إن بداهة العقل تأبى أن تقبل ذلك، وتنادى بأن أى إنسان توجس خفية من شر حادث وقع له فى مكان لا يمكن أن يعود إليه، وفى سرعة، وهو يملك الاختيار والإرادة، وبالتالى فعودة رسول الله ﷺ لنفس المكان الذى لقى فيه ما خشيه على نفسه، دليل قاطع على ثباته ﷺ، ورباطة جأشه، واطمئنانه ويقينه بفوزه برسالة ربه وأنه لم يشك قط ولو للحظة واحدة فى نبوته، ولا فى أن ما جاءه هو جبريل ﵇، ومعه وحى الله تعالى.
فكل ذلك يؤكد أن الخشية من الموت من شدة الرعب (من المفاجآت التى توالت عليه ﷺ فى هذا اللقاء على ما سبق تفصيله) هو أدنى الأقوال بالصواب فى تفسير الخشية، وأسلمها من الارتياب كما قال الحافظ ابن حجر (١) وهو ما أقول به وأرجحه، بدليل سياق الحديث على ما سبق شرحه، وبدليل قوله ﷺ يعد تتابع نزول الوحي عليه: "فما من مرة يوحى إلى إلا ظننت أن نفسى تقبض" (٢) فهو نص صريح فى خشيته على نفسه من الموت، من شدة الوحي، وهو أحد المفاجآت التى توالت عليه فى هذا اللقاء.
كما لا يمنع أن تكون خشيته ﷺ على نفسه من الموت على أيدى كفار قريش، إذا بلغهم رسالة ربه ﷿، ويشهد لصحة هذا قوله ﷺ: "...وإن الله أمرنى أن أحرق قريشًا. فقلت رب! إذا يثلغوا رأسى فيدعوه خبزه. قال: استخرجهم كما استخرجوك" (٣) .
(١) ينظر: فتح البارى ١/٣٣ رقم٣، ومحمد رسول الله لفضيلة الشيخ محمد عرجون ١/٣٤٤ حيث رد ترجيح الحافظ ابن حجر.
(٢) يراجع: ص٢١٠.
(٣) سبق تخريجه ص٩١، ٩٢.