لِاشْتِرَاكِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فِي الصَّلَاةِ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ تَتَكَرَّرُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَكَمْ مِنْ إنْسَانٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى صَاعٍ وَلَا مُدٍّ، وَمَنْ يَحْتَاجُهُ يَمْكُثُ مُدَّةً لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَلَا يَظُنُّ عَاقِلٌ أَنَّ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ. وَأَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ كَانُوا يُوَاظِبُونَ عَلَى خِلَافِ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ.
حَدِيثٌ آخَرُ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صحيحه١ عن بدليل بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، انْتَهَى. وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ، وَتَأْوِيلُهُ عَلَى إرَادَةِ اسْمِ السُّورَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنَّ السُّورَةَ كَانَتْ تُسَمَّى عِنْدَهُمْ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ، فَلَا يُعْدَلُ عَنْ حَقِيقَةِ اللَّفْظِ وَظَاهِرِهِ إلَى مَجَازِهِ، إلَّا بِدَلِيلٍ، وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَبَا الْجَوْزَاءِ لَا يُعْرَفُ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ عَائِشَةَ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ ﵇ كَانَ يَجْهَرُ، قُلْنَا: يَكْفِينَا أَنَّهُ حَدِيثٌ أَوْدَعَهُ مُسْلِمٌ صَحِيحَهُ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ اسْمُهُ أَوْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّبَعِيُّ ثِقَةٌ كَبِيرٌ لَا يُنْكَرُ سَمَاعُهُ مِنْ عَائِشَةَ، وَقَدْ احْتَجَّ بِهِ الْجَمَاعَةُ، وَبُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ، مُجْمَعٌ عَلَى عَدَالَتِهِ وَثِقَتِهِ، وَقَدْ حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْهُ الْأَئِمَّةُ الْكِبَارُ، وَتَلَقَّاهُ الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ الْجَهْرِ فَكَذِبَ بِلَا شَكٍّ، فِيهِ الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ، وَهُوَ كَذَّابٌ دَجَّالٌ، لَا يَحِلُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، وَمِنْ الْعَجَبِ الْقَدَحُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَالِاحْتِجَاجُ بِالْبَاطِلِ.
حَدِيثٌ آخَرُ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ آيَةً مِنْ السُّورَةِ فَلَا يُجْهَرُ بِهَا، مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ٢ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، قَالَ: كُنْت أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي كُنْت أُصَلِّي، فَقَالَ: "أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ ﷿: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ﴾ "، ثُمَّ قَالَ: "لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً فِي الْقُرْآنِ"، قُلْت: مَا هِيَ؟ قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ"، فَأَخْبَرَ أَنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَلَوْ كَانَتْ الْبَسْمَلَةُ آيَةً مِنْهَا لَكَانَتْ ثَمَانِيًا، لِأَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ بِدُونِ الْبَسْمَلَةِ، وَمَنْ جَعَلَ الْبَسْمَلَةَ مِنْهَا إمَّا أَنْ يَقُولَ: هِيَ بَعْضُ آيَةٍ، أَوْ يَجْعَلَ قَوْلَهُ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ﴾ إلَى آخِرِهَا، آيَةً وَاحِدَةً.
حَدِيثٌ آخَرُ، وَمِمَّا يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ مِنْ السُّورَةِ مَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ٣ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبَّاسٍ الْجُشَمِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: "إنَّ سُورَةً مِنْ الْقُرْآنِ شَفَعَتْ لِرَجُلٍ حَتَّى غُفِرَ لَهُ، وَهِيَ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ "، انْتَهَى. قَالَ التِّرْمِذِيُّ:
١ في باب ما يجمع صفة الصلاة وما يفتتح به ويختم به، ص ١٩٤- ج ١، والإنصاف لابن عبد البر، ص ٩، والبيهقي: ص ١٧٢ – ج ٢.
٢ في أوائل التفسير، ص ٦٤٢.
٣ الترمذي في فضل سورة الملك، ص ١١٢ – ج ٢، والحاكم في المستدرك، ص ٤٩٧ – ج ٢، وص ٥٦٥ – ج ١.
1 / 334