المقدمة
- بسم الله الرحمن الرحيم -
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا عليه كما يحب ربنا ويرضى. والصلاة والسلام على سيدنا محمد أكرم البشر المبعوث إلى الأسود والأحمر كما يناسب بعلو شأنه ويحرى، وعلى خلفائه الراشدين المهديين وذريته الطيبين الطاهرين وسائر أصحابه المرضيين كما يليق بمراتبهم العظمى ودرجاتهم العليا.
أما بعد، فيقول العبد الفقير إلى رحمة الله الواحد الصمد خادم علماء أهل السنة أحمد بن عبد الأحد العمري الفاروقي نسبا والسهرندي مولدا ووطنا والحنفي مذهبا:
وصلت إلى هذا الفقير قليل البضاعة في هذا الوقت رسالة كتبها الشيعة عند محاصرة عبد الله خان أوزبك المشهد إلى علماء ما وراء النهر في جواب ما كتبوا من تكفير الشيعة وإباحة دمائهم وأموالهم. وكان حاصل تلك الرسالة المزخرفة بعد طي مقدمات يغتر بها السفهاء تكفير الخلفاء الثلاثة ﵃ وذم أم المؤمنين عائشة ﵂. وكان بعض طلبة العلم من الشيعة المترددين إلى هذه البلاد يتباهون ويفتخرون بتلك المغالطات ويشيعونها في مجالس الأمراء والسلاطين. وهذا الفقير وإن كان يردها بالدلائل العقلية والنقلية مشافهة في المجالس والمعارك ويطلع الناس على مزلاتهم الصريحة، لكن حمية الإسلام والعرق الفاروقي مني لم يكفيا بهذا القدر من الرد والإلزام وغليل صدري لم يذهب بما ذكر من الكبت والإفحام. فتقرر في خاطري أن إظهار مفاسدهم وإبطال مقاصدهم لا يفيد فائدة تامة ولا ينفع منفعة عامة حتى يقيد بالكتابة ويجعل في حيز التحرير. فشرعت في رد مقاصدهم الفاسدة وعقائدهم الكاسدة التي أوردوها في تلك الرسالة. وها أنا افيض في المقصود مستعينا بالله الصمد الودود وهو يصون عما يشين وهو المولى والمعين وبه التوفيق ومن عنده التحقيق.
اعلموا أحسن الله إرشادكم أن الشيعة يزعمون أن الإمام الحق بعد رسول الله ﷺ علي ﵁، إما بنص جلي أو خفي، وأن الإمامة لا تخرج منه ومن أولاده إلا بتقية منهم أو بظلم من غيرهم. وهم على كثرة طرقهم وتعدد أصنافهم يجمعهم ثنتان وعشرون فرقة يكفر بعضهم بعضا ويشنع كل واحدة على الأخرى؛ وكفى الله المؤمنين القتال. وبين متأخريهم ومتقدميهم وبين قدمائهم وأقدميهم تفاوت عظيم في البعد عن الحق والقرب منه، لكن جميع فرقهم لفرط تعصبهم وعنادهم يستحقون اللعن والتكفير، إذ أزكى الاعمال وأفضل الطاعات عندهم سب السلف والطعن في الخلفاء الثلاثة بل تكفيرهم. وتحقيق هذه المسألة سيجيء عن قريب، ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين﴾. (١)
ونحن قبل الشروع في المقصود نذكر فرقا منهم نطلعكم على مقاصدهم لتعلموا فضائح هؤلاء الضلال وشنايعهم بأتم وجه. فنقول:
١ - منهم السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ، زعم أن عليا ﵁ إله فنفاه سيدنا علي ﵁ إلى المدائن وزعم أيضا أن ابن ملجم لم يقتل عليا بل قتل شيطانا تمثل بصورته وعلي في السحاب والرعد صوته والبرق سوطه؛ وهم يقولون عند استماع صوت الرعد: عليك السلام يا أمير المؤمنين.

(١) البقرة: ١٦

1 / 1

٢ - ومنهم الكاملية أصحاب أبي كامل، يكفرون أصحاب النبي ﷺ بترك بيعة علي ﵁ ويكفرون عليا بترك حقه ويقولون بالتناسخ.
٣ - ومنهم البيانية أصحاب بيان بن سمعان، يزعمون أن الله على صورة إنسان ويهلك جميع أجزائه إلا وجهه وأن روح الله حلت في علي وبعده في ابنه محمد بن الحنفية وبعده في ابنه هاشم وبعده في بيان.
٤ - ومنهم المغيرية أصحاب مغيرة بن سعيد العجلي، يزعمون أن الله على صورة رجل نوراني على رأسه تاج من نور وقلبه منبع الحكمة.
٥ - ومنهم الجناحية أصحاب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين، يقولون بتناسخ الارواح وبأن روح الله حلت في آدم ثم في شيث ثم في الأنبياء والأئمة حتى انتهى إلى علي وذريته ثم في عبد الله. وهم ينكرون القيامة ويستحلون المحرمات كالخمر والميتة والزنا وغيرها.
٦ - ومنهم المنصورية أصحاب أبي منصور العجلي كان يلازم الإمام الباقر فلما تبرأ منه وطرده ادعى الإمامة لنفسه. زعموا أن أبا منصور صعد إلى السماء فمسح الله رأسه بيده وقال: يا بني اذهب فبلغ عني، ثم نزل إلى الأرض وهو الكسف المذكور في قوله تعالى: ﴿وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحابٌ مركومٌ﴾ (١) وزعموا أن الرسالة لا تنقطع وأن الجنة عبارة عن الإمام الذي أمرنا بمحبته والنار كناية عمن أمرنا ببغضه كأبي بكر وعمر والفرائض جماعة أمرنا بمحبتهم والمحرمات قوم أمرنا ببغضهم.
٧ - ومنهم الخطابية أصحاب أبي الخطاب الأسدي كان يلازم الإمام جعفر الصادق فلما رأى الإمام غلوه فيه تبرأ منه وطرده فصار بعد ذلك يدعي الإمامة لنفسه. زعموا أن الأئمة أنبياء وأبا خطاب نبي بل زادوا على ذلك وزعموا أن الأئمة آلهة والجعفر الصادق إله ولكن أبو الخطاب أفضل منه ومن علي. واستحلوا شهادة الزور لموافقهم على مخالفهم والمحرمات وترك الفرائض، وزعموا أن الجنة نعيم الدنيا والنار آلامها وأن الدنيا لا تفنى أبدا.
٨ - ومنهم الغرابية وزعموا أن محمدا ﷺ أشبه بعلي ﵁ من غراب بغراب وذباب بذباب، وأن الله كان يوحي إلى علي ولكن أخطأ جبريل لكمال المشابهة فأتى بالوحي إلى محمد ﷺ. قال شاعرهم: "غلط الأمين فجازها عن حيدره" وهم يلعنون جبرئيل ﵇.
٩ - ومنهم الذمية يذمون محمدا ﷺ يزعمون أن عليا إله وهو الذي أرسل محمدا ليدعو الناس إليه فتركه ودعى إلى نفسه وزعم بعضهم أن كلا منهما إله. ثم اختلفوا فمنهم من قدم محمدا ﷺ في أحكام الألوهية ومنهم من قدم عليا ﵁. وزعم بعضهم أن الآلهة خمسة وهم أصحاب العباء محمد ﷺ وعلي وفاطمة والحسن والحسين ﵃ وأنهم شيء واحد والروح حلت فيهم على السواء لا فضل لأحد منهم على الآخر. وهم لا يقولون فاطمة بتاء التأنيث تحرزا عن وصمة التأنيث.
١٠ - ومنهم اليونسية أصحاب يونس بن عبد الرحمن القمي زعموا أن الله على العرش وأن الملائكة حملوه وهو أقوى منهم كالكركي يقوم على قدميه وهو أعظم منهما.

(١) الطور: ٤٤

1 / 2

١١ - ومنهم المفوضية زعموا أن الله خلق الدنيا ففوضها إلى محمد ﷺ وأباح له كل شيء فيها وزعم بعضهم أنه فوضها إلى علي ﵁.
١٢ - ومنهم الإسماعيلية يقولون بباطن القرآن دون ظاهره. زعموا أن الباطن من الظاهر بمترلة اللب من القشر ومن تمسك بالظاهر ابتلي بالمشقة في امتثال الأوامر واجتناب النواهي، والتمسك بالباطن يفضي إلى ترك العمل بالظاهر، فاستباحوا المحرمات وتمسكوا بقول عز من قائل: ﴿فضرب بينهم بسور له بابٌ باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب﴾ (١) وزعموا أن الأنبياء المتكلمين بالشرائع سبعة: آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﵊ ومحمد المهدي فعدوا المهدي من الرسل. وأصل دعوتهم إلى إبطال الشرائع والتشكيك في الأحكام؛ يقولون: لم تقضي الحائض الصوم دون الصلاة ولم وجب الغسل من المني دون البول ولم فرضت في بعض الصلوات أربع ركعات وفي بعضها ثلاث وفي بعضها ركعتان؟ ويؤولون الشرائع فالوضوء موالاة الإمام والصلاة هو الرسول. ويتمسكون بقوله تعالى: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ (٢) والاحتلام إفشاء الأسرار إلى غير أهلها والزكاة تزكية النفس بالمعرفة والكعبة محمد والباب علي والصفا محمد والمروة علي والأشواط السبعة في الطواف موالاة الأئمة السبعة والجنة راحة الأبدان عن مشقة التكاليف والنار مشقة الابدان بمعالجة التكاليف. ولهم خرافات كثيرة بمثل ما ذكرنا. ويزعمون أن الله ليس بموجود ولا معدوم وليس بعالم ولا جاهل وليس بقادر ولا عاجز. ولما ظهر الحسن بن محمد الصباح جدد الدعوة نيابة عن الإمام الذي لا يخلو زمان عن وجوده بزعمهم، وأصحابه ينهون العوام عن الخوض في العلم مطلقا والخواص عن النظر في الكتب المتقدمة لئلا يطلعوا على فضائحهم. ويتشبثون بأذيال الفلاسفة ويستهزؤن بالشرائع.
١٣ - ومنهم الزيدية ينتسبون إلى زيد بن علي زين العابدين ﵄. وهم ثلاث فرق: الجارودية يقولون بالنص الخفي على إمامة علي ﵁ ويكفرون الصحابة بترك متابعته بعد النبي ﷺ، والثانية السليمانية يقولون إن الإمامة شورى بين الناس وأبو بكر وعمر ﵄ إمامان ولكن الناس أخطأوا في بيعتهما مع وجود علي ﵁ ولا يجعلون هذا الخطأ فسقا ويكفرون عثمان وطلحة والزبير وعائشة ﵃، والثالثة التبرية وهم يوافقون السليمانية في جميع ما ذكر إلا أنهم توقفوا في عثمان ﵁. وأكثر الزيدية مقلدون في الأصول للمعتزلة وفي الفروع للإمام أبي حنيفة ﵀ إلا في مسائل معدودة.

(١) الحديد: ١٣
(٢) العنكبوت: ٤٥

1 / 3

١٤ - ومنهم الإمامية يقولون بالنص الجلي على إمامة علي ﵁ ويكفرون الصحابة ﵃. واتفقوا على الأئمة المنصوص عليهم إلى جعفر الصادق ﵁ ثم اختلفوا من بعده. والمشهور المختار عند جمهورهم أن الإمام بعده موسى بن جعفر الكاظم ﵁ ثم علي بن موسى الرضا ﵁ ثم محمد بن علي التقي ﵁ ثم علي بن محمد العسكري ﵁ ثم حسن بن علي الزكي ﵁ ثم محمد بن الحسن وهو القائم المنتظر. وكان أوائلهم على مذهب أئمتهم وأما متأخروهم فمنهم من مال إلى المعتزلة ومنهم من مال إلى المشبهة.
وهذا آخر بيان فرقهم الضالة المضلة. وإنما لم نذكر باقي الفرق لأنهم موافقون بالمذكورين إلا في اشياء يسيرة وكل من له أدنى دراية وتميز واطلع على مطالبهم فإنه يحكم لا محالة بفساد مذهبهم بأدنى النظر وإن لم يرجع إلى الأدلة. وماذا أشنع من أنهم ينسبون أنفسهم إلى أهل بيت النبي ﷺ ويدعون متابعتهم وموالاتهم، وأولئك الأخيار يتبرؤن عن هذه المحبة المفرطة ولا يقبلون منهم متابعتهم. إنما محبة هؤلاء الضلال كمحبة النصارى بعيسى بن مريم ﵊: أفرطوا في محبته حتى عبدوه وهو بريء منهم.
وأخرج أحمد عن علي ﵁ أنه قال: قال لي رسول الله ﷺ: "فيك مثل من عيسى ﵇ أبغضته اليهود حتى بهتوا امه وأحبته النصارى حتى أنزلوه بالمترلة التي ليست له" ثم قال: يهلك في رجلان محب مفرط يفرطني بما ليس في ومبغض يحمله شنأني على أن يبهتني. وقوله سبحانه: ﴿إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا﴾ (١) يبين حال الرفضة ومآل أمرهم ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب﴾. (٢)
قال علماء ما وراء النهر شكر الله سعيهم: قد اشتهر بل تواتر أن النبي ﷺ كان يوقر الخلفاء الثلاثة ويقدمهم في الأمور على غيرهم ويدنيهم؛ وصحت في فضائلهم ومناقبهم أحاديث لا تعد ولا تحصى. وجميع أقوال النبي ﷺ وأفعاله بأمر الله تعالى ووحيه لقوله عز من قائل: ﴿وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحيٌ يوحى﴾ (٣) والشيعة في طعنهم وذمهم يخالفون الوحي ومخالفة الوحي كفر.

(١) البقرة: ١٦٦
(٢) آل عمران: ٨
(٣) النجم: ٣ - ٤

1 / 4

وأجابت الشيعة عن ذلك أولا بأنه لو تم دليلكم هذا للزم منه القدح في الخلفاء الثلاثة وبطلان خلافتهم وذلك لأن شارح المواقف نقل عن الآمدي وهو من أكابر أهل السنة أن الصحابة اختلفوا عند وفاة النبي ﷺ مرتين. الأولى أن النبي ﷺ قال: "إيتوني بقرطاس أكتب لكم شيئا لا تضلوا بعده" فلم يرض عمر بذلك وقال إن الرجل غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا. فاختلفوا وارتفعت الأصوات فتأذى النبي ﷺ من اختلافهم وقال: "قوموا عني فلا ينبغي التراع عندي" والثانية أن النبي ﷺ أمر قوما أن يخرجوا مع أسامة فتخلف ناس وبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "جهزوا جيش أسامة. لعن الله من تخلف عنه" (١) ومع هذا الوعيد الشديد تخلف ناس ولم يخرجوا معه. فنقول أمر النبي ﷺ بإحضار القرطاس وكتابة الوصية وحي للآية التي تلوتموها، ورد عمر أمره وعدم رضائه به رد للوحي، ورد الوحي كفر على ما اعترفتم به على ما دل عليه قوله تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ (٢) والكافر لا يستحق خلافة النبي ﷺ. ونقول أيضا التخلف عن جيش أسامة كفر لما ذكر، وقد ثبت عن الخلفاء الثلاثة باتفاق منا ومنكم. ولنا أن نقول أيضا إخراج النبي ﷺ مروان من المدينة لا جرم بالوحي وإدخاله عثمان إياه فيها وتوقيره وتفويضه أمور الخلافة كفر بوجهين أحدهما ما اعترفتم به والثاني قوله تعالى: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾. (٣)
أقول ومن الله العصمة والتوفيق: لا نسلم أن جميع أقوال النبي ﷺ وأفعاله بالوحي. وتمسكهم بقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحيٌ يوحى﴾ ليس بتام لأنه مختص بالقرآن. قال القاضي البيضاوي: معناه: وما يصدر نطقه بالقرآن عن الهوى.
ولو كان جميع أقواله وأفعاله ﷺ بالوحي لما نزل القرآن بالعتاب في بعض المواضع كما في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ (٥) وقوله سبحانه: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا﴾ (٦) وقوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا﴾ (٧) نزلت هذه الآية في رواية بعد الصلاة على المنافق وفي رواية قبلها بعد ما صمم العزم عليها. وعلى التقديرين العتاب على الفعل ثابت فعل القلب كان أو فعل الجوارح.

(١) الضعيفة ٤٩٧٢
(٢) المائدة: ٤٤
(٣) المجادلة: ٢٢
(٤) التحريم: ١
(٥) التوبة: ٤٣
(٦) الانفال: ٦٧
(٧) التوبة: ٨٤

1 / 5

قال القاضي البيضاوي في تفسير قوله عز من قائل: ﴿ما كان لنبي﴾ الخ دليل على أن الأنبياء يجتهدون وأنه قد يكون خطأ. وبالجملة فكان للصحابة في الأمور العقلية والأحكام الاجتهادية مجال اختلاف ومساغ خلاف وكان الوحي في بعض الأوقات يوافق رأي بعض الأصحاب كما نزل في أسارى بدر على موافقة رأي أمير المؤمنين عمر ﵁ ولا يقدح ذلك في النبي ﷺ إذ منشأه تهيأ قلبه للوحي وقلة التفاته إلى الأمور العقلية. قال القاضي البيضاوي: روي أن النبي ﷺ أتى يوم بدر بسبعين اسيرا منهم العباس وعقيل بن أبي طالب فاستشار فيهم فقال أبو بكر ﵁: قومك وأهلك استبقهم لعل الله تعالى يتوب عليهم وخذ منهم فدية يتقوى بها أصحابك، وقال عمر ﵁: اضرب أعناقهم فإنهم أئمة الكفر وإن الله تعالى أغناك عن الفداء، مكني من فلان ومكن عليا وحمزة من إخوانهما فلنضرب أعناقهم، فلم يهو ذلك رسول الله ﷺ وقال: "إن الله تعالى ليلين قلوب عباد حتى تكون ألين من اللبن وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة وإن مثلك يا ابا بكر مثل إبراهيم قال: ﴿فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفورٌ رحيمٌ﴾ (١) ومثلك يا عمر مثل نوح قال: ﴿لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾ " (٢) فخير أصحابه فأخذوا الفدية، فترلت يعني آية ﴿ما كان لنبي﴾ فدخل عمر ﵁ على رسول الله ﷺ فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال: يا رسول الله أخبرني فإن أجد بكاء بكيت وإلا تباكيت فقال: "أبكي على أصحابي في أخذهم الفداء ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة" لشجرة قريبة منه.
وقال القاضي أيضا روي أنه ﷺ قال: "لو نزل العذاب لما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ" وذلك لأنه أشار بالإثخان أيضا.

(١) إبراهيم: ٣٦
(٢) نوح: ٢٦

1 / 6

وإذا تمهد هذا فنقول يمكن أن لا يكون أمره ﷺ بإحضار القرطاس وتجهيز جيش أسامة وكذا إخراجه المروان بطريق الوحي بل بطريق الرأي والاجتهاد. واختلافهم في أمثال ذلك لا نسلم أنه كفر لأن هذا القسم تكرر صدوره من الصحابة ولم يعاتبهم الله. وكان الله يترل الوعيد الشديد في أدنى إساءة أدب معه ﷺ كما قال عز من قائل: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾ (١) قال شارح المواقف نقلا عن الآمدي: كان المسلمون عند وفاة النبي ﷺ على عقيدة واحدة وطريقة واحدة إلا من كان يبطن النفاق ويظهر الوفاق، ثم نشأ الخلاف بينهم في أمور اجتهادية لا توجب إيمانا ولا كفرا وكان غرضهم إقامة مراسم الدين وإدامة مناهج الشرع القويم وذلك كاختلافهم عند قول النبي ﷺ في مرض موته: "إيتوني بقرطاس" الخ وكاختلافهم بعد ذلك في التخلف عن جيش أسامة فقال قوم بوجوب الاتباع لقوله: "جهزوا جيش أسامة" الخ وقال قوم بالتخلف انتظارا لما يكون منه في مرضه. فإن قال قائل: ثبوت اجتهاده إنما هو بالوحي فصح أن جميع أقواله وأفعاله بالوحي، قلنا: فرق بين أن يكون كل فعل فعل وقول قول صادرا من الوحي وبين أن يكون جواز الاجتهاد ثابتا من الوحي وتكون الأحكام الاجتهادية بتفاصيلها مستنبطة من أدلتها التفصيلية ومقدماتها الفكرية ألا ترى أن أقوال المجتهدين من الأمة ليست من الوحي وإن كان اجتهادهم ثابتا بالوحي وهو قوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ (٢) ولإن سلمنا أن جميعها بالوحي قلنا أن نمنع كلية المقدمة القائلة بأن مخالفتها كفر وسند المنع ما مر.
والذي وقع في كلام علماء ما وراء النهر من إن جميع أقواله ﷺ بالوحي إنما المراد به والله أعلم ما سوى الأمور الاجتهادية والمقصود من التعميم بيان أن ما صدر من الوحي الجلي والخفي سواء، وهذا القدر يكفي في مقصودهم لأن الأحاديث الواردة في مدح الخلفاء الثلاثة ﵃ من قبل الإخبار بالمغيبات فهي لا بد من الوحي قال تعالى: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾ (٣) وقال: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول﴾ (٤) وعلى هذا التقدير يكون المراد من الوحي في قوله تعالى: ﴿إن هو إلا وحيٌ يوحى﴾ أعم من القرآن وغيره من الوحي، ولا شك إن مخالفة مثل هذه الأفعال والأقوال تستلزم مخالفة الوحي ومخالفته كفر والأحاديث الواردة في مدائحهم مما هي من إعلام الله سبحانه يقينا كثيرة بلغت الشهرة بل التواتر:
١ - منها ما رواه الترمذي عن النبي ﷺ أنه قال لأبي بكر ﵁: "أنت صاحبي في الغار وصاحبي على الحوض".
٢ - ومنها ما رواه الترمذي أيضا أنه قال: "أتاني جبرئيل فأخذ بيدي فأراني باب الجنة الذي يدخل منه أمتي" فقال أبو بكر: يا رسول الله وددت أني كنت معك حتى أنظر إليه، فقال رسول الله ﷺ: "أما أنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة".

(١) الحجرات: ٢
(٢) الحشر: ٢
(٣) الانعام: ٥٩
(٤) الجن: ٢٧

1 / 7

٣ - ومنها ما رواه البخاري ومسلم عنه ﷺ أنه قال: دخلت الجنة إلى أن قال: «ورأيت قصرا بفنائه جارية فقلت لمن فقالوا لعمر بن الخطاب فأردت أن أدخله فأنظر إليه فذكرت غيرتك» فقال عمر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أعليك أغار.
٤ - ومنها ما رواه ابن ماجة عنه ﷺ أنه قال: "ذاك الرجل أرفع أمتي درجة". قال أبو سعيد: والله ما كنا نرى ذلك الرجل إلا عمر بن الخطاب ﵁ حتى مضى لسبيله.
٥ - ومنها ما أخرج البخاري عنه ﷺ أنه قال: "ما قدمت أبا بكر وعمر ولكن الله قدمهما". (١)
٦ - ومنها ما أخرجه أبو يعلى عن عمار بن ياسر أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أتاني جبرئيل فقلت يا جبرئيل حدثني بفضائل عمر بن الخطاب فقال لو أحدثك ما لبث نوح في قومه ما نفدت فضائله وإن عمر حسنة من حسنات أبي بكر".
٧ - ومنها ما رواه الترمذي عن أنس وابن ماجة عن علي بن أبي طالب أنه ﷺ قال: «أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين».
٨ - ومنها ما رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري أنه قال: كنت مع النبي ﷺ في حائط من حيطان المدينة فجاء رجل فاستفتح فقال النبي ﷺ: «افتح له وبشره بالجنة» ففتحت له فإذا أبو بكر فبشرته بما قال رسول الله ﷺ فحمد الله ثم جاء رجل فاستفتح فقال النبي ﷺ: «افتح له وبشره بالجنة» ففتحت له فإذا عمر فأخبرته بما قال النبي ﷺ فحمد الله ثم استفتح رجل فقال: «افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه» فإذا عثمان فأخبرته بما قال النبي ﷺ فحمد الله ثم قال: والله المستعان.
وأيضا لو سلم أن إخراج مروان كان بالوحي فلا نسلم أن المقصود نفيه أبدا. لم لا يجوز أن يكون إخراجه موقتا وتغريبه مؤجلا كما وقعت في حد الزنا حيث قال: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ويكون سيدنا عثمان مطلعا على ذلك التوقيت فلما انقضت المدة أدخله المدينة ولا محذور فيه. وقوله تعالى: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون﴾ (٢) إنما يمنع من مودة الكفار ولم يثبت كفر مروان حتى يكون مودته منهيا عنها.
وأجابت الشيعة ثانيا بأن ثبوت فضائل الخلفاء الثلاثة من النبي ﷺ ليس بمتفق عليه بين الفريقين إذ ليس منها شيء في كتب الشيعة والأحاديث الدالة على ذمهم كالروايتين المذكورتين وغيرهما موجودة في كتب الفريقين جميعا. وأيضا جوز بعض أهل السنة وضع الأحاديث للمصلحة فلا اعتماد على حديثهم إذا لم يكن متفقا عليه.

(١) لم يروه البخاري
(٢) المجادلة ٢٢

1 / 8

أقول: لما تدينت الشيعة لشدة تعصبهم وعنادهم لطعن السلف وسب الخلفاء الثلاثة ﵃ لم يبالوا بقدح الأحاديث الصحيحة الواردة في مناقبهم ولا بتحريف الروايات والتصرف فيها من عند أنفسهم حتى أنهم قالوا في قوله تعالى: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ (١) ما قالوا واعتقدوا أن عثمان ﵁ كتم من القرآن ما نزل في فضائل أهل البيت. وقد ذكرنا سابقا أن منهم طائفة تجوز شهادة الزور لموافقهم على مخالفهم، فإذا كان كذلك ارتفع الأمن من أحاديثهم ورواياتهم ولم يبق تعريج على جرحهم وتضعيفهم وصارت الأحاديث التي يروونها عن أئمة أهل البيت بمترلة التوراة والانجيل حيث حرفهما اليهود والنصارى.
ومناقب الخلفاء الثلاثة موجودة في صحيح البخاري الذي هو اصح كتاب بعد كتاب الله وفي صحيح مسلم وغيرهما. والذي ظنوه ذما وتخيلوه جرحا ليس كما ظنوا، إنما ظنهم ذلك بمترلة وجدان الصفراوي السكر مرا.
وأما الذي ذكروه من إن بعض أهل السنة جوزوا وضع الحديث فإنما يرفع الأمان عن حديثهم إذا لم يرد المحققون من أهل السنة كلام ذلك البعض ولم ينكروا عليهم. والأمر ليس كذلك بل جهابذة أهل الحديث بينوا الأحاديث الموضوعة وأنكروا على واضعها. وحينئذ لا يعود إليهم شيء ولا يلتبس الحق الواضح بالباطل.
وأجابت الشيعة ثالثا بأن مخالفة خبر الواحد ليس بكفر إذ ليس واحد من علمائكم المجتهدين إلا قد خالف بعض أخبار الآحاد.
أقول: لا يخفى أن الأحاديث الواردة في فضائل الخلفاء الثلاثة ﵃ وإن كانت من جهة ألفاظها أحادية لكنها لتعدد طرقها وكثرة رواتها متواترة بالمعنى. ولا شك أن إنكار مدلول مثل هذه الأخبار كفر، ولم يخالف أحد من المجتهدين مثلها. بل الإمام أبو حنيفة رحمة الله عليه الذي هو رئيس أهل السنة يقدم خبر الواحد مطلقا، بل أقوال الصحابة أيضا على القياس.
وأجابت الشيعة رابعا بعد التسليم بأن توقير النبي ﷺ وتقديمه الخلفاء الثلاثة كان قبل مخالفتهم ونكثهم البيعة فلا يدل شيء من ذلك على حسن خاتمتهم وسلامة عاقبتهم لأن العقوبة قبل صدور العصيان وإن كان معلوما لا تليق بالنبي ﷺ. ولهذا أخبر علي ﵁ بما يفعله ابن الملجم ولم يعاقبه.
أقول: لا يخفى أن الأحاديث الواردة في فضائلهم ناصة على حسن خاتمتهم وسلامة عاقبتهم كالأحاديث التي رويناها سابقا. وكما أن عقوبة العاصي قبل صدور العصيان وإن كان معلوما ليست بمحمودة فكذلك مدح من علم سوء خاتمته والإبرام في ذكر فضائله والتناهي في توقيره وتقديمه غير محمود. ولهذا قلنا إن هذه الأمور دالة على حسن حالهم حالا ومآلا. وعلي ﵁ كما لم يعاقب ابن الملجم على ما يفعله فكذلك لم يمدحه بل بين ما يدل على سوء حاله في المآل.
قال علماء ما وراء النهر ﵏: إن الخلفاء الثلاثة قد شرفهم الله تعالى برضوانه بقوله: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ (٢) فيكون سبهم كفرا.

(١) القيامة: ١٧
(٢) الفتح: ١٨

1 / 9

وأجابت الشيعة بمنع دلالة الآية على تشريفهم بالرضوان لأن مدلولها عند التدقيق رضاء الله تعالى بذلك الفعل الخاص أي البيعة وليس أحد ينكر أنه قد صدر منهم بعض الأفعال المرضية إنما الكلام أنهم صدر منهم بعد ذلك أفعال تكون نقضا لذلك العهد ونكثا لتلك البيعة حيث خالفوا نص النبي ﷺ في الخلافة وغصبوها من مستحقها وآذوا فاطمة ﵂. وقد أخرج البخاري عنه ﵊ أنه قال: «من آذاها فقد آذاني» وقال الله تعالى: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة﴾ (١) وتخلفوا عن جيش أسامة. فلأمثال هذه الأفعال استحقو الطعن، إذ سلامة العافية بحسن الخاتمة والوفاء بالعهد والبيعة.
أقول: مدلول الآية عند التحقيق أن رضاء الله تعالى تعلقت بالمؤمنين عند بيعتهم النبي ﷺ لا أنها تعلقت بالبيعة. غاية ما في الباب أن التدقيق يقضي إلى علية بيعتهم لرضاء الله تعالى عنهم. نعم كون البيعة مرضية إنما يفهم من كونها علة للرضاء وكون هؤلاء مرضيين لأجلها، فتكون مرضية بالطريق الأولى. أما أن البيعة هي المرضي عنها أصالة مع عدم كون أهلها مرضيين كما زعموا فمما لا يفهم أصلا. ولما التبس عليهم الحق سموا خطأهم تدقيقا. فإذا تمهد هذا فنقول: لما ﵃ وقد علم سرائرهم وبواطنهم وأنزل السكينة والطمأنينة عليهم على ما دل قوله تعالى: ﴿فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم﴾ (٢) وبشرهم النبي ﷺ بالجنة، فلا بد أنهم مصونون عن سوء الخاتمة ونقض العهد ونكث البيعة. ولئن سلمنا أن مدلولها رضاء الله بذلك الفعل الخاص فلنا أن نقول لما رضي الله تعالى عن بيعتهم لزم منه أن يكونوا مرضيين وأن تكون عاقبتهم محمودة لأن الله تعالى لا يرضى عن أفعال الكفار قال تعالى: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء﴾ (٣) وقال: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافرٌ فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة﴾ (٤) فالعمل الذي يكون مضمحلا في الآخرة ولا تترتب عليه ثمرة لا معنى لرضاء الله به، إذ الرضاء نهاية القبول والقبول إنما هو باعتبار المآل وإنما العبرة بالخواتيم.
ثم ورود النص من النبي ﷺ بأن الخليفة بعده علي ﵁ غير ثابت، بل قام الدليل على نفيه لأنه لو ورد لنقل بالتواتر لأنه مما يتوفر الدواعي إلى نقله كقتل الخطيب على المنبر. وأيضا لو كان نص في هذا الباب لاحتج به علي ولمنع به أبا بكر من الخلافة كما منع أبو بكر الأنصار بقوله ﷺ: «الأئمة من قريش» فأذعنوا له ولم يناقشوه.

(١) الأحزاب: ٥٧
(٢) الفتح: ١٨
(٣) النور: ٣٩
(٤) البقرة: ٢١٧

1 / 10