Nuzhat Asmac
نزهة الأسماع في مسألة السماع
Enquêteur
أبي مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني
Maison d'édition
الفاروق الحديثة للطباعة والنشر
Édition
الأولى
Année de publication
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
نزهة الأسماع في مسألة السماع
"أحكام الغناء والمعازف"
2 / 441
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، رب يسر وأعن يا كريم
قال الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ المتقن المحقق زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن ابن الشيخ الإمام شهاب الدين أبي العباس أحمد بن رجب الحنبلي [تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته بمنه وكرمه. آمين] (*).
سُئلت عن السماع المحدث، وما يتضمنه من سماع الغناء وآلات اللهو، هل هو محظور أم لا؟ وهل ورد في حظره دليل صريح أم لا؟ وعن سماعه من المرأة الأجنبية، وعمّن يفعله قربة وديانة.
فأجبت والله والموفق:
هذه المسائل قد انتشر فيها من الناس المقال، وكثر القيل فيها والقال، وصنّف الناس فيها تصانيف مفردة، وذكرت في أشاء التصانيف ضمنًا، وتكلم فيها أنواع الطوائف، من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية. ثم منهم من يميل إِلَى الرخصة، ومنهم من يميل إِلَى المنع والشدَّة.
واستيفاء الكلام في ذلك يستدعي تطويلًا كثيرًا، ولكن سنشير -إِنَّ شاء الله تعالى بعونه وتوفيقه- إِلَى نكتٍ مختصرةٍ وجيزة، ضابطة لكثير من مقاصد هذه المسائل، ونسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا، وأن يعيذنا من شر أنفسنا، وأن يجعل قصدنا بذلك بيان الحق الَّذِي بعث به رسوله، وأن يزيد المهتدي منا ومن إخواننا المسلمين هدى، وأن يُراجع بالمسيء إِلَى الحق الَّذِي يرتضيه، في خير وعافية. بمنه ورحمته آمين.
فنقول: سماع الغناء وآلات الملاهي عَلَى قسمين:
فإنه تارة يقع ذلك عَلَى وجه اللعب واللهو، وإبلاغ النفوس حظوظها من الشهوات واللذات.
(*) في "نسخة": متعنا الله والمسلمين بطول حياته وختم لنا وله بالخير، إنه عَلَى كل شيء قدير.
2 / 443
وتارة يقع عَلَى وجه التقرب إِلَى الله ﷿: باستجلاب صلاح القلوب، وإزالة قسوتها وتحصيل رقتها.
القسم الأول: أن يقع عَلَى وجه اللعب واللهو: فأكثر العُلَمَاء عَلَى تحريم ذلك -أعني سماع الغناء وسماع آلات الملاهي كلها- وكل منها محرم بانفراده، وقد حكى أبو بكر الآجري وغيره إجماع العُلَمَاء عَلَى ذلك.
والمراد بالغناء المحرم: ما كان من الشعر الرقيق الَّذِي فيه تشبيب بالنساء ونحوه، مما توصف فيه محاسن من تهيج الطباع بسماع وصف محاسنه، فهذا هو الغناء المنهي عنه، وبذلك فسره الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه، وغيرهما من الأئمة.
فهذا الشعر إذا لُحن، وأخرج تلحينه عَلَى وجه يُزعج القلوب، ويخرجها عن الاعتدال، ويُحرك الهوى الكلامن المجبول في طباع البشر، فهو الغناء المنهي عنه.
فإن أنشد هذا الشعر عَلَى غير وجه التلحين؛ فإن كان محركًا للهوى بنفسه فهو محرم أيضًا؛ لتحريكه الهوى، لهان لم يُسمَّ غناء.
فأما ما لم يكن فيه شيء من ذلك، فإنه ليس بمحرم وإن سُمي غناء.
وعلى هذا حمل الإمام أحمد حديث عائشة ﵂ في الرخصة في غناء نساء الأنصار وقال: هو غناء الركبان أتيناكم أتيناكم. يشير إِلَى أنه ليس فيه ما يُهيجُ الطباع إِلَى الهوى ويشهد لذلك حديث عائشة: أن الجاريتين اللتين كانتا عندها كانتا تغنيان بما (تقاولت) (*) به الأنصارُ ﵃ يوم بُعاث (١) وعلى مثله يُحمل كل حديث ورد في الرخصة في الغناء، كحديث الحبشية التي نذرت أن تضرب الدّف، في مقدم النبي ﷺ (٢)، وما أشبهه من الأحاديث.
(*) في "نسخة": تقاومت.
(١) أخرجه البخاري (٩٥٢)، ومسلم (٨٩٢).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٦٩٠)، وأحمد (٥/ ٣٥٣). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث بريدة، وفي الباب عن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وعائشة.
2 / 444
ويدل عليه أيضًا ما في "صحيح البخاري" (١) عَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: "جَاءَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، غَدَاةَ بُنِيَ بِي فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي. وَجُوَيْرِيَاتٌ لَنَا يَضْرِبْنَ الدُّفّ وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ، إِلَى أَنْ قَالَتْ جَارِيةً مِنْهُنَّ: وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ، فَقَالَ لَهَا: أمْسِكِي عَنْ هَذِهِ، وَقُولِي الَّتِي كُنْتِ تَقُولِينَ قَبْلَهَا". وفي "مسند الإمام أحمد" (٢) و"سنن ابن ماجه" (٣) أن النبي ﷺ قال لعائشة: "أَهَدَيْتُمُ الْجَارِيَةَ إِلَى بَيْتِهَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلَّا بَعَثْتُمْ مَعَهَا مَنْ يُغَنِّيهِمْ يَقُولُ:
أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ ... فَحَيُّونَا نُحَيِّيكُمْ
فَإِنَّ الْأَنْصَارَ قَوْمٌ فِيهِمْ غَزَلٌ". وعلى مثل ذلك أيضًا حمل طوائف من العُلَمَاء قول من رخص في الغناء من الفقهاء، من أصحابنا وغيرهم وقالوا: إِنَّمَا أردوا الأشعار التي لا تتضمن ما يُهيج الطباع إِلَى الهوى، وقريبٌ من ذلك الحداء (٤)، وليس في شيء من ذلك ما يحرك النفوس إِلَى شهواتها المحرمة.
ونذكر بعض ما ورد في الكتاب والسنة والآثار من تحريم الغناء وآلات اللهو:
فأمَّا تحريم الغناء، فقد استُنبط من القرآن من آيات متعددة، فمن ذلك: قول الله ﷿: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ (٥). (٦)
وقال ابن عباس: هو الغناء وأشباهه (٧).
(١) أخرجه البخاري (٥١٤٧).
(٢) في "المسند" (٣/ ٣٩١).
(٣) في "السنن" (١٩٠٠).
(٤) قال الجوهري: الحدو: سوق الإبل والغناء لها. "اللسان" مادة: (حدو).
(٥) لقمان: ٦.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٣٠٩)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٦١)، والحاكم (٢/ ٤١١)، والبيهقي في "السنن الكبير" (١٠/ ٢٢٣) وغيرهم.
(٧) أخرجه ابن أبى شيبة (٦/ ٣١٠)، والبخاري في "الأدب المفرد" برقم (٦٧٨، ١٢٦٥)، وابن جرير في "تفسيره" (٢١/ ٦١) وغيرهم.
2 / 445
وفسّره بالغناء أيضًا خلق من التابعين، منهم: مجاهد وعكرمة، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، والنخعي، وغيرهم.
وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ (١)
قال: الغناء والمزامير.
وقال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ (٢)
قال: هو الغناء بالحميرية (٣).
وقال بعض التابعين في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (٤)
قال: إِنَّ اللغو هو الغناء.
وعن أبي أمامة عن النّبي ﷺ قال: «لَا تَبِيعُوا القَيْنَاتِ وَلَا تَشْتَرُوهُنَّ وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ، وَلَا خَيْرَ فِي تِجَارَةٍ فِيهِنَّ، وَثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ، فِي مِثْلِ هَذَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ﴾ (٥).
خرّجه الإمام أحمد (٦) والترمذي (٧) من رواية عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة وقال: قد تكلم بعض أهل العِلْم في علي بن يزيد وضعفه، وهو شامي.
وذكر في كتاب "العلل" أنه سأل البخاري عن هذا الحديث فَقَالَ: علي ابن يزيد ذاهب الحديث. ووثق عبيد الله بن زحر والقاسم بن عبد الرحمن، وخرجه محمد بن يحيى الهمداني الحافظ الفقيه الشافعي في "صحيحه".
وقال: عبيد الله بن زحر. قال أبو زرعة: لا بأس به صدوق. قلت: علي بن يزيد لم يتفقوا عَلَى ضعفه، بل قال فيه أبو مُسهر -وهو من بلده: وهو أعلم
(١) الإسراء: ٦٤.
(٢) النجم: ٦١.
(٣) أخرجه ابن جرير (٢٧/ ٨٢)، والبيهقي (١٠/ ٢٢٣).
(٤) الفرقان: ٧٢.
(٥) لقمان: ٦.
(٦) في "المسند" (٥/ ٢٦٤).
(٧) برقم (١٢٨٢).
2 / 446
بأهل بلده من غيرهم- قال فيه: ما أعلم فيه إلا خيرًا. وقال ابن عدي: هو في نفسه صالح، إلا أن يروي عنه ضعيف فيؤتى من قبل ذلك الضعيف. هذا الحديث، قد رواه عنه غير واحد من الثقات.
وقد خرَّج الإمام أحمد (١) من رواية فرج بن فضالة، عن علي بن يزيد عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ بَعَثَنِي رَحْمَةً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَمْحَقَ الْمَزَامِيرَ وَالْبَرَابِطَ (٢)، وَالْمَعَازِفَ وَالْأَوْثَانَ". ذكر بقية الحديث وفي آخره: "وَلا يَحِلُّ بَيْعُهُنَّ وَلا شِرَاؤُهُنَّ، وَلا تَعْلِيمُهُنَّ تِجَارَةٌ فِيهِنَّ وَأَثْمَانُهُنَّ حَرَامٌ. يَعْنِي الضَّارِبَاتِ" وفرج بن فضالة مختلفٌ فيه أيضًا، ووثقه الإمام أحمد وغيره.
وخرَّج الإسماعيلي وغيره من حديث عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ثمن المغنية حرام وغناؤها حرام" وإسناده كلهم ثقات متفق عليهم، سوى يزيد بن عبد الملك النوفلي، فإنه مختلف في أمره.
وخرج حديثه هذا محمد بن يحيى الهمداني في "صحيحه" وقال: في النفس من يزيد بن عبد الملك. مع أن ابن معين قال: ما كان به بأس. وبوّب الهمداني هذا في "صحيحه" عَلَى تحريم بيع المغنيات وشرائهن، وهو من أصحاب ابن خزيمة وكان عالمًا بأنواع العلوم، وهو أول من أظهر مذهب الشافعي بهمدان، واجتهد في ذلك بماله ونفسه، وكان وفاته سنة سبع وأربعين وثلاثمائة رحمه الله تعالى.
وخرَّج في باب تحريم ثمن المغنية من رواية أبي نعيم الحلبي، ثنا ابن المبارك، عن مالك، عن ابن المنكدر، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "من قعد إِلَى قينة (٣) يستمع منها صُبّ في أذنيه الآنُكُ (٤) يوم القيامة".
(١) في "المسند" (٥/ ٢٥٧، ٢٦٨).
(٢) البرابط: جمع بربط، وهي آلة طرب، تشبه العود. "النهاية" (١/ ١١٢).
(٣) القينة: الأمة، غنت أو لم تغن والماشطة، وكثيرًا ما تطلق عَلَى المغنية من الإماء.
"النهاية" (٤/ ١٣٥).
(٤) هو الرصاص الأبيض، وقيل الأسود. "النهاية" (١/ ٧٧).
2 / 447
وقال: أبو نعيم الحلبي اسمه عبيد بن هشام. قلتُ: قد وثقه أبو داود وقال: إنه تغير بأخرة. وقد أنكر عليه أحاديث تفرد بها، منها هذا الحديث.
وفي النهي عن بيع المغنيات أحاديث تفرد بها آخر عن علي وعائشة ﵄ وغيرهما، وفي أسانيدها مقال.
وروى عامر بن سعد البجلي قال: دخلت عَلَى قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاري في عرس، فَإِذَا جواري يتغنين. فقلت: أنتم أصحاب محمد، وأهل بدر ويُفعل هذا عندكم! قال: اجلس إِنَّ شئت واسمع، وإن شئت فاذهب فإنه قد رُخص لنا في اللهو عند العرس. خرَّجه النسائي (١) والحاكم (٢) وقال: صحيح عَلَى شرطهما. والرخصة في اللهو عند العرس تدل عَلَى النهى عنه في غير العرس، ويدل عليه قول النبي ﷺ حديث عائشة المتفق عليه في "الصحيحين" (٣) "لما دخل عليها وعندها جاريتان تغنيان وتدففان، فانتهرهما أبو بكر الصديق ﵁ وقال: مزمور الشيطان عند رسول الله ﷺ! فَقَالَ رسول الله ﷺ: دَعْهُمَا فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ". فلم ينكر قول أبي بكر ﵁، وإنما علّل الرخصة بكونه في يوم عيد، فدل عَلَى أنه يباح في أيام السرور، كأيام العيد وأيام الأفراح، كالأعراس وقدوم الغُياب ما لا يباح في غيرها من اللهو.
وإنما كانت دفوفهم نحو الغرابيل، وغناؤهم بإنشاد أشعار الجاهلية في أيام حروبهم وما أشبه ذلك.
فمن قاس عَلَى ذلك سماع أشعار الغزل مع الدفوف المصلصلة فقد أخطأ غاية الخطأ، وقاس مع ظهور الفرق بين الفرع والأصل.
(١) في "السنن" (٣٣٨٣).
(٢) في "المستدرك" (٢/ ١٨٤).
(٣) أخرجه البخاري (٩٥٢)، ومسلم (٨٩٢).
2 / 448
وقال ابن مسعود ﵁: الغناء يُنبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل (١). وقد روي عنه مرفوعًا، خرّجه ابو داود (٢) في بعض نسخ "السنن" وخرّجه ابن أبي الدُّنْيَا والبيهقي وغيرهما، وفي إسناد المرفوع من لا يُعرف والموقوف أشبه. وأما تحريم آلات الملاهي، فقد تقدم عن مجاهد أنه أدلخها في صوت الشيطان المذكور في قول الله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ (٣) وتقدم أيضًا حديث أبي أمامة في ذلك.
وقال البخاري في "صحيحه" (٤): وقال هشام بن عمار ثنا صدقة بن خالد، ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، ثنا عطية بن قيس، حدثني عبد الرحمن بن غنم الأشعري، حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري -والله ما كذبني- سمع النبي ﷺ يقول: "لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ وَالحَرِيرَ وَالخَمْرَ وَالمَعَازِفَ وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ تَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ، يَأْتِيهِمْ الفَقِيرَ لِحَاجَةٍ فَيَقُولُوا: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ وَيَضَعُ العَلَمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ".
هكذا ذكره البخاري في كتابه بصيغة التعليق المجزوم به، والأقرب أنه مُسند؛ فإن هشام بن عمار أحد شيوخ البخاري. وقد قيل: إِنَّ البخاري إذا قال في "صحيحه": قال فلان ولم يصرح بروايته عنه، وكان قد سمع منه، فإنه يكون قد أخذه عنه عرضًا أو مناولة أو مذاكرة. وهذا كله لا يخرجه عن أن يكون مُسندًا، والله أعلم.
وخرجه البيهقي (٥) من طريق الحسن بن سفيان، ثنا هشام بن عمار، فذكره فالحديث صحيح محفوظ عن هشام بن عمار.
(١) أخرجه ابن أبي الدُّنْيَا في "ذم الملاهي" (١٥٦)، والبيهقي في "السنن الكبير" (١٠/ ٢٢٣) وضعفه الشيخ الجديع في أحاديث "ذم الغناء والمعازف في الميزان" (ص ٥٧).
(٢) في "السنن" برقم (٤٩٢٧).
(٣) الإسراء: ٦٤.
(٤) برقم (٥٥٩٠).
(٥) في "السنن الكبير" (١٠/ ٢٢١).
2 / 449
وخرج أبو داود (١) هذا الحديث مختصرًا بإسناد متصل إِلَى عبد الرحمن ابن جابر الإسناد فَقَالَ: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، ثنا بشر بن بكر، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، ثنا عطية بن قيس فذكره. وقال: "يستحلون الخز".
كذا عنده، "الخز": بالخاء والزاي المعجمتين، وفى باب لباس الخز خرجه.
والمعروف فى راوية البخاري "الحر"، بالحاء والراء المهملتين ومعناه: الفرج.
وقد رواه معاوية بن صالح عن حاتم بن حريث، عن مالك بن أبي مريم، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك الأشعري، عن النبي ﷺ قال: «لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، يُعْزَفُ عَلَى رُءُوسِهِمْ بِالْمَعَازِفِ وَالْمُغَنِّيَاتِ، يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ، وَيَجْعَلُ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ».
خرجه ابن ماجه (٢) وابن حبان في "صحيحه" (٣) وعنده: والقينات.
وخرج أبو داود (٤): أول الحديث ولم يتمه. وروى فرقد السبخي: حدثني عاصم بن عمرو البجلي، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: "تَبِيتُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى أَكْلٍ وَلَهْوٍ وَشُرْبٍ، ثُمَّ يُصْبِحُونَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ، وَتُبْعَثُ عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَائِهِمْ رِيحٌ، فَتَنْسِفُهُمْ، كَمَا نَسَفَتْ (*) مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ بِاسْتِحْلَالِهِمُ الْخُمُورَ، وَضَرْبِهِمْ بِالدُّفُوفِ، وَاتِّخَاذِهِمُ الْقَيْنَاتِ". خرجه الإمام أحمد (٥) والحاكم (٦) وقال: صحيح عَلَى شرط مسلم. كذا قال، وفرقد لم يخرج له مسلم، وقد وثقه ابن معين وغيره، وكان رجلًا صالحًا لكن كان مشتغلًا عن الحديث بالعبادة، ففي حفظه شيء، فحديثه يصلح للاستشهاد والاعتضاد.
(١) برقم (٤٠٣٩).
(٢) برقم (٤٠٢٠).
(٣) كما في "الإحسان" (٦٧٥٨)، وفي إسناده مالك بن أبي مريم: مجهول، ولكن للحديث شواهد يتقوى بها.
(٤) برقم (٣٦٨٨)، (٣٦٨٩).
(*) في "نسخة": تنسف.
(٥) برقم (٥/ ٢٥٩، ٣٢٩).
(٦) في "المستدرك" (٤/ ٥١٥).
2 / 450
وخرج الترمذي (١) معنى هذا الحديث: من حديث عمران بن حصين عن النبي ﷺ. وخرج الترمذي (٢) في المعنى أيضًا من حديث علي بن أبي طالب وأبي هريرة (٣) عن النبي ﷺ، وقال في كل واحد من الثلاثة: غريب.
وقد روي في هذا المعنى: أحاديث متعددة عن النبي ﷺ، من رواية ابن مسعود وسلمان، وعبادة بن الصامت وأنس، وأبي سعيد وابن عمر، وسهل بن سعد وعبد الله بن بسر، وعائشة وغيرهم ﵃، ولا تخلوا أسانيدها من مقال، لكن تقوى بانضمام بعضها إِلَى بعض، ويعضُد بعضها بعضًا. وقد ذكر البيهقي (٤) أنها شواهد لحديث أبي مالك الأشعري المبدوء بذكره. وخرج الإمام أحمد (٥) وأبو داود (٦) أيضًا من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال لوفد عبد القيس: "إِنَّ الله حرَّم عليّ أو حرم -الخمر والميسر والكوبة" (٧) - قال: والكوبة: الطبل -كذا فسره بعض رواة الحديث.
وخرَّج أحمد (٨) وأبو داود (٩) أيضًا من حديث عبد الله بن عمرو "أن النبي ﷺ نهى عن الخمر والميسر والكوبة".
قال الإمام أحمد: أكره الطبل وهو الكوبة، نهى عنه رسول الله ﷺ.
وروى ليث بن أبي سليم الكوفي، عن مجاهد قال: كنت مع ابن عمر ﵄، فسمع صوت طبل، فأدخل إصبعيه في أذنيه، ثم تنحى حتى فعل ذلك ثلاث مرات ثُم قال: هكذا فعل رسول الله ﷺ. خرجه
(١) برقم (٢٢١٣).
(٢) برقم (٢٢١١).
(٣) أخرجه الترمذي (٢٢١٢).
(٤) في "السنن الكبير" (١٠/ ٢٧٩).
(٥) (١/ ٢٧٨ - ٢٧٩).
(٦) برقم (٣٦٩٦).
(٧) قال ابن الأثير: هي النرد. وقيل: الطبل، "النهاية" (٤/ ٢٠٧).
(٨) (٢/ ١٥٨، ١٦٥).
(٩) برقم (٣٦٨٥).
2 / 451