح في ذلك كون الاستبصار منحصرا في روايات التهذيب المتعارضة كما هو الظاهر من حاله والباعث لتصنيفه كما أشار إليه في خطبته لان ذلك لا يبلغ حد اللزوم على وجه يتطرق القدح فيما صرح فيه بالمتن الواضح والسند الصحيح فلعله حققه من محل اخر فان الطرق لم تنحصر في التهذيب ولو قدح مثل ذلك فيه لادى إلى الطعن على الشيخ رحمه الله وحاشاه من ذلك وكثير إما يتفق لي تصحيح بعض طرق التهذيب من الكافي للكليني مع تقدمه عليه وغفلة الشيخ في التهذيب عن مراعاة الطريق الصحيح السابق عليه فتفطن لذلك وبقى الكلام على الحديث من جهة قوله لا يفسده شئ فان الافساد أعم من النجاسة إذ المراد به خروجه عن حد الانتفاع به سواء كان بسبب النجاسة أم غيرها لكن الظاهر المتبادر كون المراد به هنا النجاسة بدلا له المقام وقرينة قوله إن لا يتغير طعمه أو ريحه فان تغيره كذلك انما يوجب فساده من جهة النجاسة كما لا يخفى وبهذا يندفع تأويل القايلين بالنجاسة بان المراد فساده بسبب ثوران الحماءة ونحوه من حيث إنه أعم من النجاسة لعدم صحة الاستثناء لان التغيير في أحد الأوصاف لا يقتضى فساده مطلقا ولكان التعليل بالمادة ضايعا وكذا ما قيل من أن المراد بالفساد فساد الكل وهو مستند إلى التغير ولا يلزم منه عدم استناد الفساد الكلى إلى الملاقاة لان ذلك مع كونه خلاف الظاهر متاف للتعليل بالمادة مع أن الذي يفسد بالملاقات كلي على ما ذكروه يوجب فساده مطلقا قبل النزح ونجاسته على كل حال وانما يرن؟
إلى الطهر بالنزح وكذا بما غيره فان المطهر له عندهم هو مزيل التغير أو أكثر الامرين أو ما شاكلهما على اختلاف الأقوال وكيف كان فالفساد ابتداء للجميع وبعد نزح ما يعتبر فيه يطهر الباقي ولو قيل إن نزح المعتبر ح قد يأتي على الجميع قلنا فكذلك في غير ما يوجب
Page 7
التغيير فان منه جملة يوجب نزح الجميع من غير تغيير وقد اطلقه فدل على فساد هذا التأويل ومثله قولهم إن المراد لا يفسده فسادا يوجب التعطيل فان هذا مع كونه خلاف الظاهر ينتقض بما ذكرناه فان التعطيل لا يتحقق مع التغيير وقد يتحقق مع عدمه وبالجملة فالقدح المعتبر في هذا الحديث انما كان من احتمال انقطاعه حيث لم يصرح فيه بان القائل الامام وحيث ثبت ذلك صار دليلا قويا على الطهارة بغير اشكال وثبوته على الوجه الذي قررناه لم يتفطن إليه أحد من الأصحاب قبل يومنا هذا فلله الحمد والمنة واعلم أن بعد تحقيق صحته واتصاله يستفاد منه فايدة جليلة من قوله لان له مادة وهي جعل المادة علة لعدم انفعاله بدون التغيير وقد تحقق في الأصول ان العلة المنصوصة يتعدى إلى كل ما تحقق فيه العلة و ح فيلزم عنه ان الماء النابع مطلقا لا ينجس الا بالتغيير لان له مادة فيكون حجة للقول المشهور بين الأصحاب من عدم اعتبار الكرية في الجاري من حيث المادة ويكون هذا الحديث مخصصا أو مقيدا لقوله عليه السلام إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شئ الشامل للجاري الدال بمفهومه على تنجيس ما دون الكر وهذه حجة قوية على ذلك لم يذكرها أحد منهم وانما أسندوا إلى أدلة واهية لا يثبت مطلوبهم واصلا قد نبهنا عليها في مواضعها منها قولهم إن النص ورد على نفى البأس بالبول في الجاري والنهى عنه في الراكد ولا يخفى عليك عدم دلالة ذلك على عدم النجاسة لوجوه أحدها ان نفى البأس المراد به نفى التحريم لان ذلك هو المعنى الصالح من معانيه هنا ومقتضاه ان الفعل المذكور لا يحرم سواء حصلت النجاسة أم لا وثانيها ان الجاري قد ينجس بالبول كما لو كان قليلا جدا والبول متغيرا بحيث يتغير الماء به وقد لا ينجس والراكد قد ينجس أيضا به على تقدير قلته وقد لا ينجس على تقدير كثرته فاطلاق النهى عنه والاذن في الأخر ليس للنجاسة وعدمها والا لزم التفصيل وثالثها انه ورد أيضا النهى عن البول في الماء مطلقا وقد حملوه على اطلاقه و
Page 8
وحكموا بتأكد الكراهة في الواقف وثبوت أصل الكراهة في الجاري من غير تأكيد جمعا وهذا لا يطابق ما عللوا به من النجاسة وعدمها ورابعها ان هذا الحكم ظاهر في أحكام الخلوة ولاتعرض له إلى حكم النجاسة وعدمها بوجه كما لا يخفى وخامسها ان النهى لو كان للنجاسة لزم النهى عن تنجيس الانسان ملكه أو المباح خصوصا إذا كان ذلك لضرورة أو غرض صحيح وهذا لا دليل عليه والاخبار لا تدل على زيادة عن آداب الخلوة كما ذكرناه واضعف من ذلك استدلوا به على عدم نجاسة الجاري بالملاقات من قولهم إن التعليل بالجريان يشعر بالعلية وان النجاسة لا تستقر في الجاري إلى غير ذلك مما لا يجوز تأسيس الأحكام الشرعية به نعم هذا الحديث المعلل بالمادة صحيح الدلالة على ذلك و لكن لم يتفطن إليه أحد منهم قبل يومنا هذا فيما علمت وبما تحقق لي صرت إلى القول بمضمونه في الامرين معا فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ولنرجع إلى القول في بقية أدلة الطهارة فاما الحديث الثاني فلا يخفى ما في تلك الاعتراضات من التكلف والحامل لهم على ذلك دفع المنافاة بينه وبين اخبار النجاسة وحيث قد حققنا القول بالطهارة بالحديث الأول صار غيره عاضدا وشاهدا فلا يضر القدح فيه ونقول هنا قولهم إنهما أعم من النجس فلا يدل على الخاص قلنا بل يدل من حيث اطلاقهما الشامل للنجس وجواب الامام برفع البأس مطلقا والا لاستفصل وبان الظاهر السؤال عن النجس لان علي بن جعفر فقيه لا يسأل عن ملاقاة الطاهر ولا عما يحتمله ولان الظاهر من العذرة عذرة الانسان النجسة كما نص عليه أهل اللغة في وجه تسميتها ودلالة العرف عليه وقريب منه الجواب عن كون السؤال وقع عن إصابة الزبيل خاصة فان مثل هذا الرجل الجليل لا يسأل عن وقوع الزبيل مجردا عن إصابة النجاسة وحمل البئر المطلق شرعا على النابع المخصوص على المصنع عدول عن الظاهر بغير دليل وابعد
Page 9
وابعد من الجميع التأويل الأخر فان فيه تأخير البيان عن وقت الخطاب بل الحاجة لان السائل يريد بالجواب ما يحكم به على الواقع ويعتقده ويعمل بمضمونه حيث كان واقعا ويفتى به غيره واما الحديث الثالث فالقدح فيه باشتراك حماد جيد مع أن الظاهر الغالب على الظن ان المراد به حماد بن عيسى أو حماد بن عثمان لأنهما كثيرا ما يروى عنهما ويرويان عن معوية بن عمار ومن شاركهما في الاسم واختص بالضعف قليل الرواية جدا الا ان أصل القدح لا يزول بهذا واما قولهم في مرجوحيتها باشتمالها على ما العامة فيما لا يعقل ودلالة اخبار النجاسة على أعيان المنزوحات والخاص مقدم فسنورده عليك جملة ما في الروايات الدالة على أعيان المنزوحات على وجه يرتفع ترجيحها بل صلاحيتها للدلالة رأسا مع ما في هذه من الدلالة نصا وإفادة الحصر المستفاد من الاستثناء مع اعتضاد الجميع بالأصل الاستصحاب وعموم الأدلة الدالة على طهورية مطلق الماء وان تخصصت بموارد فان ذلك غير قادح في العموم بالنسبة إلى الباقي وبمساواة البئر بالنسبة إلى النبع وغير ذلك من الاعتبار بقى للقائلين بالطهارة أدلة أخرى واعتبار طنيتهم على مذهبهم مدخوله منها قولهم إنه لو نجست البئر بالملاقات لما طهرت والتالي ظاهر البطلان بيان الملازمة ان الدلو والرساد وجوانب البئر ينجس بالملاقات أي بملاقات ماء النجس ونجاستها مانعة من حصول الطهارة في الماء بالنزح لدوام ملاقاتها وكذا المتساقط من الدلو حال النزح خصوصا الدلو الأخر وجوابه ان هذا كله مغتفر بالنص الدال على طهرها مطلقا بالنزح وقد صرح به القائلون بالنجاسة ووافقهم القائلون بالطهارة على مثل هذا الحكم في انية الخمر وغطائها وفى آلات العصير العنبي بعد ذهاب ثلثيه مع اتفاقهم على عدم ظهور نص على حكمه وعللوه بأنه لولا الحكم بطهارتها لما أمكن الحكم بطهارة العصير وعدوا الحكم إلى ثياب المباشر ومزاوليه فهلا حكموا هنا بذلك مع دلالة ظاهر النصوص
Page 10