Le Collier sur le Parfait
القرط على الكامل
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
إن دور المسلمين الأندلسيين في نهضة الحضارة الأوربية عامة وتقدم العلوم والآداب العربية الأندلسية أمر بديهي وحقائق تاريخية ثابتة لا يمكن إنكارها أو تجاهلها. فلولا المسلمون دخلوا الأندلس لإيقاظ أوربا النائمة في ذلك الوقت لتأخرت النهضة الأوربية العلمية الحديثة كما أنهم لو مكثوا فيها حاكمين وأقاموا بها مدة أخرى من الزمان محافظين على تراثهم العلمي والأدبي المضاع على أيدي الإفرنج، واستمروا في خدمة العلم والحضارة الأندلسية والنهوض بها، لاستنارت أوربا المظلمة في أقل وقت وأسرعه واتعجلت نهضتها الحديثة ولقطع موكب الحضارة البشرية مسافته البعيدة بخطوات مسرعة ولبلغ الإنسان ما يتمنى أن يبلغه من الأهداف والغايات بكل سرعة وسهولة ويسر. ولكنه يا للأسف ويا له من خسارة! قد وقعت وأصبحت الأندلس الإسلامية أسطورة من أساطير الماضي وعبرة من عبر التاريخ ولله در أوس حيث " المنسرح ":
أيتها النفس أجملي جزعا ... إن الذي تحذرين قد وقعا
على كل حال فقد عرفت الأندلس في خلال الحكم الإسلامي بها تطورت مخلفته في العلوم ولآداب إلى جانب حضاري ملموس وذلك أسباب ووسائل أهمها: هجرة العلماء المسلمين من الشرق إلى الأندلس.
بعثات الطلاب الأندلسيين إلى المراكز الثقافية الإسلامية في الشرق.
هجرة الكتب والمؤلفات العربية من الشرق الإسلامي إلى الأندلس.
كون العربية لغة البلاط والحكومة والشعب مما جعل العربية وعلومها وآدابها تتقدم وتزدهر تقدمها وازدهارها في العواصم الإسلامية الشرقية.
أما أخصب العصور إنتاجا وأغزرها مادة فهما العصران عصر الخلافة الأموية وخاصة عصر الخليفتين الناصر لدين الله وابنه المستنصر بالله والعصر الثاني هو عصر ملوك الطواءف. وهذا العصر الأخير هو الذي يهمنا لأنه هو عصر صاحبينا أبى الوليد والوقشي وابن السيد البطليوسي فعلينا أن ندرس بعض الجوانب لهذا العصر ونلتقط منه بعض الصور الجميلة الرائعة حتى نعرف الجو الذي عاشا فيه قم ننتقل إلى ترجمتها والدراسة لآثارهما المجيدة.
عصر الوقشي وابن السيد البطليوسي
أبو محمد ابن السيد البطليوسي
حياته، ومؤلفاته، وشيوخه، وتلاميذه
صور من عصر ملوك الطوائف وبعض مميزاته
يمتاز هذا العصر بكثرة الفتن والمعارك والحروب والاضطراب والبذخ والترف واللهو والخلاعة، كما أنه يمتاز بشدة الروح الدينية وازدهار الحركة الأدبية وكثرة العلماء والأدباء والشعراء، وشيوع فن الموشح في الشعر العربي الأندلس الذي ظهرت طلائعه في مطلع هذا العصر. أما عصر المرابطين، الذين حلوا محل ملوك الطوائف، فانه يمتاز بالتعصب الديني، وتسليط البرابرة وضعف الحركة الأدبية، وظهور الزجل من الشعر العامي. واستيلاء النساء والفقهاء على شؤون الدولة.
وهذه صور ولقطات من الحياة في عصر ملوك الطوائف
١ - النظم الإدارية
لم يحدث شيء جديد من النظام الإداري في عصر ملوك الطوائف، وإنما كانوا يسيرون على سنن الأمويين قبلهم حذو النعل بالنعل، وكانت نظمهم في الجملة نظما فردية جانحة إلى الاستبداد بكرامة الإنسان. ولقد أصاب الأستاذ الكبير إحسان عباس وأجاد حيث قال: " وليس هناك من تفاوت كبير بين هذه الإمارات فيما تنتهجه من نظم سياسية أو إدارية، فالسيد فيها ذو سلطان مطلق يميل في أغلب الأحيان إلى الاستبداد والاستهانة بالدماء وانتهاز الفرص، مع ميل إلى الاستكثار من أسباب الترف وضروب العمران. وهو يعتمد على وزير أو وزراء، من طبقة الكتاب، أو الفقهاء، وللوزير الكاتب مكانة هامة في الدولة لأنه اللسان المعبر عن سياستها وعلاقتها، بأسلوب لبق أو قوى. أما العلاقة بين هذا السيد والشعب، فهي علاقة الجباية، نظرًا لحاجته إلى المال لإعداد الجند وغير ذلك من شؤون دولته وأسباب ترفه.
1 / 1
أما العلاقات بين هؤلاء الملوك والأمراء أنفسهم فقد كان أساسها وبناؤها على حذر ونفاق ومنافسة ومعاداة ومؤامرة، مما أشعلت به نار الفتن بينهم جميعا فأخذوا يتحاربون ويتطاحنون ويستمدون عددهم الأجنبي المتربص بهم الدوائر. وكان واحد منهم، إذا أحس بالقوة أو آنس في نفسه البأس، انقض على جاره الضعيف لتحقيق مجده الشخصي. فلم يكن أمام المغلوب الضعيف إلا طريقان أما أن يتخالف مع جار أقوى أو يستنصر من الإفرنج.
وظل المر على ذلك ودسائس الفونس وغاراته تشتد، واضطراب العامة واستصراخهم يزيد، حتى لبى دعواتهم يوسف اللمتوني ليذيق ملوم الطوائف و" سيدهم " افونس بأسه، وفي خلال سنوات عديدة، دانت له الأندلس كلها وأصبح ملوك الطوائف عبرة من عبر التاريخ وأسطورة من أساطير الدهر.
٢ - الضعف والاضطراب الداخلي
وكان عصر الطوائف هو أضعف العصور الإسلامية في الأندلس وأوهنها ففيه انقسمت البلاد، وتولى الحكم فيه بعض والضعفاء الحمقاء، الذين كانوا يفخرون بقرد أهداه إليهم ملك الأسبان. كما أنهم كانوا يدعونه ويسلمون إليه مقاليد المدن فيحتلها العدو، ويقتل أهلها، وينهب أموالهم كما فعل القادر ابن ذي النون بأهل طليطلة. وأضف إلى ذلك ما حدث في هذا العصور من الفتن والحروب التي قامت بين ملوك الطوائف أو الأجناس المختلفة، والاشتاط في تحصيل الضرائب، والصراع العنصري العنيف بين الجنسيات المتعادية. فكان نتيجة هذا الجو المضطرب المتموج ظهور الأشخاص الانتهازيين المغامرين المتعلقين في نواحي البلاد: " ولا سيما في بلاطات الملوك وقصور الأمراء، يتلمظون بانتظار فرصة وصفقة رابحة ولقمة سائغة ".
٣ - الروح الدينية المتشددة
لم تزل هذه الروح تسود المجتمع الإسلامي في الأندلس في جميع أدوار التاريخ والسبب في ذلك يرجع إلى أمرين. أولهما أن المسلمين كانوا في بقعة تتأخمها المسيحية المتعادية لدينهم ووجودهم فكان لذلك أثر كبير في إذكاء الشعور الديني في نفوسهم والتعصب لعقيدتهم، كما نرى عند المسلمين في شبه القارة الباكستانية الهندية. فان هذا التحمس الشديد للإسلام والمناضلة دونه كان كله كرد فعل لتعصب الهنادكة وعدواتهم الكامنة ضد الإسلام والمسلمين في هذه الديار.
ثاني الأمرين هي سيادة الفقهاء وقيادتهم. فان الأمير عبد الله بقول في مذكراته: " ولم تزل الأندلس قديما وحديثا عامرة بالعلماء والفقهاء وأهل الدين، وإليهم كانت الأمور مصروفة " إلا ما يلزم للملك من خاصته وعبيده وأجناده من الأخذ من واحد ودفعه لآخر لينخل بذلك عسكره ويتخير أفضله " وقد زادت هذه الروح شدة في عصر ملوك الطوائف، فقد كان الفقهاء يرجع إليهم في شئون الحياة، ومنهم الوزراء والكتاب، وإليهم كان الرأي والمشورة في شؤون الدولة، وكانت كلمتهم هي العلياء. وقد استبد بعضهم بالأمر فاقام دولة مستقلة من أمثال القاضي ابن عباد صاحب أشبيلية والقاضي ابن الجحاف صاحب بلنسية. وكان زهير العامري يشاور الفقهاء ويعمل بقولهم. وكان مجتهد العامري قد نصب بمحل ملكه خايفة دعا الناس إليه وهو الفقيه أبو عبد الله المعيطي وأخذ له على الناس البيعة في جميع عمله بدانية وميورقة وغيرهما، وقد كان هذا الفقيه يعبث بالناس ويستأثر بالفيء ويجاهر بالمعاصي.
وقد استغل الفقهاء مكانتهم الدينية وسلطتهم السياسية فجمعوا الأموال الضخمة على حساب الرعية مما أثار حفائظ الشعب فأعلنوا ذمهم وتهكموا بهم وذمهم الشعراء وحملهم ابن حيان مسؤولية سقوط بلاد الإسلام وزوال الأمة وفسادها وأشركهم في ذلك مع الأمراء والملوك.
٤ - الترف والرخاء والبذخ
ويمتاز هذا العصر بمظاهر الرخاء والبذخ والإسراف في شراء القينات، وبناء الدور، والقصور، وإنشاء الحدائق المثمرة، والرياضيات الناضرة، والبساتين الزهراة. وكان ذلك كله على حساب الرعية من الضرائب الباهظة المثقلة التي كانت تفرض عليها.
٥ - طرب واللهو والخلاعة
1 / 2
وقد كانت نتيجة هذا الترف، والبذخ، وكثرة الجواري، والغلمان أن انتشرت الخلاعة والمجون، وعمت مجالس اللهو والطرب، وساءت أخلاق العامة والخاصة، وفسد المجتمع الإسلامي، وانغمس الشعراء الكتاب في حمأة الدعارة، ونطقت ألسنتهم بأفحش الأقوال. وزاد الطين بلة إذا شجعهم الملوك والأمراء على ذلك، وشاركوهم في مجالسهم للطرب واللهو والأنس. حتى أننا نراهم قد بلغ فسقهم القمة إذ يقيمون هذه المجالس اللاهية في الليلة السابعة والعشرين من رمضان، الليلة المباركة التي يجب أن ينقطع فيها الإنسان المسلم إلى العبادة وذكر الله ﷿، ويقول الفتح ابن خاقان: وأخبرني الوزير أبو الحسين بن سراج، وهو بمنزل الوزير أبي عامر بن شهيد، وكان من البلاغة في مدى غاية البيان، ومن الفصاحة في أعلى مراتب التبيان، وكنا نحضر مجلس شرابه ولا نغيب عن بابه، وكان له، بباب الصومعة من الجامع، موضع لا يفارقه أكثر نهاره، ولا يخليه عن نثر درره، وأزهاره. فقعد فيه ليلة سبع وعشرين من رمضان، في لمة إخوانه، وأئمة سلوانه، وقد ليقطفوا نخب أدبه، وهو يخلط لهم الجد بالهزل، ولا يفرط من انبساط مشتهر، ولا انقباض جزل، إذا بجارية من أعيان أهل قرطبة، معها من جواريها من يسترها ويواريها، وهي ترتاد موضعا لمناجاة ربها، وتبتغي منزلا لاستغفار ذنبها، وهي متنقبة خائفة، وممن يرقبها مترقبة، وأمامها طفل لها كأنه غض آس، أوضبي يمرح في كناس. فلما وقعت عينها على أبي عامر، ولت سريعة، وتولث مروعة، خيفة أن يشبب بها، أو يشهرها باسمها. فلما نظرها قال قولا فضحها به وشهرها. " المتقارب ":
وناظرة تحت طي القناع ... دعاها إلى الله للخير داع
سعت خيفة تبتغي منزلا ... بوصل التبتل والانقطاع
وجالت بموضعنا جولة ... فحل الربيع بتلك البقاع
أتتنا تبختر في مشيها ... فحلت بواد كثير السباع
٦ - العناية بالعلوم والآداب في هذا العصر
جرت حادثتان في قرطبة فغيرنا مجرى التاريخ الإسلامي الأندلسي، أولهما موت الحكم المستنصر بالله الخليفة الأموي في سنة ٣٦٦ هـ. فتغلب ابن ابي عامر على مقاليد الحكم، وتدبير الملك، ثم أمر باخراج الكتب من الفلسفة، والمنطق وعلم النجوم، والكلام، غير ذلك، وإحراق بعضها، وطرح بعضها في الآبار ودفنها تحت التراب والحجارة، وكل ذلك كان تحببا إلى عوام الأندلس، وتقبيحا لمذهب الخليفة الراحل عندهم. فتنوهبت مكتبة المستنصر وخزانته الكبرى من نفائس الكتب، وانتشرت كتبه في أنحاء الأندلس، وتستر الناس بما كان عندهم من كتب العلوم المهجورة، إلى أن جاء أمر الله بظهورها، واصبح اهتمام العامة بالمكتبات، واقتناء الكتب في سائر البلاد الأندلسية، أمرا ملحوظا وأخذ الناس يتنافسون في ذلك.
والحادثة الثانية هي موت ابن أبي عامر نفسه، ذلك الزعيم البطل، والأمير الموهوب، الذي يعتبر أعظم أمراء الأندلس، وأكبر قوادها، ذلك سنة ٣٩٣هـ والفترة التي تلت موته كانت فترة مضطربة جدا، تعاقب فيها خلفاء ضعفاء، الذين لم يكن لهم حظ من الخلافة والحكم إلا الأسماء والألقاب. وانتهى الأمر بثورة الولاة والحكام، وإعلان استقلالهم في كل مدينة. " ولما ثار ملوك الطوائف بعد انهيار الدولة الأموية وتفرقوا في البلاد، كان في تفرقهم اجتماع على النعم لفضلاء العباد، إذ نفقوا سوق العلوم، وتباروا في المثوبة على المنثور والمنظوم، فما كان أعظم مباهاتهم إلا قول: العالم الفلاني عند الملك الفلاني والشاعر الفلاني مختص بالملك الفلاني وليس منهم إلا من بذل وسعه في المكارم ونبهت الأمداح من مآثره ما ليس طول الدهر بنائم، وقد سمعت ما كان من الفتيان العامرية مجاهد ومنذر وخيران، وسمعت عن الملوك العربية، بنو عباد، وبنو صمادح، وبنو الأفطس، وبنو ذي النون، بنو هود، كل منهم قد خلت فيه من الأمداح ما لو مدح به الليل لصار أضواء من الصباح، ولم تزل الشعراء تتهاوى بينهم تهاوي النواسم بين الرياض، وتفتك في أموالهم فتكة البراض.
1 / 3
ويقول القاضي صاعد أنه لما " انقرضت دولة بني أمية من الأندلس، وافترق الملك من المسربين عليهم في صدر المائة الخامسة من الهجرة، وصاروا طوائف، واقتعد كل ملك قاعدة من أمهات البلاد، فاشتغل بهم ملوك الحاضرة العظمى فرطبة عن امتحان الناس، والتعقب عليهم، واضطراتهم الفتنة إلى بيع ما كان بقصر قرطبة، من ذخائر ملوك الجماعة، من الكتب، وسائر المتاع، فبيع ذلك بأوكس ثمن، قيمة، وانتشرت تلك الكتب بأقطار الأندلس، ووجد في خلالها أعلاق من العلوم القديمة، كانت قد أفلتت من أيدي الممتحنين بحركة الحكم أيام المنصور بن أبي عامر، وأظهر أيضا كل من كان عنده من الرعية شيء منها، فلم تزل الرغبة ترتفع من حين إلى حين في طلب العلم القديم شيئا فشيئا، وقواعد الطوائف تتمصر قليلا قليلا ".
فأنت ترى أن موت الحكم كانت خسارة علمية وسياسية في نفس الوقت، تعرقلت به الحركة العلمية التي بدأت في عهود آبائه من الخلفاء وبلغت القمة في عهده، كما أن الخلافة الأموية في الأندلس ضعفت بموته حتى تزعزع بنيانها وانتقل الحكم من الأمويين إلى ابن أبي عامر، وأولاده، وأحفاده ومنهم انتقل الحكم إلى ملوك الطوائف. أما موت ابن أبي عامر فقد كانت خسارة سياسية فقط. فبموته شق عصا الجماعة وانبعثت الفتن وافتتحت أبواب الآلام على الأمة الإسلامية التي لم تزل تعاني الشدائد وتعالج المصائب إلى أن أنقذها يوسف بن تاشفين اللمتوني.
لا شك أن هذه الخسائر الكبيرة، كان لها أثر بالغ، واسع المدى في حياة الأمة الإسلامية الأندلسية، ومستقبلها، إلا أن مجهودات الخليفة العلامة الحكم المستنصر، ومجهوات لآبائه، لم تذهب باطلا وإنما كللها الله تعالى بالنجاح والإثماء، فاستوى غرسها على سواقة وآتى أكله. فقد كانت الأندلس، في خلال القرون الثلاثة أو الأربعة من الحكم الإسلامي، قد استكملت شخصيتها العلمية والأدبية وتهيأت للنشاط الأدبي والبحث العلمي، وباتت تنافس بغداد والمشرق كله في العلوم والآداب وجميع ألوان المعرفة وأصبحت كل عاصمة من عواصم ملوك الطوائف مركزا من المراكز الثقافية والعلمية والأدبية، واستطاعت دول الطوائف، على الرغم تطاحنها، أن تعيد بهاء الحضارة الأندلسية في قصورها، ومجتمعاتها، وعرفت الأندلس في هذه الحقبة المضطربة من تاريخها، طائفة من العلماء والأدباء والشعراء والفلاسفة، قد سار بذكرهم ركبان وخلدت أسمائهم أمجادهم من الكتب والمؤلفات ولا يسعنا ضيق الوقت والمكان أن نذكر أسمائهم وأسماء مؤلفاتهم أو نلم بتراجمهم وفضائلهم ومحاسنهم، إلا أن القليل يشفي الغليل، ويغنى عن الكثير، فمن هؤلاء الأعلام يوسف بن عبد الله أبو عمر ابن عبد البر المتوفى سنة ٤٦٣ هـ، وسليمان بن خلف أبو الوليد الباجى المتوفى سنة ٤٧٤هـ في علوم الحديث، وأبو غالب تمتم بن غالب المعروف بابن التبانى المتوفى سنة ٤٣٦ هـ، صاحب " تلقيح العين " وعلى بن إسماعيل أبو الحسن ابن سيده المتوفى سنة ٤٥٨ هـ. صاحب " المحكم " و" المخصص " في علوم اللغة، وابن حيان المتوفى ٤٦٩ هـ في التاريخ، وصاحبنا ابن السيد اليطليوسى المتوفى ٥٢١ هـ في النحو، والفقيه أبو محمد علي بن أحمد ابن حزم المتوفى ٤٥٦ هـ، وعبد الله بن احمد السرقسطى المتوفى سنة ٤٤٨ هـ، وصاحبنا أبو الوليد الوقشي المتوفى ٤٨٩ هـ في علوم المنطق والفلسفة والهندسة والرياضى، والشعراء من أمثال ابن زيدون المتوفى ٣٦٢ هـ، وابن عبدون المتوفى ٥٢٠ هـ، وابن بسام صاحب الذخيرة المتوفى ٤٠٣ هـ، وزميله ومعاصره محمد بن عبد الغفور الكلاعى صاحب " أحكام صنعه الكلام " ورسالة " الساجعة " و" الغربيب " في تاريخ الشعر والشعراء والنقد الأدبي.
1 / 4
إلا أن العصر المرابطى، الذي تلا عصر الطوائف، لم تكن فيه مكانة للعلوم، ولا سيما الأدبية منها، وذلك للروح الدينية المتشددة السائدة في هذا العصر، ولبعد الأمراء عن الذوق الشعري والأدبي. وكانوا مع ذلك لا يتعففون عن أموال الناس كما كان يتعفف عنها أمير المسلمين، وإنما كانوا قد شمروا عن أسؤقهم للتزيد من الثروة والمكاسب وقد شاركهم في ذلك النساء والفقهاء فأفسدوا على الأمة كل شيء من دينهم ودنياهم وناهيك ما قاله عبد الواحد المراكشي في ذلك: " ولم يكن يقرب من أمير المسلمين، ويحظى عنده، إلا من علم الفروع، أعنى فروع مذهب مالك، فنفقت في ذلك الزمان كتب المذهب، وعمل بمقتضاها، ونبذ ما سواها، وكثر ذلك حتى نسى النظر في كتاب الله، وحديث رسول الله ﷺ، فلم يكن أحد من مشاهير أهل ذلك الزمان يعتني بهما كل الاعتناء، ودان أهل ذلك الزمان بتكفير كل من ظهر منه الخوض في شيء من علوم الكلام، وقرر الفقهاء عند أمير المسلمين تقبيح علم الكلام، وكراهة السلف له، وهجرهم من ظهر عليه شئ منه، وأنه بدعة في الدين وربما أدى أكثره إلى الاختلال في العقائد، في أشباه لهذه الأقوال، حتى استحكم في نفسه بغض علم الكلام وأهله، فكان يكتب عنه في كل وقت إلى البلاد بالتشديد في نبذ الخوض في شئ منه، وتوعد من وجد عنده شئ من كتبه، ولما دخلت كتب أبى حامد الغزالي رحمة الله المغرب. أمر أمير المسلمين بإحراقها، وتقدم بالوعيد الشديد من سفك الدم، واستئصال المال، إلى من وجد عنده شئ منها، واشتد الأمر في ذلك ".
وأضف إلى ذلك ما قاله أبو جعفر أحمد بن محمد المعروف بالنبي من أهل مدينة جيان كم جزيرة الأندلس، يهجو الفقهاء: " الكامل "
أهل الرياء لبستمو ناموسكم ... كالذئب أدلج في الظلام العاتم
فملكتمو الدنيا بمذهب مالك ... وقسمتو الأموال بابن القاسم
وركبتمو شهب الدواب بأشهب ... وبأصبغ صبغت لكم في العالم
أبو الوليد الوقشي
حياته ومؤلفاته، وشيوخه، وتلاميذه
أبو الوليد هشام بن أحمد الوقشي
لا خلاف بين المصادر الشرقية والغربية في اسم الوقشي واسم أبيه وقد أجمعت ونصت على أنه هشام بن أحمد كما أنها لا تختلف في كنيته ونصت عليه كذلك أما نسب الوقشي يعد أبيه فان المراجع تختلف فيه اختلافا كثيرا وقد وقع في ذلك اضطراب كبير وتخليط فاحش ولا يمكن للقارئ أن يجزم القول فيه.
فقد روى ابن بشكوال في الصلة أنه بن أحمد بن خالد بن هشام. وفي النسخة الأخرى من نفس الكتاب التي قرئت على المصنف أنه هشام بن أحمد بن هشام. وقال القاضي صاعد بن أحمد: إنه هشام بن أحمد بن خالد. وذكره القاضي عياض في مشيخة القاضي فيروز فقال: إنه هو هشام بن أحمد بن هشام بن خالد بن سعيد. وأما الضبي من المغاربة فاكتفى بذكر اسمه واسم أبيه فقد ولم يذكر المقري إلا اسمه وأهمل اسم أبيه أيضا.
ويسرد ياقوت نسبه في الإرشاد فقال إنه هو هشام بن أحمد بن خالد بن سعيد. ويقول في البلدان عند ذكر مدينة وقش أنه هشام بن أحمد بن هشام. وهو عند السيوطي هشام بن أحمد بن هشام بن خالد بن سعيد. وقد زاد إسماعيل باشا البغدادي اسما آخر في نهاية عمود النسب فقال إنه هو هشام بن أحمد بن هشام بن خالد بن سعيد بن الوليد ولا نعرف مصدره الذي أخذ منه هذه الزيادة التي أخلت به جميع المصادر القديمة. وهو عند ابن حجر هشام بن أحمد بن هشام بن سعيد بن خالد. وقال الخوانسارى إنه هشام بن أحمد بن خالد بن سيد بن الوليد الكناني.
1 / 5
فانك ترى أن بعض المصادر لا تذكر نسبة بعد أبيه كما أن بعضها لا تتجاوز جده، على أنها تختلف في اسمه أهو خالد أم هشام أم سعيد، وأما النسب بعد جده ففيه كثير من الاضطراب والتخليط. وإننا نظن أن هذا الخلاف والاضطراب والتخليط. وإننا نظن أن هذا الخلاف الاضطراب يرجع إلى الخلاف والتخليط الذي وقع في التراجم المغربية وخاصة في نسخ الصلة لان معظم تراجم الوقشي عند المشارقة منقولة عن الصلة. وأجود الأقوال وأصحها عندنا في نسب الوقشي ما قاله القاضي عياض ونقله عنه ياقوت في البلدان لأنه يوافق ما جاء في نسخة الصلة المسوعة على المصنف وأيضا فيه زيادة حسنة من اسمين في عمود النسب بعد جده والقاضي عياض ثقة وهو من المغاربة وممن عاش في عصر قريب من العصر الذي عاش فيه الوقشي، وكفى تائيد لهذا القول اعتماد أربعة من نوابغ الشرق عليه من أمثال السيوطي، وياقوت وإسماعيل باشا البغدادي وألستاذ خير الدين الزركي.
كنيته
أما كنية الوقشي فلا اختلاف فيها بين المصادر المغربية والمشرقية، وقد أجمعت على أنه كان يكنى ابا الوليد.
نسبه
وأبو الوليد يعرف بالنسبتين وهما الكناني والوقشي. فالكناني يمكن أن تكون نسبة إلى قبيلة أو جد ثم إذا كانت النسبة إلى قبيلة فهل هو من كنانة قريش أم من غيرها من الكنانات.
وقد ذكر السمعاني وابن الأثير الكثيرين من رجال العلم والأدب المنتسبين إلى كنانة ولكن لا إلى قبائلهم وإنما ينتسبون إلى ىبائهم وأجدادهم فمنهم رجل كان يعرف بخلف بن حامد الكناني الذي ولي القضاء بشذونه من أعمال طليطلة، وقد ازدهرت وتقدمت أسرة هذا الرجل ونشأ فيها عدد من الرجال النابهين توالوا مناصب القضاء وكانوا يعرفون بهذه النسبة ونرجع أن نسبة أبي الوليد ليست من هذا القبيل، وإنما هي نسبة إلى قبيلة كنانة بن خزيمة بن مدركة وذلك على أساس ما قاله المقري وابن الخطيب فالمقري يذكر أن عدد كبيرا من الرجال في الأندلس كانوا ينتسبون إلى عموم كنانة وان جلهم كانوا يسكنون في مدينة طليطلة وأعمالها وان من بينهم الوقشيون الكنانيون الأعيان الفضلاء وذكر فيهم القاضي أبا الوليد هشام والوزير أبا الحسين ابن جبير صاحب الرحلة وهو من ولد ضمرة بن بكر بن عبد مناة من كنانة. وابن جبير هذا هو صهر الوزير أبي جعفر الوقشي ابن أخي أبى الوليد هشام الوقشي.
ويصرح لسان الدين ابن الخطيب أن ابن جبير كناني وهو كم كنانة بن خزيمة بن مدركة بت إلياس، وان أول من ورد الأندلس من أجداده هو عبد السلام الذي كان في عسكر بلج بن بشر القشيري الذي ولي الأندلس وذلك في محرم سنة ١٢٣هـ وكان نزوله بكورة شذونه من أعمال طليطلة. فهذا مما يوضع لنا جليا أن أبا الوليد الوقشي ﵀ كان من صميم العرب ومن قبيلة كنانة.
والنسبة الثانية التي يعرف بها أبو الوليد هي " الوقشي " نسبة إلى وقش قرية بثغر الأندلس بينها وبين طليطلة اثنا عشر ميلا من المسافة. وقد ضبطها ياقوت. فقال " وقش بالفتح وتشديد القاف والشين معجمة، مدينة بالأندلس من أعمال طليطلة " ويقول الأستاذ عناية الله في " جغرافية الأندلس التاريخية " " أن وقش " huecas " مدينة في الأندلس الوسطى من أعمال طليطلة وان وقش كانت قبيلة من العدنانية ومن الممكن أن يكون قد بناها الناس من هذه القبيلة العربية فعرفت باسمها ".
ولا ندري أصل الكلمة أهي عربية أم أسبانية كما أننا لا نجزم القول في تاريخ المدينة وبنائها. ولم يذكر الجغرافيون والمؤرخون العرب وغيرهم شيئا في هذا الباب غير الأستاذ عتاية الله وعليه العهدة، إلا أن هذه المدينة كانت عامرة في القرن الرابع الهجري لأننا نرى أبا نصر فتح بن إبراهيم الأموي المعروف بابن القشاري " ٣٣٢ - ٤٠٣هـ " من أهل طليطلة يبنى حصنا في مدينة وقش وذلك في زمن الأمير المنصور محمد بن أبي عامر. وذكر بعضهم أن عينا كان عند حصنها ونبشت في بعض السنين ليكثر ماؤها فكثرة فيها العلق كثرة مفرطة فنظروا فيما استخرجوه من نبشها، فإذا فيه علقة نحاس.
وقد يذكر له نسبتان غير هاتين المذكورتين وهما الوحشي والوعلى كما وقع في الصلة وخطبة الطرر والحواشي وفي خزانة الأدب لعبد القادر البغدادي. ولا نعرف أصلهما ولا نستطيع أن نقول فيهما شيئا، وقد تكون نتيجة لأوهام الناسخين والرواة.
أسرته
1 / 6
أسرة الوقشي عريقة في العلم والأدب والفضل وقد نشأ فيها عدد من الأعيان الأفاضل، وحصلت لهم النباهة والشهرة ونالوا من المناصب والمكانة المرموقة والمكارم مالا يمكن إنكاره أو تجاهله، وقد اعترف به المؤرخون فمن هذه الأسرة الكريمة كان الوزير أبو جعفر وهو ابن أخي أبي الوليد الوقشي وابنه أبو الحسين ونقف قليلا عند ترجمتهما حتى نعرف ما لهذا الأسرة من النباهة والفضل والكرامة.
أبو جعفر الوقشي
هو أحمد بن عبد الرحمن أبو جعفر الوقشي من بيت القاضي أبي الوليد هشام بن أحمد الوقشي ووزير الرئيس ابي إسحاق ابن همشك وهو أحد الكفاة الأمجاد والدهاة الأنجاد. قام بأمر صاحبه ابن همشك أحسن قيام وكان ضابطا لأعماله مصلحا لأحواله.
وهو ابن أخي صاحبنا أبي الوليد الوقشي كما يرى ابن الأبار وكما هو الظاهر من سلسلة نسبه.
وكان ابن همشك استخلفه على جيان سنة ٥٥٧هـ حين لاذ بالفرار خوفا من جيش الموحدين فناب أحسن مناب من صاحبه آثر محل ولم يزل بعد ذلك يحسن الضبط لبلاده ويظهر الكفاءة في كافة محاولاته إلى أن اعتلق صاحبه ابن همشك بالدعوة المهدية ونابذ صهره محمد بن سعد وذلك في سنة ٥٦٢هـ.
وعند ما اشتدت المعاداة والمنابذة بين ابن همشك وبين ابن سعد، وجه وزيره أبا جعفر هذا وافدا عنه إلى الموحدين في مراكش ومستصرخا على صهره وعدوه ابن سعد الذي كان قد وكئ أعماله ودوخها وتغلب على كثير من حصونه ومعاقله.
ويبدو أن المساعدة الموحدية لصاحبه ابن همشك تأخرت كثيرا لأننا نراه قد وصل إلى مراكش ويهنئ أمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن بن علي بمناسبة حلول عيد الفطر المبارك من قصيدة طويلة مطلعها:
تحن إليكم وافدات المواسم ... فتهدي إلى كفيكم تغر باسم
ثم نراه يموت بمقالة صادرا عن مراكش في سنة ٥٧٤ وكان صاحبه أبو إسحاق ابن همشك قد مات قبله بمكناسة في سنة ٥٧٢هـ.
وقد ذكر الشيخ أبو الربيع بن سالم أن أبا جعفر الوزير الوقشي كان يمر ببقيع مالقه فاستحسن ما رأى من زخرفة القبور به وأغراس الأشجار ذات النواوير والأزهار في أثناءها فتمنى أن يدفن هنالك فوفت القدار بأمنيته ووافته منيته فدفن هنالك.
وكان الوزير أبو جعفر متكبرا تياها معجبا بنفسه وقال له يوما بعض ندماء ملكه، صاحب جيان ابن همشك، يا أبا جعفر؟؟؟ أنت جملة المحاسن، وفيك الأدوات العلية التي هي أهل لكل فضيلة غير أنك قد قدحت في ذلك كله بكثرة عجبك وإذا مشيت على الأرض تشمئز منها. فقال له كيف لا أشمئز من شيء أشترك معك في الوطئ عليه؟؟ فضحك من حضر من جوابه.
وهو القائل في الكبر والإعجاب بنفسه " " الطويل "
إذا لم أعظم قدر نفسي وأنني ... عليم بما حاوته منعظم القدر
فغيري معذور إذا لم يبرني ... ولا يكبر الإنسان شيء سوى الكبر
وله في هذا المعنى " الطويل "
تكبر وإن كنت الصغير تظاهرا ... وباعد أخا صدق متى ما اشتهى قربا
وكن تابعا الهر في حفظ أمره ... الست تراه عندما يبصر الكلبا
وكانت تحته بنت ابن همشك فطلقها ثم ندم على ما فعل. وكانت له بنت تزوجها ابن جبير الرحالة وماتت بسبته فدفنها بها وقال فيها " المتقارب ":
بسبتة لي سكن في الثرى ... وخل كريم إليها قد أتى
فلو أستطع ركبت الهواء ... فزرت بها الحي والميتا
وقد عده ابن الأبار من مفاخر الأندلس وقال فيه " وللوقشي تحقق بالإحسان وتصرف في أفانين البيان وكتابي المؤلف في أدباء الشرق المترجم بايماض البرق مشتمل على كثير من شعره وقال عنه الأستاذ الطباع: والدراس لشعر أحمد هذا يدرك رقة شاعريته وجمال عبارته وحنينه إلى زوجته التي غادرت منزله والتي كانت إلى الأمس القريب تملاء البيت إشراقًا.
وكان شاعر الأندلس أبو عبد الله محمد بن غالب الرصافي البلنسي، الذي كان يقال له " ابن رومي الأندلس " لحسن اختراعه وتوليده، قد مدح الوزير المتكبر أبا جعفر الوقشي بقصيدة أولها " الكامل ":
لمحلك الترفيع والتعظيم ... ولوجهك التقديس والتكريم
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ أبو الحسين الوقشي
1 / 7
هو علي بن أحمد بن عبد الرحمن بن احمد أبو الحسين الوقشي ابن الوزير أبي جعفر الوقشي المذكور آنفا، من العلماء الفضلاء والشيوخ المعدودين، روى عنه سالم بن صالح وأبو عمرو بن سالم " وكان آية الله في الظرف وكيف لا ووالده الوزير أبو جعفر وصهره أبو الحسن ابن جبير صاحب الرحلة وشيخه في الموسيقى والتهذيب والظرف والتدريب أبو الحسن بن الحاسب شيخ هذه الطريقة، وقد رزق أبو الحسين المذكور فيها ذوقا مع صوت بديع أشهى من الكأس للخليع ".
وهو من لدات ابن سعيد المؤرخ الرحالة، وكانا يحضران في صباهما معا في مرج الخز ويقرضان الشعر ويصنعانه، ولهما قصة لطيفة مع المسن بن دويدة وكان معروفا بخفة الروح والمزاح والظرفة قد ذكرهما المقري مع شعرهما الذي قالا في وصف إوز كانت تسبح في الماء وتمرح في المرج النضير مرج الخز.
وكان ابن سعيد يختلف إلى بيت أبي الحسين الوقشي ويرتاح إلى لقائه ارتياح العليل إلى شفائه وكان يتمتع بشعره وغنائه وموسيقاه الحلو.
وكان أبو الحسين الوقشي أديبًا ومغنيا مطربا في نفس الوقت ومن شعره " الطويل ":
حننت إلى صوت النواعير سحرة ... وأضحى فؤادي لا يقر ولا يهدى
وفاضت دموعى مثل فيض دموعها ... أطارحها تلك الصبابة والوجدا
وزاد غرمي حين أكثر عاذلى ... فقلت له أقصر ولا تقدح الزندا
أهيم بهم في كل واد صبابة ... وأزداد مع طول المعاد لهم ودا
مولد أبى الوليد الوقشي
إن المصادر التي وصلت إلينا، والتي استطعنا أن نستفيد منها في ترجمة الوقشي، لا تصرح بالمكان الذي ولد به، فقد ذكر ابن بشكوال أنه من أهل طليطلة، إلا أن قوله هذا لا يفيد في شيء عن مولده، فقد يكون أنه كان قد هاجر إليها، واستوطنها وأقام بها، فوهم ابن بشكوال أنه طليطلى وليس كذلك وإنما مولد الوقشي ومسقط رأسه هي مدينة وقش إلى كانت دار الوقشيين الكنانيين الفضلاء الأعيان منذ البداية، ولم تزل دارهم إلى الأجيال التي نشأت بعد أبى الوليد الوقشي رحمة الله. ومما يذهب بنا إلى هذا الرأى أن: المصادر وكتب التاريخ والتراجم والجغرافية والبلدان قد نصت أكثرها على أن أبا الوليد الوقشي أصله من مدينة وقش.
أسرة الوقشي لم تزل تسكن وقش حتى موته، وكانوا يعرفون بهذه النسبة كابن أخيه الوزير أبى جعفر، وابنه أبى الحسين، اللذين قد مر ذكرهما. ثم أن أبا الوليد لم يذكر كطليطلى إلا قليلا نادرا، وإنما كان يعرف دلئما بالوقشي هذه النسبة محبوبة إليه، لأن وقش هي دار آبائه، ومسقط رأسه، بها ولد، ونشأ، وترعرع، ثم خرج منها طالبا للعلم.
وأيضا استقضاؤه بمدينة طلبيرة، وهي أقرب إلى وقش يدل على أنه كان يحب أن يتولى هذا المنصب الجليل في مكان قريب من مسقط رأسه، ومسكن أسرته حتى يتمكن من زيارتهم ولقائه مت أراد، وهي سنة بشرية، لأن كل إنسان يحب العمل في مكان قريب من أهبه، وأسرته.
وأما تاريخ مولده، فان المصادر تكاد تجمع على أنه ولد في مستهل القرن الخامس الهجري، سنة ثمان وأربعمائة، وهو الزمن الذي شق فيه عصا الجماعة وافترقت الأمة، وانبعثت الفتن، وانقسمت الأندلس الإسلامية إلى دويلات عرف أصحابها بملوك الطوائف.
حياته
حياة الوقشي، خاصة حياته الابتدائية، لا تزال سرا غامضا، لم يجله الباحثون ولم يوضحه المؤرخون، والمعلومات، التي حصلت لدينا عن حياته، قليلة ضئيلة جدا وأصحاب التراجم الذين ترجموا وكتبوا عن حياته من علماء الشرق والغرب، لم يتغلغل أحد منهم في التنقيب، ولم يتقدم في التحقيق، وإنما جرى المتأخر منهم مجرى المقدم من غير تمحيص ولا بحث. وأجل ما يمكننا استخلاصه من كلام القوم، المشارقة والمغاربة، عن حياة الوقشي هو أننا نراه يتنقل من بلد إلى آخر، ويتجول في البلاد الأندلسية لأغراض مختلفة.
وليس في مقدرة باحث أن يحدد الوقت، ويضبط التاريخ لهذه الأحداث إلا أننا نستطيع أن تقسم حياته إلى أربعة أطوار.
الطور الأول
وهو عهد الطفولة، ولا نعرف شيئا عن هذا الطور من أطوار حياته، إذ لم يحدثنا التاريخ عن أبويه، ولن تعلافنا المصادر بيئته التي نشأ فيها وتأثر بها.
الطور الثاني
1 / 8
وهو عهد شبابه، وزمان الدراسة والطلب والتحصيل، ولا نستطيع أن نحدد الوقت والتاريخ بالضبط والتقييد، كما أنا لا نستطيع أن نجزم القول في المدارس والمعاهد العلمية التي درس بها، وتعلم لأن التاريخ عاجز عن ذلك، وكتب التراجم قد أهملت هذه الناحية من نواحى حياته. إلا أننا قد عرفنا بعض الأساتذة الذين تلمذ لديهم الوقشي، وأخذ منهم العلم، واتصل بهم روايته، وسنده عي العلوم وآداب، ومنهم أبو عمر الطلمنكى، وأبو عمرو السفاقسى، وأبو عمر بن الحذاء، وأبو محمد الشنتجيالي وأبو محمد الأنصاري ﵏، وسنذكرهم في فصل مستقل من الفوصل الآتية، وتلم بتراجمهم إلماما، إن شاء الله. إننا نرى أن الوقشي كان قد أتم معظم دراساته بطلطيطة. ويدل على ذلك أن هؤلاء الأعلام المذكورين من أساتذة، كان جلبهم من علماء طليطلة القائمين بها بتدريس العلوم وروايتها، فان أبا عمر بن الحذاء كان قاضى طلطيلة الأفاضل والسفاقسى كان ورد الأندلس وطاف ببلادها نحو عامين، وذلك من ٤٣٦ هـ إلى ٤٣٨ هـ، ومن بين المدن، التي وردها السفاقسى فسمع الناس منه، كانت مدينة طليطلة، وكان الوقشي مقيما بها في سنة ٤٣٨ هـ كما صرح به القاضي صاعد، فلا بد أن سكون سماع الوقشي عن السفاقسي بطليطلة.
الطور الثالث
وهو عهد القضاء بمدينة طلبيرة، ومن الصعب أن نعرف بالضبط متى كان الوقشي قد استقضى بطلبيرة، وما هي الأسباب التي جعلته يحوز هذا المنصب الجليل، إلا أننا نقدر، على وجه الظن والتخمين، أن ذلك كان سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة، وذلك في عهد المأمون يحي بن ذي النون، ملك طليطلة، لأن الوقشي يسمع أبا عمرو السفاقسي بطليطلة بين ٤٣٦ هـ و٤٣٨ هـ، ثم يراه القاضي صاعد، ويأخذ منه، سنة ٤٣٨ هـ وهو بطليطلة، ولأن الوقشي في ذلك الوقت كان تجاوز الثلاثين من عمره، وبلغ من العلوم بحيث قضى له الجميع في كل علم وفن، وكان قد احتوى علة فنون المعارف، وجمع لكليات العلوم، فأشتهر كأستاذ كبير، وعالم نابغة، وفقيه ناجح، ووصل صيته في جميع أنحاء الأندلس، وأصبح مرجعا في العلوم والآداب، وقبلة للطلاب الوافدين عليه من أقاصي البلاد، وقد يكون ذلك سببا لاتصال حباله بالمأمون ابن ذي النون، الذي كان قد جعله، من خاصته، وشاركه في مجالس أنسه، وأصبح أكيله وشريبه. ثم اختاره لقضاء طلبيرة في عهده.
ولم يحدثنا التاريخ عن مدة قضائه بتلك المدينة، ألا أن بعضهم قد ذكر أن عبد الله بن فرحون، المتوفى سنة ٤٨٧هـ، " بعد أن نيف على الثمانين من عمره "، كان قد استقضى بطبيرة بعد أبى الوليد الوقشي، وهذا القول أيضا مجهول، ولا يساعدنا في تحديد الوقت ومعرفة التاريخ، كما أنن لا نعرف الأسباب التي جعلته يستقيل عن منصب القضاء، ويهاجر من طلبيرة إلى بلنسية، وقد يكون السبب في ذلك موت ولى نعمته، وأكيله وشريبه المأمون ابن ذي النون، لأن حفيده القادر، الذي خلفه على العرش طليطلة، ثم يكن يتحلى بأوصاف يرضى بها الكرام ويحبها العلماء، فيكونوا من أعوانه وأنصاره أو ولاته وقضائه وحاشيته، وخاصة الأعلام النبلاء الأفاضل من أمثال أبى الوليد الوقشي رحمة الله. وإذا صح هذا فمعنى ذلك أن الوقشي لم يزل على قضاء طلبيرة حتى ٤٦٨ هـ؟
الطور الرابع
1 / 9
وهو دور التدريس والتأليف، وكذلك فان المصادر لا تصرح بشيء عن حياته التي قضاها بعد الانفصال عن منصبه وهجرته إلى بلنسية والإقامة بها، إلا أننا نعتقد، أن الوقشي رحمة الله كان قد عكف على القراءة والتأليف، وكرس حياته للإقراء، والتدريس بعد الانصراف عن طلبيرة، وذلك لأن معظم طلابه وتلاميذه هم البلنسيون، حتى أن عددهم يزيد من تلاميذه الطليطليين، فهذا مما يمكن به الاستدلال على أن الوقشي أكثر الرواية والإقراء، وهو ببلنسية. ثم أن المعلومات الضئيلة القليلة التي وصلت إلينا عن حياته من طريق كتب التراجم والتاريخ تنص على اشتغاله بالتأليف والتدريس والرواية بها. قمن ذلك ما ذكره الضبي. أن أبا عامر الخطيب البلنسي، من تلاميذه الوقشي، كان قد روى عنه كتاب السيرة بسنده. وروى عنه أبو محمد عبد المنعم بن محمد. وعنه الضبي صاحب يغية الملتمس. ومن ذلك ما روى أنه كتس إلى محمد بن عثمان أبى عبد الله البكري الحجارى وذلك سنة ٤٧٥هـ. ثم أن الوقشي، كعالم رباني صاحب التصانيف، وذى العدد الضخم من التلاميذ، كان قد احتل مكانة كبيرة في نفوس أهل بلنسية. مما جعلهم يلجؤون إليه في مصابهم ويجتمعون أليه في أزمتهم الخطيرة وفي نكبتهم الكبيرة ليتزعمهم وينقذهم منها.
ثم أن العدو كان قد حاصر بلنسية، ودخلها بعد أخذ المواعيد وعقد العقود التي ما رعاها ونبذها نبذا، ودهى الاحتلال الأجنبي أهل بلنسية من المسلمين، فدهشوا وبهتوا وكابدوا من آلام، وأصيبوا بالقتل والاضطهاد والإرهاب، ونهب الأموال وفتك الأعراض والخوف والجوع فاستصرخوا بملوك الإسلام، كالمستعين ابن هود، وقواد الجيش المرابصى، إلا إن الإغاثة قد تمطلت، والنصرة قد تأخرت، وكانوا في أشد حاجة إلى من يتولى أمرهم ويقودهم وينقذهم مما أصابهم، ولكن ليس من ينهض بذلك ولا من يتقدم إليه غير صاحبنا الوقشي، وذلك الإنسان النبيل الشجاع، والعالم الرباني. فيتولى أمر المسلمين، ويلتزم قضائهم. ويتكلم نيابة عنهم، ويأخذ لهم الأمان بشرط التوقف.
وللقوشى فصيدة مؤثرة، بكى فيها مصاب المسلمين من أهل بلنسية، على يد القمبيطور، إلا أن أصلها قد ضاع، ولم يبق منها إلا ترجمة بعض الأبيات، ونقلت إلى اللغة الأسبانية، ورددتها ألسنة العامة ومنها ما معناه:
إذا أنا مضيت يمينا، هلكت بماء الفيضان.
وإذا ذهب يسارا، أكلني السبع.
وإذا مضيت أمامي، غرقت في البحر.
وإن التفت خلفي، أحرقتني النار.
ولا يحدثنا التاريخ متى خرج الوقشي من بلنسية، وإنما لراه. وهو في دانية على وشك الرحيل إلى رحمة الله. ولم يتوقف رحمة الله من الرواية والتدريس، وهو بدانية فان لدينا أساء من تلاميذه الدانيين الذين أخذوا منه في الأيام الأخيرة من عمره.
وفاته ومدفنه
وتوفي أبو الوليد الوقشي، على أصح الأقاويل، يوم الثلاثاء ليلية بقيت من جمادى الآخرة سنة تسع وثمانين وأربعمائة من الهجرة النبوية وقد تجاوز الثمانين من عمره وقيل سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. رحمة الله واسعة وجعل الجنة مثواه ومتعنا بما تركه من المعارف والآثار.
وقد بلغ اهتمام الدانيين به وحبهم واحترامهم له إلى أن دفنوه بازاء الجامع القديم لدانية ويبدو أن قبره كان معروفا بين الناس إلى مدة غير قليلة فان كتب التراجم تذكر قبره في كثير من المواضع وكان أبو مروان عبد الملك بن محمد الإيادي والد أبى العلاء ابن زهر قد دفن عند قبر أبى الوليد الوقشي، إلا أن ابن الأبار يذكر أن هذين القبرين لم يكونا يعرفان في عصره.
بعض ملامح شخصيته
بداهة القول
كان للوقشي رحمة الله حظا وافر من الفهم والذكاء وبداهة القول. وله مواقف غريبة في ذلك، احتفظ ببعضها، وكتب التاريخ والتراجم. فمن ذلك ما روى أنه حضر يوما مجلس ابن ذي النون، فقدم نوع من الحلواء، يعرف " بآذان القاضي " فتهافت من الخواص الملك عليها، وجعلوا يكثرون من آكلها، وكان فيما قدم من الفاكهة، طبق فيه، نوع يسمى عيون البقر، فقال له المأمون، يا قاضي؟؟؟؟؟؟؟ أرى هؤلاء يأكلون أذنيك فقال: وأنا أيضا آكل عيونهم وكشف عن الطبق وجعل يأكل منه واختصم إليه رجلان، فقال أحدهما: يا فقيه اشتريت من هذا أثني عشر تيسا حاشاك، فقال له الوقشي: قل أحد عشر.
1 / 10