: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الْكَبِيرُ الشَّهِيرُ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِمْنِينٍ ﵁: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي بِتَوْفِيقِهِ وَهِدَايَتِهِ أَخْلَصَ لَهُ أَوْلِيَاؤُهُ، فَلَمْ يَعْبُدُوا غَيْرَهُ، وَبِخِذْلانِهِ وَالطَّبْعِ عَلَى قُلُوبِ أَعْدَائِهِ أَشْرَكُوا بِهِ وَلَمْ يَتَّبِعُوا أَمْرَهُ، فَجَعَلَ قِتَالَهُمْ، وَالْغَزْوَ إِلَيْهِمْ مِنْ أَرْبَحِ التِّجَارَاتِ، وَأَفْضَلِ الْقُرُبَاتِ، فَقَالَ ﷿: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿١٠﴾ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿١١﴾ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
الصف ١٠-١٢﴾ وَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١] وَلِهَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ نَظَائِرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﷿، وَالآثَارُ أَيْضًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَعَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِمِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ مُسْتَفِيضَةٌ، وَسَأَذْكُرُ مِنْهَا بَعْدَ هَذَا مَا حَضَرَنِي ذِكْرُهُ، وَأُصَنِّفُهَا وَأُشَفِّعُهَا بِمَسَائِلَ مِمَّا لا يَجُوزُ لِلْغَازِي فِعْلُهُ، وَمِمَّا لا يَجُوزُ، فَعَسَى أَنْ يَتَعَلَّمَ ذَلِكَ وَيَقْتَدِيَ بِهِ مَنْ لَمْ تَتَقَدَّمْ لَهُ عِنَايَةٌ بِطَلَبِ عِلْمِهِ، مِمَّنْ يُؤْثِرُ الْغَزْوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنِيَّةٍ حَسَنَةٍ، وَطَرِيقَةٍ قَوِيمَةٍ.
وَكُلُّ مَا ذَكَرْتُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنَ الآثَارِ وَالْمَسَائِلِ، فَجَمِيعُ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَتِي، وَاسْتَخْرَجْتُهُ مِنْ كُتُبِي.
وَأَسْأَلُ اللَّهَ الْعَوْنَ عَلَى مَا أُحَاوِلُ مِنْ ذَلِكَ، وَالْهِدَايَةَ إِلَى أَحْسَنِهِ، وَإِنَّمَا يُوَفِّقُ لِلْهُدَى اللَّهُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ الْمُبَلِّغِ عَنْ رَبِّهِ، الصَّادِقِ فِيمَا جَاءَ بِهِ، مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ أَجْمَعِينَ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.

1 / 1

بَابٌ مِنَ التَّرْغِيبِ فِي الْغَزْوِ وَفَضَائِلِ أَهْلِهِ:
١- قَالَ الرَّسُولُ ﵊: «مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» .
٢- وَقَالَ ﵊: «لا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي جَوْفِ عَبْدٍ أَبَدًا» .
٣- وَكَانَ ﵊ «لا يَلْتَثِمُ مِنَ الْغُبَارِ فِي مَغَازِيهِ» .
٤- وَقَالَ ﵊: «مَوْقِفُ سَاعَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ شُهُودِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ» .
٥- وَقَالَ ﵊: «لَمَوْقِفُ أَحَدِكُمْ فِي الصَّفِّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ عِبَادَتِهِ فِي أَهْلِهِ سَبْعِينَ سَنَةً، وَغَدْوَةُ الرَّجُلِ أَوْ رَوْحَتُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» .
٦- وَقَالَ ﵊: «إِنَّ لِكُلِّ طَرِيقٍ مُخْتَصَرًا، وَإِنَّ أَقْرَبَ مُخْتَصَرِ طَرِيقِ الْجَنَّةِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» .
وَقَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «جَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يُنَجِّي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهَمِّ وَالْغَمِّ» .
٧- وَقَالَ ﵊: «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ الَّذِي لا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَقِيَامٍ حَتَّى يَرْجِعَ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ إِلا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى هَيْئَتِهِ، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ» .
تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِهِ لا يُخْرِجُهُ إِلا جِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقٌ بِكَلِمَاتِهِ أَنْ يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يُرْجِعَهُ سَالِمًا إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ ".
٨- وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: أَتَى رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵇ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي عَمَلا فَهَلْ يُدْرِكُ عَمَلِي عَمَلَ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَمَا عَمَلُكَ؟» .
قَالَ: أَقُومُ اللَّيْلَ وَأَصُومُ النَّهَارَ.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵇: «ذَلِكَ كَنَوْمَةِ نَائِمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» .
٩- وَقَالَ: «لِلْمُجَاهِدِ نَوْمُهُ وَنُبْهُهُ» ١٠- وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلالٍ: أَتَى رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵇، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ أُدْرِكُ بِهِ عَمَلَ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَوْ قُمْتَ اللَّيْلَ وَصُمْتَ النَّهَارَ، لَمْ تَبْلُغْ نَوْمَ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ لِي مَالا فَإِنْ أَنَا أَنْفَقْتُهُ أَيَكُونُ لِي مِثْلُ أَجْرِ الْمُجَاهِدِ؟ قَالَ: «وَكَمْ مَالُكَ؟» قَالَ: سِتَّةُ آلافِ دِينَارٍ.
قَالَ: «لَوْ أَنْفَقْتَهَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ، لَمْ تَبْلُغْ غُبَارَ شِرَاكِ نَعْلِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» .
١- وَسَمِعَ ﵇ رَجُلا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الدَّرَجَاتِ الْعُلا مِنَ الْجَنَّةِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «أَيْنَ الدَّاعِي؟» .
فَقَالَ: هَا أَنَا ذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: «أَتَدْرِي لِمَنْ هِيَ؟» قَالَ: لا.
قَالَ: «هِيَ لِلْغَادِينَ الرَّائِحِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» .
٢- وَقَالَ ﵊: «كُلَّمَا ازْدَادَ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ أَهْلِهِ بُعْدًا، ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ قُرْبًا» .
٣- وَقَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الْفِهْرِيُّ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْثًا فِيهِمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَغَدَا الْقَوْمُ وَتَخَلَّفَ مُعَاذٌ حَتَّى صَلَّى الظُّهْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﵇، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: «لَقَدْ سَبَقَكَ الْقَوْمُ بِشَهْرٍ فِي الْجَنَّةِ، الْحَقْ أَصْحَابَكَ» .
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ مَعَكَ، وَتَدْعُوَ لِي لِيَكُونَ لِي بِذَلِكَ الْفَضْلُ عَلَى أَصْحَابِي.
قَالَ: «بَلْ لَهُمُ الْفَضْلُ عَلَيْكَ، الْحَقْ أَصْحَابَكَ فَلَوْ كَانَ لَكَ أُحُدٌ ذَهَبًا ثُمَّ أَنْفَقْتَهَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ حَتَّى لا يَبْقَى مِنْهَا شَيْءٌ مَا أَدْرَكْتَ سُبْقَةَ الْقَوْمِ الَّتِي سَبَقُوكَ بِهَا» .
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵊: «مَا يُؤْذَنُ لِلْعَبْدِ بِالْخُرُوجِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ لَهُ سَبْعِينَ بَابًا مِنَ الْمَغْفِرَةِ وَاللَّهُ أَفْضَلُ وَأَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَرُدَّهُ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذُنُوبِهِ وَلَمْ يَغْفِرْهَا» .
٤- وَقَالَ ﵊: «خَيْرُ النَّاسِ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً طَارَ إِلَيْهَا» .
قَالَ مُحَمَّدٌ: مَعْنَى هَيْعَةٍ: رَوْعَةٌ.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ ﵊: «لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَحْبَبْتُ أَلا أَتَخَلَّفَ خَلْفَ سَرِيَّةٍ تَخْرُجُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكِنِّي لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، وَلا يَجِدُونَ مَا يَتَحَمَّلُونَ عَلَيْهِ فَيَخْرُجُونَ، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا.
فَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا فَأُقْتَلُ» .
٥- وَقَالَ كَعْبٌ: غَزْوَةٌ بَعْدَ حِجَّةِ الإِسْلامِ، خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ أَلْفِ حِجَّةٍ.
٦- وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: صَفْرَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ خَمْسِينَ حِجَّةً.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الصُّفْرَةُ بِالصَّادِ: هِيَ الْجَوْعَةُ.
٧- وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: نَوْمَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، خَيْرٌ مِنْ سَبْعِينَ حِجَّةً تَتْبَعُهَا سَبْعُونَ عُمْرَةً.

1 / 2

بَابُ النِّيَّةِ فِي الْغَزْوِ
قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: وَأَوَّلُ مَا يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ الْغَزْوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ وَيَتَفَقَّدَهُ مِنْ نَفْسِهِ صَلاحُ نِيَّتِهِ الَّتِي بِصَلاحِهَا تَزْكُو الأَعْمَالُ وَيَتَقَبَّلُهَا الْكَرِيمُ الْمِفْضَالُ.
٨- فَقَدْ رُوِّينَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لامْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٌ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» .
٩- قَالَ النَّبِيُّ ﵊: «مَنْ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ لا يَنْوِي فِي غَزَاتِهِ إِلا عِقَالا فَلَهُ مَا نَوَى» .
٠- وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: أَنَّ رَجُلا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﵇ يَوْمَ خَيْبَرَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أنا قَتَلْتُ هَذَا الْيَهُودِيَّ أَلِي حِمَارُهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ لا يُسْأَلُ شَيْئًا فَيَمْنَعُهُ، قَالَ: نَعَمْ، فَبازَعَهُ الرَّجُلُ شَيْئًا ثُمَّ قَتَلَهُ الْيَهُودِيُّ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لِفُلانَ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇: «قُتِلَ فُلانُ فِي سَبِيلِ الْحِمَارِ» .
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﵊ يَقُولُ: «رُبَّ قَتِيلٍ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ» .

1 / 3

بَابُ مَنْ يَنْبَغِي لِلْغَازِي أَنْ يَلْتَزِمَهُ مِنْ مَحَاسِنِ الأَخْلاقِ
١- وَقَالَ الرَّسُولُ ﵊: «مَا اصْطَحَبَ قَوْمٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلا كَانَ أَعْظَمُهُمْ أَجْرًا أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَحْسَنَ اجْتِهَادًا مِنْهُ» .
٢- وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: " الْغَزْوُ غَزْوَانِ: غَزْوٌ تُنْفَقُ فِيهِ الْكَرِيمَةَ وَيُيَاسَرُ فِيهِ الشَّرِيكُ وَيُطَاعُ فِيهِ ذُو الأَمْرِ، وَيُجْتَنَبُ فِيهِ الْفَسَادُ فَذَلِكَ الْغَزْوُ خَيْرٌ كُلُّهُ، وَغَزْوٌ لا تُنْفَقُ فِيهِ الْكَرِيمَةُ وَلا يُيَاسَرُ فِيهِ الشَّرِيكُ، وَلا يُطَاعُ فِيهِ ذُو الأَمْرِ، وَلا يُجْتَنَبُ فِيهِ الْفَسَادُ، فَذَلِكَ الْغَزْوُ لا يَرْجِعُ صَاحِبُهُ كَفَافًا " ٢٣- وَقَالَ مُجَاهِدٌ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَخْدِمَهُ فَكَانَ يَخْدِمُنِي.
٤- وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَفْضَلُ الْغُزَاةِ خَادِمُهُمْ وَرَاعِي دَوَابِّهِمْ.
٥- وَقَالَ سَلْمَانُ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ إِذَا غَزَوْا أَوْ سَافَرُوا اشْتَرَطَ أَفْضَلُهُمُ الْعَمَلَ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ ذَلِكَ اشْتَرَطَ الأَذَانَ.

1 / 4

مَا جَاءَ فِيمَا أُعْطِيَ الْغَازِي بِمَسْأَلَةٍ أَوْ بِغَيْرِ مَسْأَلَةٍ:
وَفِي كِتَابِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: اجْتَمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى كَرَاهِيَةِ الْمَسْأَلَةِ لِلْغَازِي غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا، إِنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَغْزُ بِمَالِهِ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَجْلِسْ فِي بَيْتِهِ فَلَمْ يُكَلَّفْ مَا لا يُطِيقُ.
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَمَا أُعْطِيَ الْغَازِي مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ فَفِيهِ اخْتِلافٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: مِنْهُمْ مَنْ قَالَ وَهُمُ الأَكْثَرُ لا بَأْسَ أَنْ يَقْبَلَ الْغَازِي مَا أُعْطِيَ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ أَنْفَقَهُ، وَإِنِ اسْتَغْنَى عَنْهُ فَرَّقَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لا يَنْبَغِي لِلْغَازِي أَنْ يَقْبَلَ مَا أُعْطِيَ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ إِذَا كَانَ غَنِيًّا عَنْهُ، وَلْيَغْزُ بِمَالِهِ فَهُوَ لِثَوَابِهِ، وَهَذَا أَحْوَطُ الْقَوْلَيْنِ وَأَحَبُّهُ إِلَيَّ.
وَأَمَّا الْفَقِيرُ وَالضَّعِيفُ فَمُجْتَمِعٌ عَلَيْهِ النَّاسُ أَنَّهُ لا بَأْسَ أَنْ يَقْبَلَ مَا أُعْطِيَ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْقُوَّةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَلْيَسْتَنْفِقْهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَا أُعْطِيهِ، وَلا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَأَثَّلَهُ مَالا فِي غَيْرِ سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ يُنْفِقَهُ فِي أَهْلِهِ، أَوْ يَصْرِفَهُ عَنِ الْوَجْهِ الَّذِي أُعْطِيهِ لَهُ وَفِيهِ وَهُوَ سَبِيلُ اللَّهِ، إِنْ قَفَلَ مِنْ غَزْوِهِ وَقَدْ فَضَلَتْ مِنْهُ فَضْلَةً فَلا بَأْسَ أَنْ يُنْفِقَهُ فِي قَفْلِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ فَضْلٌ عَمَّا يَكْفِيهِ فِي قَفْلِهِ فَلْيُفَرِّقْ ذَلِكَ الْفَضْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَبْلَ قَفْلِهِ، أَوْ يَرُدَّهُ إِلَى صَاحِبِهِ الَّذِي أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، إِلا أَنْ يَكُونَ الَّذِي يَفْضُلُ مِنْهُ تَافِهًا يَسِيرًا، فَلا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَهُ فِي أَهْلِهِ.

1 / 5

مَا جَاءَ فِي ارْتِبَاطِ الْخَيْلِ وَالْغَزْوِ عَلَيْهَا
٦- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵊: " الْخَيْلُ ثَلاثَةٌ: فَرَسٌ لِلرَّحْمَنِ، وَفَرَسٌ لِلإِنْسَانِ، وَفَرَسٌ لِلشَّيْطَانِ، فَأَمَّا فَرَسُ الرَّحْمَنِ: فَمَا اتُّخِذَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَجُوهِدَ عَلَيْهِ أَعْدَاءُ اللَّهِ، وَأَمَّا فَرَسُ الإِنْسَانِ: فَمَا اسْتُمْطِيَ وَتُحِمَّلَ عَلَيْهِ وَأَمَّا فَرَسُ الشَّيْطَانِ: فَمَا رُوهِنَ عَلَيْهِ وَفُوخِرَ بِهِ، وَاتُّخِذَ قُوَّةً عَلَى أَهْلِ الإِسْلامِ ".
٧- وَقَالَ ﵊: «مَنِ ارْتَبَطَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِيمَانًا بِاللَّهِ، وَتَصْدِيقًا بِمَوْعِدِ اللَّهِ، كَانَ شِبَعُهُ وَرِيِّهِ وَبَوْلِهِ حَسَنَاتٌ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
٨- وَقَالَ ﵊: «مَثَلُ الَّذِي يَرْتَبِطُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ نَهَارَهُ، الْقَائِمِ لَيْلَهُ الْبَاسِطِ كَفَّيْهِ بِالصَّدَقَةِ لا يَقْبِضُهُمَا» .
٩- وَقَالَ ﵊: «إِنَّ الْفَرَسَ لَيَسْتَنُّ فِي طِيلِهِ وَصَاحِبُهُ نَائِمٌ عَلَى فِرَاشِهِ، فَمَا تَبْقَى لَهُ خَطِيئَةٌ إِلا وَقَعَتْ» .
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] .
وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤] .

1 / 6

مَا جَاءَ فِي الإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالتَّقْوِيَةِ:
٠- قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] .
إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الَّذِينَ يُنْفِقُونَهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَيَخْرُجُونَ، ثُمَّ قَالَ فِي الَّذِينَ يَقْوُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٢] .
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: فَشَرَطَ عَلَى هَؤُلاءِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَلَى الْخَارِجِينَ.
١- وَقَالَ الرَّسُولُ ﵊: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا، أَوْ بَعَثَ بِمَالٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ سَبْعَ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَبِكُلِّ ضِعْفٍ سَبْعُونَ ضِعْفًا» .
٢- وَقَالَ كَعْبٌ: لا تُحَقِّرُوا شَيْئًا مِنَ الْخَيْرِ، فَقَدْ دَخَلَ رَجُلٌ الْجَنَّةَ بِإِبْرَةٍ أَعَانَ بِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.

1 / 7

مَا جَاءَ فِي الرَّمْيِ وَاتِّخَاذِ الْعُدَّةِ وَالسِّلاحِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
- قَالَ الرَّسُولُ ﵊: «مَنْ رَمَى الْعَدُوَّ بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَبَلَغَ سَهْمُهُ أَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ فَعَدْلُ رَقَبَةٍ» .
٨- قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَالْقُوَّةُ: السِّلاحُ كُلُّهُ، وَالْعُدَّةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمِنَ الْقُوَّةِ تَعُلُّمُ الرَّمْيِ بِالْقَوْسِ.
٩- وَقَالَ الرَّسُولُ ﵊: «مَنْ تَقَلَّدَ سَيْفًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَلْبَسَهُ اللَّهُ وِشَاحَ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ تَنَكَّبَ قَوْسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَانَتْ لَهُ جُنَّةً مِنَ النَّارِ، وَمَنْ حَمَلَ رُمْحًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَانَ لَهُ عَلَمًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
٠- وَقَالَ الرَّسُولُ ﵊: «السُّيُوفُ أَرْدِيَةُ الْغُزَاةِ» .
١- وَقَالَ ﵊: «مَنْ تَقَلَّدَ سَيْفًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ رُدِّيَ بِرِدَاءِ الإِيمَانِ، وَلا تَزَالُ مَلائِكَةُ اللَّهِ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ مَا دَامَ عَلَيْهِ» .
٢- وَقَالَ ﵊: «يُوزَنُ سِلاحُ الْمُسْلِمِ فِي كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَيَوْمِ اثْنَيْنِ فَإِنْ كَانَ أَعَدَّهُ للَّهِ زِيدَ فِي حَسَنَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ أَعَدَّهُ لِلشَّيْطَانِ زِيدَ فِي سَيِّئَاتِهِ» .

1 / 8

مَا يُؤْمَرُ بِهِ الْغُزَاةُ وَمَا يُنْهَوْنَ عَنْهُ:
٣- كَانَ الرَّسُولُ ﷺ إِذَا بَعَثَ جَيْشًا أَوْ سَرِيَّةً قَالَ: «اغْزُوا بِسْمِ اللَّهِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، تُقَاتِلُونَ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، لا تَغُلُّوا وَلا تَغْدِرُوا، وَلا تُمَثِّلُوا، وَلا تَقْتُلُوا وَلِيدًا.
» ٤٤- وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إِذَا بَعَثَ الْجُيُوشَ أَوْصَاهُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَبِلُزوِم الْحَقِّ وَالصَّبْرِ، وَقَالَ: «امْضُوا بِتَأْيِيدِ اللَّهِ، وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَلا تَجْبُنُوا عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَلا تُمَثِّلُوا عِنْدَ الْقُدْرَةِ، وَلا تَقْتُلُوا هَرِمًا وَلا امْرَأَةً وَلا وَلِيدًا وَلا تَغُلُّوا عِنْدَ الْغَنَائِمِ» .
٥- وَمِمَّا أَوْصَى بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ حِينَ بَعَثَهُ بِجَيْشٍ إِلَى الشَّامِ، قَالَ: «لا تَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلا صَبِيًّا وَلا كَبِيرًا هَرِمًا، وَلا تَقْطَعَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا، وَلا تُخَرِّبَنَّ عَامِرًا، وَلا تَعْقِرَنَّ شَاةً وَلا بَعِيرًا إِلا لِمَأْكَلَةٍ، وَلا تُحَرِّقَنَّ نَحْلا وَلا تُغْرِقَنَّهُ، وَلا تَغْلُلْ، وَلا تَجْبُنْ» .
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إِنَّمَا نَهَى عَنْ تَحْرِيقِ الشَّامِ وَخَرَابِهَا؛ لأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهَا صَائِرَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِمَا أَعْلَمَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ بَقَاءَهَا لِلْمُسْلِمِينَ وَتَوْفِيرَهَا عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُرِدْ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِنِهَايَتِهِ عَنْ ذَلِكَ أَنْ يُبْقِيَهُ لِلرُّومِ وَيُرَبِّيَهُ وَيَمْنَعَ لَهُمْ نَوَاحِيَهُ لِيَكُونَ لَهُمْ نَفْعُهُ.
قَالَ: وَكُلُّ مَا كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ مِنْ بَلَدِ الْعَدُوِّ وَعَامِرِهِمْ عَلى شَيْبِهِ بِالإِفَاءَةِ عَلَيْهِمْ وَالْمَقْدِرَةِ مِنْهُمْ عَلَى أَهْلِهِ وَقَوِيَ الرَّجَاءُ وَالأَمَلُ فِي صَيْرُورَةِ ذَلِكَ إِلَى الإِسْلامِ وَأَهْلِهِ، فَإِنَّهُ لا يَخْفَى وَلا يُعْمَلُ فِيهِ عَلَى مَا الضَّرُورَةِ فِيهِ عَلَى أَهْلِهِ، وَقَدْ يَكُونُ الْمُسْلِمُونَ غَدًا أَهْلَهُ، فَأَمَّا كُلُّ بَلَدٍ دَاخِلٍ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ وَلا يَطْمَعُ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَحُوزُوهُ لِبُعْدِهِ وَانْقِطَاعِهِ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ، فَمُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لا بَأْسَ بِتِخْرِيبِ حُصُونِهِمْ وَدُورِهِمْ وَعَامِرِهِمْ، وَقَطْعِ شَجَرِهِمُ الْمُثْمِرِ وَغَيْرِهِ، وَعَقْرِ دَوَابِّهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ، وَإِفْسَادِ أَطْعِمَتِهِمْ وَإِحْرَاقِ نَحْلِهِمْ وَتَغْرِيقِهَا، وَإِخْفَاءِ كُلِّ مَا مَلَكُوا وَاسْتِئْصَالِهِ، لأَنَّ ذَلِكَ ذُلٌّ وَصَغَارٌ وَنِكَايَةٌ وَغَيْظٌ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لا بَأْسَ أَنْ تُغْرِقَ النَّحْلَ إِذَا لَمْ يُوصَلْ إِلَى عَسَلِهَا إِلا بَذَلِكَ.
٦- وَمِمَّا كَتَبَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إِلَى بَعْضِ عُمَّالِ الْجُيُوشِ: بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالا مِنْكُمْ يَطْلُبُونَ الْعِلْجَ حَتَّى إِذَا أُسْنِدَ فِي الْجَبَلِ قَالَ الرَّجُلُ لَهُ: مَتَرْس أَيْ لا تَخَفْ، فَإِذَا أَدْرَكَهُ قَتَلَهُ، وَإِنِّي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَبْلُغُنِي أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ فَعَلَ ذَلِكَ إِلا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: هَذَا تَشْدِيدٌ مِنْ عُمَرَ، وَمَنْ فَعَلَ مِثْلَ هَذَا فَلا قَتْلَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَنْبَغِي لِلإِمَامِ أَنْ يَتَقَدَّمَ إِلَى الْجُيُوشِ أَلا يَقْتُلُوا أَحَدًا أَشَارُوا إِلَيْهِ بِالأَمَانِ؛ لأَنَّ الإِشَارَةَ بِمَنْزِلَةِ الْكَلامِ.
٧- قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَسَمِعْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَخْذَ بَقَرِ الْعَدُوِّ وَغَنَمِهِمْ لأَكْلِهَا إِلا بِعَقْرِهَا، فَلا بَأْسَ أَنْ تُتَنَاوَلَ بِالْعَقْرِ، وَتُؤْكَلَ إِذَا ذُكِّيَتْ وَلَمْ يَبْلُغِ الْعَقْرَ مِنْهَا الْمَقَاتِلَ، وَلَمْ تَقَعْ فِيهِ النُّهْبَةُ، فَإِنَّ النَّهْبَ حَرَامٌ، وَقَدْ نَهَى الرَّسُولُ ﵇ عَنْهَا.
قَالَ: " وَمَا أَصَابَ النَّاسُ مِنْ بَقَرِ الْعَدُوِّ وَغَنَمِهِمْ فَأَكَلُوا لُحُومَهَا فَلا بَأْسَ أَنْ يَنْتَفِعُوا بِجُلُودِهَا إِنِ احْتَاجُوا إِلَيْهَا لِمَنَافِعِهِمْ فِي غَزْوِهِمْ ذَلِكَ، وَسَبِيلُ جُلُودِهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا سَبِيلُ لُحُومِهَا، وَإِنِ اسْتَغْنَوْا عَنْهَا جُعِلَتْ فِي الْمَقَاسِمِ إِلا أَلا يُوجَدَ بِهَا ثَمَنٌ فِي الْمُقَسَّمِ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «نَهَى الرَّسُولُ ﵇ أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ» .
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَذَلِكَ لِمَا يُخْشَى مِنْ تَعْبِيثِهِمْ وَاسْتِهْزَائِهِمْ وَتَصْغِيرِهِمْ مَا عَظَّمَ اللَّهُ مِنْ حُرْمَتِهِ.

1 / 9

مَا جَاءَ فِي رَمْيِ الْعَدُوِّ بِالنَّارِ وَالْمَجَانِيقِ وَقَطْعِ الْمَاءِ وَالْمَيْرِ عَنْهُمْ
- قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: " بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ إِلَى الْيَمَنِ، وَقَالَ: إِنِ اللَّهُ أَمْكَنَكَ مِنْ فُلانٍ فَحَرِّقْهُ بِالنَّارِ، فَلَمَّا وَلِيتُ قَالَ: رُدُّوهُ، فَقَالَ لِي: مَا قُلْتُ لَكَ؟ قَالَ: قُلْتَ لِي: إِنِ اللَّهُ أَمْكَنَكَ مِنْ فُلانٍ فَحَرِّقْهُ بِالنَّارِ، قَالَ: قُلْتُ ذَلِكَ وَأَنَا غَضْبَانُ وَلَيْسَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يُعَذِّبَ بِعَذَابِ اللَّهِ فَإِنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُ بِضَرْبِ الرِّقَابِ وَشَدِّ الْوَثَاقِ ".
وَذَكَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إِنَّمَا تَأْوِيلُ هَذَا الْحَدِيثِ فِيمَنْ أَسَرَ أَسْرًا أَوْ حَرَّقَ بِالنَّارِ صَبْرًا، فَأَمَّا إِذَا تَحَصَّنَ الْعَدُوُّ فِي بَعْضِ حُصُونِهِمْ وَلَمْ يُخْلَصْ إِلَيْهِمْ إِلا بِالنَّارِ فَلا بَأْسَ أَنْ يُرْمَوْا بِهَا وَيُحَرَّقَ عَلَيْهِمْ حِصْنُهُمْ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ فِي حِصْنِهِمُ النِّسَاءُ وَالأَطْفَالُ، وَإِنَّمَا هُمْ لِلْمُقَاتِلَةِ مِنَ الرِّجَالِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَجُوزُ رَمْيُهُمْ بِالنَّارِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ مَعَهُمُ النِّسَاءُ وَالأَطْفَالُ، فَلا يَحِلُّ أَنْ يُرْمَوْا بِالنَّارِ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ مَعَهُمْ فِي حِصْنِهِمْ أَحَدٌ مِنْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ فَلا يَحِلُّ رَمْيُهُمْ بِالنَّارِ كَانَ مَعَهُمُ الأَطْفَالُ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي أَهْلِ مَكَّةَ يَوْمَ صَرَفَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْهُمْ: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥] .
وَذَلِكَ لِمَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَالَ: وَلا بَأْسَ أَنْ يُرْمَى الْعَدُوُّ فِي حُصُونِهِمْ بِالْمَجَانِيقِ، وَأَنْ يُرْسَلَ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ لِيَغْرَقُوا بِهِ، وَأَنْ يُقْطَعَ عَنْهُمْ إِذَا كَانَ مَجْرَاهُ إِلَيْهِمْ، وَأَنْ يُقْطَعَ الْمَيْرُ عَنْهُمْ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَعَهُمُ النِّسَاءُ وَالأَطْفَالُ أَوْ لَمْ يَكُونُوا، مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ.

1 / 10