[مقدمة المؤلف]

بسم الله الرحمن الرحيم

(وبه نستعين) وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم (تسليما كثيرا رب يسر وأعن يا كريم).

الحمد لله الذي لا تراه العيون، ولا توارى منه الستور، ولا تجن عنه مافي قعورها البحور، الذي ظهر برصين خلقه، وبين حكمته، وآثار صنعه للناظرين، متجليا بما فطر من ذلك وأنشأه (لهم) منورا، فكل ذلك دال عليه، وشاهد بالواحدانية له، وموضح أن المبدأ منه، والمعاد إليه.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، شهادة مقر بالعبودية له، دائن بأزليته، معترف أن لا باقي غيره، ولا دائم سواه.

وأسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، وعلى أخيه ووصيه، والقائم بالحق بعده، وعلى سبطيه، وأهل بيته إنه على ما يشاء قدير.

قال عبد الله بن الحسين صلوات الله عليهما: اختلف الناس في معاني كتاب الله، وتفسير مافيه على فرق يكثر ذكرها، ويطول شرحها ، وخاصة في ناسخه ومنسوخه، فألفت ووضعت كتابي هذا قاصدا فيه لذكر الناسخ والمنسوخ من المفروضات، غير أني أحببت ذكر جملة ما فيه من المعاني مبهمة، وأنا مفسرها إن شاء الله تعالى في كتاب غير هذا؛ لما أردت من إفراد كتابي هذا بذكر ناسخ القرآن ومنسوخه، وإني عند ذلك، نظرت في كتاب ربي، فأعملت الفكر في تنزيل خالقي، مع ما كان عندي من علم مشائخي، حتى وقفت من ذلك على ما أملته وظفرت منه بما [60ب-ب] طلبت، وإذا جميع [1ب-أ] ذلك يدور على معان كثيرة منها: ناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، وحلال وحرام، ومقدم ومؤخر، وظاهر وباطن، وأقسام، وأمثال، وفرائض، وقصص، وخاص وعام، وإشارة ودلالة، وعطية لخاص يراد بها العموم ، ومعان غير ما ذكرت كثيرة.

Page 29

وأنا بعون الله مبين ذلك، وشارح جميعه في كتاب غير هذا، ومبتدئ في كتابي هذا بما ذكرت من ناسخ ذلك ومنسوخه، أطلب ثواب الله والدار الآخرة، مستعينا بالله عليه، ضارعا إليه في عوني على ذلك وتسديدي الصواب فيه.

(قال الله تعالى سبحانه) ?ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا? [البقرة:269] .

فزعم ابن عباس (رضي الله عنهما وكثير) من العلماء أن تفسير هذه الآية وما ذكر الله فيها من الحكمة هي: المعرفة بجميع معاني القرآن التي ذكرناوأسبابه.

Page 30

[فضيلة علم الناسخ والمنسوخ وحكم تعلمه]

[1/1] ولقد بلغني عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -صلوات الله عليه- أنه سمع رجلا يعظ الناس ويقص عليهم.

فقال له: هل علمت ناسخ القرآن ومنسوخه؟

قال: لا، قال له عليه السلام:هلكت وأهلكت.

Page 31

[حقيقة النسخ ]

قال الله تعالى: ?ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها? [البقرة:106] .

وقد ذكرت تفسير هذه الآية في تفسير سورة البقرة، ولا بد من ذكر بعض ذلك في هذا الموضع.

قال الله عز وجل: ?ما ننسخ من آية? أي ما نبدل من حكم قد مضى في آية بالتخفيف مثاله في الفرض أوبالتثقيل بالزيادة في فرضها، أو ننسها، أي: نتركها بحالها لا نغير شيئا مما حكمنا به فيها.

وكذلك قال في موضع آخر: ?يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب? [الرعد:39] يقول الله سبحانه:?يمحوا الله ما يشاء? من فرضه، وحكمه في آياته بالنسخ له، ويترك العمل بما فيها منه، مما قد مضى وأمر بترك الحكم به، ويثبت ما يشاء مما حكم به في آيات أخرى، ولا يبدل، وفرضها لا بعمل لم يدع الحكم بها بعد [2أ-أ] ولم يمض.

?وعنده أم الكتاب?، يقول الله سبحانه: إن عنده أصل ذلك، وجملته مثبتا في علمه [1ب-ج] لا يعزب عنه شيء مما نسخ، ولا مما لم ينسخ، ولا مما وقع الحكم به ومضى، ولا مما لم يقع به بعد ولم يمض.

Page 32

[ أقسام الناسخ والمنسوخ ]

قال عبد الله بن الحسين صلوات الله عليهما: ولم يختلف أحد علمته من العلماء، لا خاص، ولا عام أن الآية الناسخة والمنسوخة (ثابتتان) في المصحف يقرءان جميعا، وأن الآية المنسوخة إنما ترك حكمها، وترك العمل بها، وهذا وجه الناسخ والمنسوخ عندي، والله الموفق للصواب برحمته.

وقد قال غيرنا: أن الناسخ والمنسوخ عندهم على ثلاثة وجوه، منها:

[أولا] : ما قلنا به.

والثاني: نسخ الخط وتحويله من مكان إلى مكان.

والثالث: عندهم رفع السورة وإنساؤها من كان يحفظها، وهذا قول فاسد مدخول، وقد احتجوا في ذلك بحديث [2/1] عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا أراه حقا، ولا أعرفه، غير أني أحببت ذكره؛ كي لا يحتج به محتج جاهل فيجهل به غيره - زعموا أن رجلا من المسلمين كان يحفظ سورة من القرآن، فقام يقرؤها (من الليل) فلم يقدر عليها (ثم قام آخر من المسلمين يقرؤها، فلم يقدر عليها، ثم قام رجل ثالث يقرؤها فلم يقدر عليها) فلما أصبحوا غدوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال بعضهم: يا رسول الله، قمت البارحة لأقرأ سورة كذا وكذا، فلم أقدر عليها.

وقال الآخر: يا رسول الله ما جئت إلا لهذا، وقال الثالث [61ب-ب] مثلهما.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إنها نسخت البارحة)).

وذكروا أيضا قول الله [2ب-أ] عز وجل: ?وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته? [الحج:52] .

والنسخ هاهنا له وجه غير الوجوه الأولى، وتأويل غير التأويل الأول، والمعنى فيهما مفترق، غير أني أحببت ذكره إذ ذكروه.

Page 33

[كتاب الصلاة: أول ما نسخ (تحويل فرض القبلة)]

قال عبد الله بن الحسين صلوات الله عليهما: وأول ما نسخ الله سبحانه من كتابه الكريم، وذكره الحكيم تحويل فرض القبلة.

وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما دخل المدينة أمره الله بالصلاة إلى بيت المقدس وأنزل عليه:?ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله? [البقرة:115] ، فكان عليه الصلاة والسلام يصلي إليه، لما أراد الله من إطناء أهل المدينة ومن حولها، وذلك أن أكثرهم كانوا يهودا، وكانوا يعظمون بيت المقدس، فلما أن صلى -عليه الصلاة والسلام- إليه عظم أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندهم، ووقع ما يدعو إليه في قلوبهم.

فصلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، وقيل: سبعة عشر شهرا. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحب قبلة أبيه إبراهيم؛ وذلك أنها كانت قبلة جميع الأنبياء -عليهم السلام، غير أنه لم يكن أحد أمره الله ببناء البيت، ولا دله [62أ-ب] عليه، ولا أظهره له إلا إبراهيم (عليه السلام) وأما الأنبياء من قبله صلوات الله عليهم فكانوا يتعبدون بالصلاة إليه والقصد.

وكان عليه السلام يدعوا إلى الله في ذلك، وينظر إلى السماء ويلتفت عند الصلاة إلى البيت العتيق، فأنزل الله سبحانه: ?قد نرى تقلب وجهك في السماء [3أ-أ] فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره? [البقرة:144] أي نحوه، فنسخت هذه الآية التي قبلها (وهي) ?ولله المشرق والمغرب? [البقرة:115] فاشتد ذلك على اليهود.

فقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟

Page 34

وقد قال أيضا قبل ذلك مثل هذا القول مشركي العرب، حين صلى صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيت المقدس وترك قبلة أبيه إبراهيم فأنزل الله سبحانه: ?قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم? [البقرة:142] .

ثم قال عز وجل:?وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه? [البقرة:143] يقول (الله سبحانه): ليتبين لك أهل اليقين والتسليم من أهل الشك والارتياب، وكذلك قال في موضع آخر:?فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما? [النساء:65] والتسليم لأمر الله وأمر رسوله، وترك الشك والارتياب، فهو صريح الإيمان، ألا تسمع إلى قول الله عز وجل: ?وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله? [البقرة:143] يعني بذلك تحويل القبلة، ثم قال تقدس [اسمه] مخبرا عن اليهود وغيرهم:?سيقول السفهاء من الناس ما [62ب-ب] ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها...?الآية [البقرة:142] يعني بالسفهاء: اليهود، ومن قال بقولهم. [3/1] وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (لما نسخت القبلة )، صعد المنبر فتلى على الناس هذه الآية إلى آخرها: ?قد نرى تقلب وجهك في السماء...? [البقرة:144] ثم نزل عن المنبر فصلى بهم الظهر إلى البيت العتيق، وكان أول صلاة [3ب-أ] صليت بعد النسخ إلى المسجد الحرام.

Page 35

[كتاب الزكاة والصدقات ]

قال عبد الله بن الحسين صلوات الله عليهما: وأما الزكاة وما نسخ منها، والصدقة، فقد اختلف الناس في ذلك، وسأذكر اختلافهم، وما بين الخاص والعام، وما به نأخذ من ذلك إن شاء الله تعالى.

قال الله سبحانه في سورة النساء: ?وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه...?الآية [النساء:8] فهذه الآية مما اختلفوا فيها، فقال بعضهم: هي محكمة وعلى أهل الميراث أن يرضخوا للقرابة واليتامى والمساكين، بما طابت به أنفسهم.

وقال آخرون: أنها منسوخة نسختها المواريث والفرائض والقول فيها عندي: أنها منسوخة نسختها المواريث والفرائض، غير أني أستحب لأهل الميراث أن يرضخوا لمن حضر القسمة من مساكين القرابة والأيتام وغيرهم.

واختلفوا أيضا في الآية التي في الأنعام، وهو قوله عز وجل:?كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده? [الأنعام:141] فزعم قوم أنه حق أوجبه الله تعالى في أموال العباد [63أ-ب] ، وفرض عليهم إطعام المساكين منه يوم حصاده، وذلك أنه حق لازم.

وزعم آخرون أن هذه الآية منسوخة (بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ليس في المال حق سوى الزكاة ))) ولا أدري ما هذه الرواية!؟ ورووا ذلك عن أبي جعفر وابن عباس وغيرهما.

وقال آخرون: إنها آية محكمة، وإن الحق الذي ذكره الله تعالى في هذا الموضع هو: الزكاة المفروضة، وهذا قولنا وبه نأخذ (ومن تطوع بعد ذلك، وفعل خيرا)يوما، فرضخ منه للمساكين (فحسن، ومن شح) فحظ نفسه أخطأ.

بلغني من حيث أثق [4أ-أ] ، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، -صلوات الله عليهم- أنه قال: (نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن، (ونسخ الأضحى) كل ذبح، ونسخ صوم رمضان كل صوم).

Page 36

وبلغني من حيث أثق عن جعفر بن محمد ( عن أبيه محمد بن علي) عن أبيه علي بن الحسين قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن جذاذ الليل وحصاده).

قال عبد الله بن الحسين صلوات الله عليهما: وإنما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نظرا لأهله ورحمة لهم، لما لهم من الأجر في إطعام من حضر من الضعفة والمساكين، وخوفا عليهم من هوام الأرض، فهذا معنى الحديث عندي وقد قال غيرنا: أن ذلك إيجابا منه أن فيه حقا سوى الزكاة، وليس هذا عندي بشيء.

Page 37

[كتاب الصيام]

قال عبد الله بن الحسين صلوات الله عليهما: وأما ما نسخ من الصيام، وما اختلف فيه من معانيه، قال الله سبحانه: ?كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات? [البقرة:183] يعني بذلك المعدود شهر رمضان.

Page 38