المقدمة
الحمد لله هدى من شاء من عباده، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن الأمة ولله الحمد تزخر بأهل الأعمال الصالحة والأفعال الطيبة، وهذه مجموعة مختارة من قصص سمعتها لأخبار السائرين إلى الدار الآخرة، كتبتها للاقتداء والتأسي، وترك الغفلة وبذل الوسع في طاعة الله ﷿، وكذلك الرغبة في إشاعة الخير والدلالة عليه.
وهي امتداد لكتيبات سابقة مثل: «هل من مشمر؟» و«غراس السنابل» وغيرهما.
أدعو الله ﷿ أن يكتب فيها النفع والفائدة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
1 / 3
العابدة المطلقة
تزوجت من رجل يكبرها بسنوات، وكانت فرحة جذلي بهذا الزواج، رغبة في أن يكون مكتمل العقل ناضج الفكر، لكنه كان على عكس ظنها، فقد كان سيء الخلق لا يعجبه العجب ولا يرضى عن كل جهد، حتى كثر الشقاق وبدأت تظهر معالم الفرقة وسارت الأمور من سيء إلى أسوأ فكانت النهاية المحتومة بعد صبر طويل. غادرت منزل الزوج مطلقة، وهي تحدث نفسها: لعل الله ﷿ اختار لي أن أتفرغ للعبادة والطاعة، وتبرأ ذمتي من مسئولية الزوج! وكان الله ﷿ لطيفًا بها فجعل قرة عينها في الصلاة، تفرح لإقبال الليل وإدبار النهار حتى تناجي ربها في الثلث الأخير، وأعدت لنفسها صيام داود ﵇ فهي تصوم يومًا وتفطر يومًا. واستمرت الأيام ولم تشعر بوحشة ولا فراق، ولم يكن حديث الناس عن المطلقة يعدل ليلة من المناجاة لربها! إنها امرأة صابرة محتسبة علمت أن ما نزل بها من مصائب الدنيا فرضيت بقدر الله ﷿. ويسر الله لها الفرج القريب، وكان اليسر بعد العسر ..
فلم تطل بها الأيام حتى أتاها زوج يطلب يدها. فترددت كثيرًا حتى أشار عليها من تثق فيه، وقال لها: ما سبب التردد؟ ولماذا لا توافقين؟ قالت: أريد أن أصوم وأصلي!
قال لها: خدمة الزوج عبادة وقربة إلى الله ﷿ فأنت في خير وعبادة. لكن نفسها تراودها بين الحين والآخر بين الرفض
1 / 4
والموافقة. وعندما استخارت الله ﷿ مرات عديدة استقر بها الأمر إلى الموافقة .. عندها سأل الخاطب: هل لها شروط؟ . قالت: نعم لي شرط واحد: أن يأذن لي بصيام ثلاثة أيام من كل أسبوع، قال وكان محبًا للخير، مقبلًا على صاحبة الطاعة: لك الشرط. لقد كان همها منصرفًا إلى نافلة تستجوب إذن الزوج كما أمر النبي ﷺ بذلك. فرحت بالموافقة وسرت بها. ودخلت بيت الزوجية وهي تحلم بأمل عظيم ويراودها رجاء كبير وحسن ظن بالله ﷿ الذي يسر لها أمر العبادة والطاعة أن يتقبلها منها وأن يدخلها الجنة برحمته! «ومن عمل صالحًا فلنفسه».
1 / 5
ثلاثة أجزاء
امرأة شابة متزوجة ولها أبناء صغار، لكنها محبة لكتاب الله ﷿، تقرؤه آناء الليل وأطراف النهار، لا تكل ولا تمل من ترداده. تقرأ ما تيسر لها من القرآن حفظًا عن ظهر قلب. أو قراءة في المصحف. لم يكن عمل المنزل، ولا رعاية الأبناء، ولا الاهتمام بالزوج، صارفًا لها عن أحب ما تملك وهو قراءة كتاب الله ﷿. ولما أتى شهر شعبان بدأت تستعد لشهر الصيام وتعد العدة: فقامت في مطبخها لتحضير ما يكفي لشهر كامل من المأكولات المرغوبة في شهر الصيام، وكان همها التفرغ للعبادة في هذا الشهر العظيم، وقالت وهي تعد العدة: لعله آخر رمضان ... شمري يا نفس واتركي لذيذ النوم وكثير الكسل والخمول. ولما دخل أول يوم من شهر رمضان وضعت لنفسها ولأبنائها جدولًا لقراءة القرآن وتلاوته. فيسر الله أمرها وأعانها، وفي ما بين المغرب والعشاء وهو وقت ضائع عند الكثير كانت تقرأ ثلاثة أجزاء! نعم ثلاثة أجزاء فيما بين العشاءين ولم ينقص من طعامها شي، ولا من ترتيب منزلها، ولا من شئون زوجها. لقد أعانها الله ﷿ ويسر لها طريق الطاعة بالتوفيق مع العزم والمثابرة.
ولا تزال تردد في نفسها بين الحين والآخر في وجل وخوف قول ابن عوف: لا تثق بكثرة العمل، فإنك لا تدري أيقبل منك أم يرد، ولا تأمن ذنوبك فإنك لا تدري أكفرت عنك أم لا! إن عملك مغيب عنك كله.
1 / 6
النفقة
أعمال الخير متنوعة متعددة كل بحسبه وقدره! هناك من فتح الله عليه في أمر الصيام فهو لا يفطر، وآخر في القيام فلا يفتر، وثالث في الإنفاق فلا يتردد، ورابع في تعليم كتاب الله ﷿، وخامس في رعاية الأيتام والأرامل. وصاحبنا فتح الله على يديه في الإنفاق فكان ينفق من ماله الكثير على قلته. فها هو يكفل الأرامل ويواسي المحتاجين، ويحرص على تفقد أحوالهم. ثم هو أيضًا يساهم في المشاريع الخيرية، وأحسب أن له في كل موطن نفقة سهمًا حتى وإن كان صغيرًا فقد تأثر بقول قرأه: «استطعم مسكين عائشة ﵂ وبين يديها عنب. فقالت لإنسان: خذ حبة فأعطه إياها، فجعل ينظر إليها ويعجب، فقالت عائشة: أتعجب؟ كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة» (١).
وعندها كان ينفق الخمسة ريالات لعامل النظافة ويسقيه شربة الماء ويناوله اللقمة، ويشتري للصغار قطعة حلوى يحبونها رغبة في إدخال السرور على قلوبهم.
يومًا سأله أحد أخص المقربين له وقال: راتبك قليل، وأظن أنك تنفق أكثر من مرتبك فهل لديك مصدر دخل إضافي؟ فأجاب بثقة: الحمد لله ما شكوت من ضائقة مالية! إلا ضائقة في صدري بين الحين والآخر، أن أرى الفقير ولا أجد الكثير لأنفقه له. هذه
(١) التمهيد لابن عبد البر (٤/ ٣٠٢).
1 / 7
الضائقة، أما غيرها فأمري ولله الحمد ميسر، فما استدنت طوال حياتي، ولا أعرف الدين مطلقًا، ونعم الله علي لا تعد ولا تحصى!
وقفة:
في الحديث القدسي أن الله ﷿ قال:
«يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» [رواه مسلم].
1 / 8
وقفة للمشمرين
قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨].
قال بعض أهل اللغة: وإن الذرة هو أن يضرب الرجل بيده على الأرض فما علق من التراب فهو الذرة.
وقيل: الذر: هو ما يرى في شعاع الشمس من الهباء.
قال ابن القيم-﵀:
(وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية-قدس الله روحه- يقول: إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحًا، فاتهمه، فإن الرب تعالى شكور. يعني أنه لابد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه، وقوة انشراح، وقرة عين فحيث لم يجد ذلك، فعمله مدخول) (١).
(١) المستدرك على مجموع فتاوى ابن تيمية (١/ ١٥٣)
1 / 9
مصلى الجامعة
كانت الجامعة بداية انطلاقة أعمال النوافل لديها، وكان المصلى محضنًا طيبًا لبث روح المسابقة إلى الله ﷿. وكانت المحاضرات التي تلقى نبراس خير ودلالة.
سمعت بفضل صيام التطوع، وسرها سماع حديث النبي ﷺ: «ما من عبد يصوم يومًا، في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا» [متفق عليه]، فكانت بعد هذا الحديث من المسارعات إلى الصيام بكثرة، فأحيانًا تصوم يومًا وتفطر يومًا، وفي كل شهر تصوم أيام البيض، ويومي الاثنين والخميس من كل أسبوع.
وكانت أول مشكلة واجهتها تناول غداء الطعام مع أهلها، فاعتذرت بتأخرها وانتظارهم لها، وقالت: لا تنتظروا، وتناولوا الطعام، وإذا أتيت من الدراسة أنام حتى العصر، وبعد العصر أتناول الغداء. فكان لها ذلك، فإذا أذن المؤذن لصلاة العصر وأدت الصلاة دلفت إلى المطبخ، فلا يكون فيه أحد، فتغير مواضع الطعام وتغسل بعض الأطباق حتى يظن أنها تناولت غداءها. وهكذا استمرت بها الحال شهورًا طويلة، وإن رأتها والدتها يومًا أسرت لها بأنها صائمة، حتى لا تغضب من عدم الأكل.
وهكذا تطوى صحيفتها يومًا بعد يوم، وشهرًا بعد شهر، وسنة بعد سنة، «ومن عمل صالحًا فلنفسه».!
1 / 10
(... ولو مرة)
سمع يومًا أحد الدعاة وهو يتحدث عن الطاعة والعبادة ثم ذكر قولًا لعمرو بن قيس: «إذا بلغك شيء من الخير فاعمل به ولو مرة تكن من أهله».
ثم تذكر حديث النبي ﷺ عندما سأل أصحابه فقال: «من أصبح منكم اليوم صائمًا؟» قال أبو بكر-﵁ أنا، قال: «فمن تبع منكم اليوم جنازة؟» قال أبو بكر ﵁ أنا، قال: «فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟» قال أبو بكر-﵁ أنا، قال: «من عاد منكم اليوم مريضًا» قال أبو بكر-﵁ أنا، قال رسول الله ﷺ: «ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة» [رواه مسلم].
وعزم بعد سماع هذا الحديث أن يفعل كل أبواب الخير هذه في يوم واحد، ثم راودته نفسه الدلالة على الخير، وعظم أجرها، فقال: لعل زوجتي تعلم بهذا فنكون سويًا في هذه الطاعة. وعندما أخبرها سرت بذلك وفرحت. فقاما من الليل وتسحرا وأصبحا صائمين، وتصدق الزوج عنه وعن زوجته في ضحى ذلك اليوم على فقير وجده، ولما أذن المؤذن لصلاة العصر قصدا أحد الجوامع الكبيرة المعروفة بكثرة الجنائز فصليا معًا على جنائز عدة كانت حاضرة تلك الصلاة، وزارا بعد خروجهما من المسجد مريضة قريبة لهما وأكثرا من الدعاء أن يتقبل الله ﷿ ما عملا، وأن يغفر لهما ذنوبهما، وسارعا إلى بث هذا الحديث وتذكير الناس به للعمل والاقتداء. «ومن عمل صالحًا فلنفسه»! .
1 / 11
العجوز العاملة
سخر الله ﷿ للإنسان السعي في أمور الدنيا، لا يكل ولا يمل، في شبابه وشيخوخته، في حال مرضه وصحته. لكن من أراد الله به خيرًا يسر له عمل الطاعة، وأولها همة في القلب، تحرك الجوارح.
قال شميط بن عجلان عن قيام الليل لكبار السن وقد ضعفت أجسامهم، وأصابتهم الأسقام والأوجاع، ومع هذا يقومون الليل قال: «إن الله-﷿ جعل قوة المؤمن في قلبه، ولم يجعلها في أعضائه، ألا ترون أن الشيخ يكون ضعيفًا يصوم الهواجر، ويقوم الليل؟ ! والشباب يعجز عن ذلك».
وكانت صفية بنت سيرين توصي فتقول: «يا معشر الشباب خذوا من أنفسكم وأنتم شباب، فإني ما رأيت العمل إلا في الشباب». وقبلها النبي ﷺ الذي قال في حديث عظيم: «بادروا بالأعمال سبعًا، هل تنظرون إلا فقرًا منسيًا، أو غنىً مطغيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مفندًا، أو موتًا مجهزًا أو الدجال فشر غائب ينظر، أو الساعة أدهى وأمر» [رواه الترمذي].
امرأة كبير مسنة احدودب ظهرها، وارتعشت أطرافها، وهزل جسمها، لكن الله ﷿ استعملها في طاعته فهنيئًا لها هذا الخير، وقد قال ابن القيم في الفوائد: (من أراد من العمال أن يعرف قدره عند السلطان فلينظر ماذا يوليه من العمل؟ وبأي شغل يشغله؟).
هذه المرأة ولت وجهها نحو الدعوة إلى الله رغم كبر السن، وعدم القراءة أو الكتابة ..
1 / 12