Effluves de Rayhana
نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة
Empires & Eras
Ottomans
بسم الله الرحمن الرحيم
أنزله الله وأسبحه، وأسأله التوفيق وأستمنحه. حامدًا له تعالى بأسمائه، على جلائل آلائه ودقائق نعمائه. حمدًا تتعطر مجاري الأنفاس بنفحةٍ من نفحاتهِ، وتتدفق بحار الأفكار برشحة من رشحاته.
وأصل ذلك ما دمت أنطق بكلام بصلات صلاة وأتم سلام، على من أبدع منشئ الوجود إنشاءه على أحسن فطرة وأجملها، ونظم به عقد الدين بعد نثره فدعا لأتم ملة وأكملها. الذي أوتي جوامع الكلم، ولم ينطق عن الهوى، فاقتفى أثره عصابة ما ضل أحد منهم باتباعه ولا غوى.
المبعوث في زمن هتفت فيه مصاقع العرب على منابر البلاغة، وقيدت شوارد المعاني في الأسماع بسلاسل الذهب فلم يبلغ أحد بلاغه. فأبطل سحرها المبين، متمسكًا بحبل الله المتين، وجاءها بالعقد الذي تحل به الزمان العاطل، والحق الذي لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه الباطل.
والروض الذي تتفجر عيونُ البلاغة عن أصول معانيه، وتتدفق مياه البراعة عن فصول مبانيه. ونزه أسماعها في حديقة حميت بشوكة الإعجاز فلم تلمس ورودها أيادي إياد ولا أنامل الحجاز.
فلله وبالله ذلك المفحم المعجز، الذي أعيى على الواصف المطنب والموجز. لا برحت الصلوات الناميات في كل أوان، تحيي مرقده الشريف ما تعاقب الملوان.
ثم أحيي آله الكرام، وأصحابه ذوي الاحترام، بما يناسب رتبتهم السامية، من هذه التحية الزكية النامية، وعيلهم رحمة الله وبركاته.
وبعد: فإني من منذ ألقيت الألواح، وميزت بين الصباح والمصباح. جعلتُ الأدب لناظري ملمحا، واتخذته لفكري من بين المعارف مطمحا. وكنتُ أعده لصحائف الشمائل عنوانًا، وأرتب لبيت قصيده في بدائع المآثر ديوانًا. وأشيم من آفاقه بوارق السحر، وأشم من أردانه روائح الشحر. فأرتشف منه ما هو أشف من الماء في زجاجه، وأشتف ما هو ألذ من الرحيق في مزاجه.
وأنا من الابتهاج به كما التقى الغدير بالزهرة، ومن التملي به كما تقابلت الثريا بالزهرة. فطالما وردت منه ما صفى من الأمواه، وبسطت حجري لالتقاط درره من الأفواه. وعكف طرفي في محاريب دفاتره، ورشف يراعي ماء الحياة من ظلمات محابره.
هذا وغصن شبابي غض وريق، وتحايا مدامي عض وريق. وأنا أجري في طلق الصبا طلق الصبا، وأذهب في نيل البغية مذهبًا مذهبًا. فكم ليلة نادمت فيها الأمانين ووفى لي في جنحها بالضمان زماني. فتناولت أحاديث كالأرياق، نظمتها كالعقود تلوح من الأزياق. وذلك في مسقط رأسي ومشتعل ذؤابة نبراسي. خطة السرور والفرح، وحلة القدح والقدح. ومنى الأماني، ومغنى الأغاني. وقبلة القبول، وشملة الشمول. البلدة الفيحاء دمشق، الطيبعة العرف والنشق.
لا زال خفاق النسيم يلعب بعذبات واديها، وهطال السحاب يراوح دمنها ويغاديها. وحيى الله أعزاها الذين بهم التقيت ونجوم أفقها الذين بصحبتهم ارتقيت أديبهم يهز له الأدب هيف معاطفه، وأريبهم يمد به الندى بساط عواطفه.
يرمون عند هدر الشقاشق في حدق البيان ويصيبون بالكلم الرواشق غرض التبيان. ويتنافسون من السحر في المناظم، وما يتصرفون فيه إلا على ذائقة الأعظم. من بدائع لو عثر عليها سحرة من موسى لتابوا، وروائع لو اطلع عليها المصورون لدلوا عن نهجهم وأنابوا.
وما منهم إلا من بطش فيما انتحى بباع بسيط، ولم يزل عن موقف الصواب مقدار فسيط. وكان بقي للشعر خصاصة فاستظهروا على سدها، وأنشوطة استنهضوا هممهم لشدها. صنيعهم صير الزمان من تقصيره في وجل، وأظنه أطلع الورد في خد الربيع إشارة لما عنده من الخجل.
فوسقت في بحارهم السفائن، واستخرجت من محاسنهم الدفائن. واجتنيت من ثمرات خواطرهم كل يانع مستطاب، وحشوت صدفة أذني من تلك اللآلئ الرطاب.
وملأت السمع منهم كلمًا ... يحسد القلب عليه الأذنا
لكني لم أقض من رؤيتهم مطمعا، حتى غربواهم وشمس الفضل معًا.
فعاينت الوجود دونهم كالنهار بلا شمس، وعاينت الأمر ولا هم كالراحة بلا خمس.
وفقدت بهم الوطر الذي شايعته، والأمل الذي على الوفاء والرعى للذمم بايعته.
فلم ألبث حتى كرهت الثوى وتحركت عزيمتي لداعي النوى.
أنضيت لجهة الروم العزم، وأدخلت على حرف العلة عامل الجزم.
فعل أمرئ جد جده، وما رأيه إلا في مفخر يستجده فإن في الانتقال تنويهًا لخامل الأقدار، ولولاه لم يكس البدر حلة الأبدار.
1 / 1
وكذا الدر ضائع الحسن في البح ... ر فإن بان عنه راق جمالا
ومياه البحار ملح فمهما ... حملتها السحاب عدن زلالا
فدخلت أمهات بلادها دور الخلافة، واستقريت آخرًا بقسطنطينيتها، لا زالت مصونة من كل آفة.
والدولة إذ ذا بالكلمة الغالبة تنطق، والدنيا تتوشح بتلك الحماية وتنتطق.
والأيام مقسطة، والأنام منبسطة.
والزمان كله نهار، والمنابت طرًا أزهار.
وملك الزمان السلطان محمد، ختم الله بتأمينه مذ صافحت آفاقها أسرة جبينه.
حدثت عن الحياة الخضرة جنباتها، واستحال زمردًا وزبرجدًا نباتها.
والأفئدة بطاعته تدين، وقد تهنى بمانه الدنيا والدين.
ورأيت أستاذي الشيخ محمد بن لطف الله الذي توجهت بكليتي إليه، وأوقفت أملي مذ أنا يافع عليه.
وهو مقصد الواصف والمادح، وملج لسان الناطق والصادح. وقد استوفى من الصدارة تمام العزة، وأوفى شرفه على كل الأعزة. وكان للأدب ممن تلافى ذماه، وروى ببشره ظماه. فأصبحت حسنات الدهر به موفورة، وسيآته بوجوده مغفورة. ونفضت لديه علائق الترحال، ورفرفت عليه آمال الرجال. من كل من اتخذ الأدب مفخرًا يرغم به أنوف المفاخرين، والثناء الجميل مدخرًا، وهو لسان صدق في الآخرين. فحاسيتهم بحضرته كؤوس مودة أصفى من الماء، وتلقيت منهم كل نادرة تفضح نجم السماء.
ثم لما قضى الله موت الأستاذ برد الله حفرته، ونور بنور الغفران غرته. قضاء منه سبق في بريته، وسوى فيله بين آدم وذريته. رأيت الدهر قد عاندني في الديار والأحباب وكساني المشيب قبل أن أعرف مقدار حق الشباب. وقد ولتني الثلاثون أذنابها، وصبت على المصائب ذنابها. وغاب هلال الصبا في مغاربه، وألقيت حبل الصبا على غاربه. بعد ما كان ذرعي عن هموم الأثر خاليًا، وحالي ببرد العيش حاليًا. فرميت الشام بعزمة المنتاب، وقد رضيت من الغنيمة بالإياب. فحليتها في عصر ذهب رواؤه، وفرغ من المعارف إناؤه. وعضد الأدب هيض، وثمده بعد هنيئة غيض. حتى تقلصت ذيول ظلاله، وبكت عيون المنى على أطلاله. والناس إما ساكت ألفًا، أو ناطق خلفًا. ولزمت كسر البيت، وسكنت سكون الميث. متكفكفًا بما في يدي، ومستدفعًا ليومي وغدي. وأنا في الدنيا الموصوفة بالنضارة، من جملة النظارة. أرمقها يمنة ويسرة، فلا أرى إلا همًا وحسرة. ولا أراني إلا كاسفً معنى، وكأنني لفظ بلا معنى. فرمان فرحي أقصر من التفات الحبيب، وتلفتي للسراء تلفت المريض للطبيب. في أوقات أثقل من الحديث المعاد، وأطول من عمر الانتظار لوقت الميعاد. لا سمير لي أوانه ولا جليس عندي أجانسه. سوى أوراق مزقتها الريح، وفرقت شملها التباريح. التقطتها كل واحدة من بقعة، وجمعتها من كل رق رقعة. أكثر ما فيها أشعار لأهل العصر، الذين ضاق عن الإحاطة بمفاخرهم نطاق الحصر. ممن رأيته فكانت رؤيته لعيني جلا، أو سمعت به فكانت أخباره لمسمعي حلي. وكان كتاب الريحانة للشهاب، الذي أغني عن الشمس والقمر، وأطلع الكلام ألذ من طيب المدام والسمر. وناهيك بمن استخدم الألفاظ حتى قيل: إنها له ملك، ونظمها في أجياد الطروس كأنها جواهر لها كل سطر من سطورها سلك.
لم يزل من عهد صبايَ، قبل نوم سيارة شمولي وصباي. أمنية رجائي الحائم، وبغية قلبي الهائم. وشمامتي التي أشتم ومسلاتي متى أهتم. وزمزمة لساني، وعقيلة استحساني.
حتى أود لو كانت أعضاي كلها نواظر تبصره، بحيث لا تمل لحظًا، وخواطر تتذكره، على ألا تسأم حفظًا، وألسنة تكرره، بشرط ألا تقنع لفظًا.
فخطر لي أن أقدح في تذييله زندي، وآتى في محاكاته بما اجتمع من تلك الأشعار عندي. وقصدي بذلك إشغال الفكر، لا الانضمم إلى من فاز بألى الذكر. وإلا، فمن أنا حتى يقال، أو إذا عثرت عثرة تقال. سما إذا قرنت بمن جاريته في ميدان الكلام، أو ضممت إلى من باريته وأنا لست له باري أقلام. وإني لو تطاولت إلى الفلك، وتناولت عن الملك. واتخذت الدراري عقودًا، وزهر المجرة لفظًا منقودًا. ما بلغت مكانه، ولا أمكنت من أمر البراعة إمكانه.
فأقدمت سائلًا من الله أن يجعله سهلًا، وأنا أستغفر لتطلعي لما لست له أهلا. وسدت أعيانًا بيضت بهم وجه الطروس، وأحييت لهم أبيات أشعار كادت تشارف الدروس. من كل لفظ أرق من نفحة الزهر الروض للناشق، وأحسن موقعًا من تبسم المعشوق في وجه العاشق.
1 / 2
وأتيت فيهم بفصول تشهد لهم بالتفضيل، وتقضي بأن كل وصف فيهم فضول، بالإجمال والتفصيل.
وإني محاسب لقلبي إذا مال، وللساني إذا قال. لا أمدح إلا ممدوحًا، ولا أقدح إلا مقدوحًا. ولا يستفزني رعد كل سحابة، ولا يستخفني طنين كل ذبابة. ورقمت من الكلام المصرع، والإنشاء السلس المرصع. ما استنبطته من ذوات الصدر، وألمعت به كالقمر ليلة البدر. فقرًا ابتدعتها وسجعتها، ومعاني آدابٍ اخترعتها وألمعتها. تطرزها الأقلام، وترقم بها أردية الكلام. ولم أودع إلا ما حسن إيداعه، ولطف مساغه وإبداعه. وأقنع من القول بطرفه، وأستجلب منه بدائع طرفه. إذ لا فخر للاقط، تناول كل ساقط. ولا فضل لمتخير، هو في لم شعث ما يأتي به متحير.
فكم من بيت إذا أخذ الإذن على الأذن تتجرعه ولا تكاد تسيغه، وكم من معنى إذا حاول ناظمه لم يتأت له كيف يصوغه.
وكنت عزمت على ألا أترجم أحدًا ممن ترجمه، ثم عدلت؛ لأني رأيت ألسنة النقاد عن زيف بعض تراجمه مترجمة.
فإنه وإن نوه بحزب، إلا أنه قصر في الإطراء بشعارهم، وإن أطنب في آخرين؛ إلا أنه لم يذكر عيون أشارهم.
على أنه نور الله مزاره، ومحى من صحيفته يوم العرض أوزاره أغفل من القوم حزبًا نقايا، وكأنه أومأ إلى قولهم: في الزوايا خبايا.
فذكرت من أغفله ذكرًا شافيًا، وأعدت مما فوته قدرًا كافيا. ومن نظر بعين الإنصاف، واتصف من المعدلة بأحسن الأوصاف. علم بأني أتيت بما يرضى في الجملة، ولم يقصر كل التقصير في الحملة.
فإن من أحسن قبلي وقبل كلامه، وقل في مثل هذا الغرض ملامه، إنما أحسن والدنيا شابة، وريح القبول هابة. والأيام مساعفة، والأوقات مساعدة. والسعود قائمة، والنحوس نائمة.
وأنا قد وجدت في زمان هرمت فيه البلغة، وفترت الدعوة وكسدت السلعة، وبطلت الصنعة.
وأعظم شيء في الوجود تمنعًا ... نتاج مرام من عقيم زمان
وقد رتبت الكتاب على ثمانية أبواب: الباب الأول: في محاسن شعراء دمشق ونواحيها.
الباب الثاني: في نوادر أدباء حلب.
الباب الثالث: في نوابغ بلغاء الروم.
الباب الرابع: في ظرائف ظرفاء العراق والبحرين.
الباب الخامس: في لطائف لطفاء اليمن.
الباب السادس: في عجائب نبغاء الحجاز.
الباب السابع: في غرائب نبهاء مصر.
الباب الثامن: في تحائف أذكياء المغرب.
وسميته نفحة الريحانة، ورشحة طلاء الحانة. والله سبحانه موفقي لما أردته، ومسدي فيما أوردته.
ولما شارفت فيه التمام، ووقفت في التبييض على طرف الثمام. نظرت فرأيت بقي علي من أشعار أهل الحجاز واليمن حصة يسيرة، كانت علي في التحصيل عسيرة. فحين من الله علي، وله المنة، والمنحة التي لا يشوبها كدر المحنة. بالحج والمجاورة في بيته المحترم، وبسمت لي من أهله ثغور الفضل والكرم. حصلت على ضالتي التي أنشد، ووفقت إلى من يوصل إليها ويرشد. ورأيت ثمة ممن لم أسمع بهم قومًا دعوا الأمل فلباهم، وتصرفوا بالأدب وأهله من منذ عقدت عليهم حباهم. من كل إمام شاب رأس المصابيح وما رأت له عديلًا، وخطيب تقوس ظهر المحاريب وما وجدت له بديلًا. وحكيم يبرأ به الزمان من مرضه، وشاعر يجري حياة النفوس في غرضه. هم نشاط الدهر وشبابه، وخالصة المجد ولبابه.
كأن الله قد أوحى إلى البلاغة أن تجري بمرادهم، وعهد إلى البراعة أن تكون ثنى أبرادهم.
فهبت لي منهم أنفاس ندية، وتنفست أسحارهم بروائح ندية. فكانت أعطر من نشر الخزامى، وأرق من أنفاس النعامى.
فتناولت من أشعارهم ما نمقته وشيًا مذهبًا بذكرهم، وفتقته مسكًا أذفرًا بشكرهم. وراسلوني بكل حسنة تستدعي عشر أمثالها، فقابلتهم كأنني المرآة ألقى كل صورة بمثلها. وأنا ورب الكعبة أ؛ بهم دينًا وجبلة، وأتخذهم حرمًا لأماني وقبلة.
وأشكرهم شكر الروض للسما، وأثني عليهم من الأرض إلى السما. ولما برزت الإرادة الإلهية بمفارقتي البيت والمقام، وبعدي عن ذلك المحل الذي خيم الرضا فيه وأقام. عزمت على الرحلة إلى القاهرة، لأسبر ذلك الجمع، وأطابق ما بين العيان والسمع. فمنعني حكم القضا، الذي لا يقابل إلا بالرضا. فوجهت وجهي نحو بلادين ونزعت إلى ما تركته من طريفي وتلادي. أستهدي طرف الآثار لأودعها كتاب التحائف، وأخط نونات المنى بأيدي العيس في تلك الصحائف.
1 / 3
فلما ألقيت بدمشق عصا الترحال، وحليت في ساحتها عقدة الرحال. عمدت إلى مجموعي الذي انتحيت، وطلقي الذي إليه تنحيت. فصممت إلى الأصل ما تلقيته، وأثبت ما اخترته من الأشار وانتقيته. وحبب إلي الانعزال عن الناس، فلم أخالطهم في وحشة ولا إيناس.
إلى أن ورد إلى دمشق الأستاذ زين العابدين البكري، وللحياة عطفة بشة، وللجذل نعمة هشة. للهضب رجاح احتبائه، وللنور المقدس جوهر حوبائه. فاستخرجني من مطمورة المنزل، وصيرني عن الهم في معزل. وأطلق أملي وكان معقولًا، وأعاد خاطري بعد الصدأ مصقولا.
ففتقت في أوقاته مبسمًا، واغتنمت للعمر الهني موسما. ورأيت بشرًا يطرد وصيلا، وإقبالًا يتعاقب بكرة وأصيلا.
وكان أشار إلي بالرحلة معه حين أن هم الرجعة، فتخلفت لعائق خلفني لولوعي، وخلى بين الغرام وضلوعي. ذاك ولوع للمجد لا لنجد، وغرام للعليا لا للأفيا. فلولا النفائس لم يحفل بالأدراج، ولولا الكواكبُ لم تحفظ الأبراج. ولا اتخذ الغمد لولا الحسام، ولولا الأرواح لم تؤلف الأجسام. فبقيت موزع الفكر، مقسم الأناة بين التصور والذكر. على أني وإن تباعدت المدائن، فأنا بولائه وصدق مودته دائن. وإن لم تنظمنا الركاب المسئدة، فقد انتظمت منا على المودة الأفئدة. وهذه علاقة تستجد كلما تتلى، لأنها ليست لغرض يبلى. بل علقته لأخلاقه لا لأعلاقه، وتعلقت بآدابه لا بأهدابه. وصرت أود لو طرت إليه كل مطار، وكنت معه على آمالٍ وأوطار. فبينما أنا أنتظر لقربه طريقًا، وأطلب للوصول إليه فريقًا رفيقًا. إذ قدم الشام المولى الهمام الأعظم عبد الباقي المعروف بعارف، قاضيًا بمصر، وهو من إذا كنت أذكره أميل كغصن البانة الناعم النضر، وإذا ما رحت أشكره، أروح كأني قد خلقت من الشكر.
وأجد نسيمه إذا تنسمته، كالمسك يفتق بالندى ويعطر، وأجتلي منه كلما توسمته خلقًا كزاهي الروض بل هو أعطر. من ابتسمت به الأيام وكانت عابسة، وأورقت غصون المنى بعد ما كانت يابسة. وأنار به وجه المان، وأخذ الأنام من الدهر توقيع الأمان. فإنه أمده الله بتوفيقه، وسدد سهام رأيه بتفويقه. نفرد بجمع الكمالات فلا يشرك، وتوحد في استيعاب المعلومات فلا يدرك. فمطلب الثناء فيه هين، ومركب الإطراء فيه لين. وإن من النعمة على المثني عيله، أنه لا يحذر أن تنسب نقيصة الكذب إليه. ولا ينتهي إلى محل في ثنائه، إلا وجد له عونًا في أثنائه. ومن سعادة جده، وبلوغه في الحظ نهاية حده، أنه إذا دعا له لم يجد عنه متخلفًا، وبل يرى كل راء وسامع إليه متحلفًا.
فلما ترويت من ماء بشره، ونعمت ولله الحمد بتقبيل عشره. أنهضني القيام بذمته، إلى أن أكون في خدمته. فصحبته مصاحبًا به المنى والأمل، وخدمته فكساني شرف الشمس في برج الحمل. ولما حللنا القاهرة أنزلني في حماه، وأحلني حيث تدفق سيب رحماه.
وتوافق مع الأستاذ - مد الله في جاهه، وجمل النوع الإنساني بحياة أشباهه - على ترويج حظي، وفتحا بنظرهما إلى الأمنية لحظي. وخصاني من برهما الممتدة أطنابه، بما يعجز عنه إسهاب القول وإطنابه. ففتقا لساني بأمداحهما، ووزناني فرجحت سائر مداحهما.
وأنا الآن في ظل رعايتهما مصاحب الراحة والدعة وأينما حللت نزلت على الرحب والسعة. فلهذا صفا فكري في هذه الأيام من الشوائب، وأمنت بعون الله وصمة النوائب. وشرعت بأمرهما في نسخ ما سودته أولًا وثانيًا، ولم أكن لعنان عزمي ثانيًا. وأنا سائل من واهب الآمال، أن يبيض وجهي يوم عرض الأعمال. ومن هنا أشرع فيما عمدت إليه، فأقول مفوضًا أمري إلى الله ومتكلًا عليه:
الجزء الأول
الباب الأول
في ذكر محاسن شعراء دمشق
الشام ونواحيها لا زالت طيبة العرار والبشام
وهي كما علمت من عهد أن دخلتها العرب، موطن كل أدب، لك فيه الأرب. وقد أنجبت في كل وقتٍ وأوان، بقادةٍ كل كلمةٍ منهم بديوان. حتى أرانا الله بقاياهم، وأطلعنا على خبايا زواياهم.
فهم أئمة الفضل المتوجون بتيجان اللطافة والملاحة، وهم مطمح أنظار الأمل، فما غيرهم قيد العيون اللماحة.
بهم تفضل أهل البلاد، وتصعد إلى أفق الثريا، وبهم يمس بستان الفكر بعد ظمائه ريًّا.
1 / 4
فلا غرو أن قام بهم شعار الأدب وثبت، وغرس في قلوبهم شجر المحبة فسقي ذلك الغرس بمائها فنبت. وكللت حياض طروسهم الزاهية بجواهر كلامهم وكمالهم، وزينت بعقيان الدر من منطقهم المترجم عن حقائق أحوالهم وأقوالهم.
فمنهم: أبو بكر بن منصور العمري قدمت هذا الشيخ رعايةً لاسمه، مع أني أعلم أن له القيام على حد الأدب ورسمه. فهو الذي خاض في لججه أتم الخوض، وتفنن في أقسامه تفنن الأزهار في سرحة الروض.
إن نشط لمغازلة الغزلان فموصوف بظرف أبي عبادة، أو انتسب لنسيب قدود الغانيات فأين منه ابن ميادة. وإن انتدب لوصف الحميا والكاس، أنسى ذكر خمريات أبي نواس. وإن رثى عم مراثي أبي تمام، وأملى نياحة الفرخ على الحمام.
فهو أعوم في بحور الشعر من ابن قادوس، واصلح إذ جد وهزل من ابن حجاج وابن عبد القدوس. له فكرة في النظم صافية، ما عوقت له قط قافية. فإذا أملى من نظمه قطعةً واختالها من روض الجنان مقتطعة، لم ينته له إسراع، ولم يجف له في يده براع.
وليس بتزويق اللسان وصوغه ... ولكنه ما خالط اللحم والدما
وقد حلب الدهر أشطره، وملأ كتاب عمره أسطره. وحادث أحداثه، وبذ كهوله وأحداثه.
وأخبرني والدي، قال: رأيته ولحيته أنقى من الفضة، وأيام حياته قاربت أن تصير منفضة. ومع أن السنين لاكت قواه، لم يزل مع الركب اليمانين هواه.
ومضى زمنٌ وأدباء الشام به يحتفلون، ويحكم بينهم فيما هم مختلفون. وبلغني أنه كان يحضر السوق، وهو من كسب يمينه على جانبٍ من الوثوق عاملًا بالأثر: " لو كنت تاجرًا لاتجرت بالطيب إن فاتني ربحه ما فاتني ريحه ".
فانظر إلى ما ساقه كساد سوقه، وضيعة حقوقه. على أن له في سوقه الفضلاء أسوة، وكأنه استعار منهم لأشعاره كسوة.
هاتان الفقرتان للباخرزي، احتجتهما، ففي هذا المحل أدرجتهما.
قال: وهم؛ نصر بن أحمد الخبزرزي، وأبو الفرج الوأواء الدمشقي، والسري الرفاء الموصلي.
قلت: وهم الذين إذا تليت آياتهم المنسوقة، كان من تقدمهم من الأدباء عندهم سوقة.
أما نصر، فكان يصنع خبز الأرز بالبصرة وتجتمع الأدباء بحانوته.
وأما أبو الفرج فقد كان يسعى بالفواكه رائحًا وغاديًا، ويتغنى عليها مناديًا.
وأما السري، فقد كان يطرز الخلق، ويرفأ الخرق ويصف تلك العبرة، ويزعم أنه يسترزق الإبرة.
وكيف ما كان فالحرفة لا تخلو من حرفة، والصنعة لا تنجو من صرعة، والبضاعة لا تسلم من إضاعة، والمتاع ليس لأهله به استمتاع.
وأخبرت أنه كان سموحًا بما ملك، متخليًا عن الإمساك أيةً سلك. يضم يديه على النقدين، فلا يمسي إلا وهو منها صفر اليدين. وقضى عمره في بلهنيةٍ هنيةٍ، أغصان عيشها ما زالت جنية. لم يغادره بؤس، ولم يكدره يومٌ عبوس. بين رياضٍ مهزات نبتها ريانة، وغياضٍ أساجيع أطيارها مرنانة.
وقد وقفت من أشعاره الغضة التحف، ما به ديباجة كتاب اللطائف والبدائع تحف. فأوردت منه ما يهز له الشيخ عطف غلام، ولا يدرى أسحرٌ هو أم كلام.
فمنه قوله:
لو تم لي في الحب سعدي ... يا حب ما أخلفت وعدي
لكن مقادير القضا ... ء كأنها حكمت ببعدي
أو حظُّ كلِّ متيمٍ ... من حظه يرمَى بطرد
يا غائبًا في القلب من ... نيران فقدك أيَّ وقدِ
ما كنت أدري قبل بع ... دك أن سهم جفاك يُردي
صدِيَت لرؤيتك العيو ... ن علام ترميها بصدِّ
يا سيدي إن كان لي ... ذنبٌ فقل أخطأت عبدي
ما خنت عهدك في المحب ... ة كيف حتى خنت عهدي
كلا ولا أفشيت سرَّ ... هواك والأسرار عندي
ولهي بحبِّك لم يزل ... ولهي ووجدي فيك وجدي
أرضى بأن أفنَى وتب ... قى أنت يا مولاي بعدي
أخفيت حبك في الفؤا ... د فخطه دمعي بخدِّي
وعدا على جسمي النحو ... لُ فعاد للأسقام يُعدي
محن الهوى جمعت عليَّ ... فلست أحصيها بِعَدِّ
فالسُّقم يشهد والدمو ... ع بوحدتي في العشق وحدي
يا بدر سل عني السُّها ... إن السُّها أدرى بسهدي
1 / 5
وابعث رسول الطيف يس ... مع ما أعيد له وأبدي
آهًا على زمنٍ مضى ... لو كان قولي آه يجدي
أيام وصلٍ منك لم ... تقطع ولم توصل بردِّ
والشمل يجمعنا على ... حبٍّ يودُّ بصدق ودِّ
وأضمُّ منك معاطفًا ... بردت جوى وجدي ببردِ
وتميل إذ تهوي إلى ... نحوي وجيدك فوق زندي
وتقول عجبًا هل يرى ... مثلي وأهل الحسن جندي
والشمس والبدر المني ... ر سناه جاريتي وعبدي
والغصن يقصف قدُّه ... إن قاس قامته بقدِّي
ومنحتني منك الوصا ... ل تبرعًا وهجرت صدي
فجعلت وجهك حضرتي ... وحديث راح لماكَ وردي
وعلمت لما بان رو ... ضُ الوجه أن الخدِّ وردي
وشهدت لما ذقت طع ... م الريق أن الثغر شهدي
والفرق يشرق صبحه ... في ليل فرعٍ منه جعد
فأطعت فيك صبابتي ... وعصيت لوَّامي وزهدي
وقضيت أوطاري وقد ... غفل الرقيب فنلت قصدي
والخصر أتهمني بأني ... بتُّ في أكناف نجدِ
والردف زاد وقد تكف ... ل منةً منه برفدي
أحبب بتلك لياليًا ... قد أشرقت ببدور سعدي
فسقا معاهد للصبا ... صوب العهاد بكلِّ عهدِ
وسرت بها روح الصَّبا ... سحرًا فأوحيت ميت بعدي
وقوله من قصيدة مستهلها:
إن خلعنا على العذار العذارا ... لم يكن ذاك في المحبة عارا
منها:
بأبي من جآذر التُّرك ظبيًا ... ترك الأُسدَ في هواه أُسارى
بابليُّ اللِّحاظ منها ترى النَّا ... س سكارى وما هم بسكارى
قمرٌ فوق بانةٍ يتجلى ... لا خسوفًا يخشى ولا إهصارا
تخذ الطَّرف منهلًا عند مس ... راه ولكن تبوأ القلب دارا
قد علمنا أن القدود غصونٌ ... فلماذا أقلت الأقمارا
وعهدنا البدور في الليل تسري ... كيف حتَّى غدت تسير نهارا
وعجبنا لوجنةٍ تشبه النا ... ر ضرامًا وتنبت الجلَّنارا
يا لها وجنةٌ حكت جنة الحس ... ن ومنها الفؤاد آنس نارا
ومنها:
قدِّم الرَّاح يا نديمي لعلِّي ... أعقر الهم إن شربت العقارا
وأجِل كاساتها عليَّ وزمزم ... باسم من صير العقول حيارى
قهوةٌ مثل دمعة العين في الكا ... س صفاءً فالليل زاد اعتكارا
وأدرها إذا النجوم تجلت ... وشهدنا من زهرها الأنوارا
وكأنَّ السماء روضة حسنٍ ... أطلعت في مقامنا أزهارا
والثُّريا كأنها في الدُّجى غي ... دٌ تلَّفعن بالشُّعور عذارا
وكأن الهلال يحكي وقد لا ... ح من الغرب زورقًا أو سوارا
فاسقني من يديك حتَّى ترى الفج ... ر عن الصُّبح قد أماط الإزارا
وصل الليل بالنهار فإن ال ... عيش أهناه ما يكون جهارا
في رياضٍ حكى بها الزَّهر والور ... د النَّضيران فضَّةً ونُضارا
وكأن الأقاح فيها ثغورٌ ... عن غوالي الجُمان تبدي افترارا
وحكى النَّهر مَعصمًا وسوارًا ... يتلوَّى وأرقمًا سيَّارا
فاترع الكأس لا عدمتك صرفًا ... فعلى الصِّرف نصرف الأعمارا
ثم زد ما استطعت حتى تراني ... قد خلعت الوقار والبيقارا
واعتقد أنها حرامٌ ووزرٌ ... لا توافق يهودها والنَّصارى
واسأل العفو فالكريم رحيمٌ ... قابل التوب يغفر الأوزارا
وله في الغزل:
سيِّدي مذ غبت عن نظري ... لم أفق من خمرة الكدر
1 / 6
أحسب الصُّبح العشا أبدًا ... فنهاري أوَّل السَّحر
لم تمل روحي إلى وطنٍ ... لا ولا قلبي إلى وَطَرِ
سل نجوم الأفق عن قلقي ... فعسى تنبيك بالخبر
لا وعينٍ فيك راقدةٍ ... لم تذق عيني سوى السَّهرِ
أيُّها البدر الذي حجبوا ... نوره الوضَّاحَ عن بصري
لو ترى حالي بكيت على ... قلبي المسجون في سقَرِ
كدت أخفى من ضنَى جسدي ... عن عيون الجنِّ والبشر
للشعراء في وصف نحول العشاق مبالغات غالبها محمولٌ على الإغراق، ومن أبلغها قول أبي بكر الخالدي:
مهدَّدٌ خانه التفريق في أمله ... أضناه سيِّده ظلمًا بمرتحله
فرقَّ حتى لو أنَّ الدَّهر قاد له ... حينًا لما أبصرته مقلتا أجله
وأعجب منه قول أبي الطيب:
ولو قلمٌ ألقيت في شقِّ رأسه ... من السُّقم ما غيَّرت من خطِّ كاتب
وغريب قول التمار الواسطي:
قد كان لي فيما مضى خاتمٌّ ... واليوم لو شئت تمنطقت به
وذبت حتى صرت لو زجَّ بي ... في مقلة النَّائم لم ينتبه
وقول المظفر بن كيغلغ:
عبدك أمرضته فعده ... أتلفته إن لم تكن ترده
ذاب فلو فتَّشت عليه ... كفَّك في الفرش لم تجده
وقول أبي الفضل بن العميد:
لو أنَّ ما أبقيت من جسدي قذًّى ... في العين لم يمنع من الإغفاء
وللعمري:
يا من يفوِّق لحظه ... سهمًا بسحر الهدب راشَهْ
أفديك ما ريمُ الصَّري ... مِ فذاك ينسب للوحاشَهْ
يرعى من الأرض الحشي ... ش وأنت مرعاك الحشاشَهْ
أجاد في التنظير، وأربى على قول الآخر:
يرعى القلوب وترتعي ال ... غزلان بروقه وشيحه
والبروقة: شجيرة تخضر إذا رأت السحاب؛ وذلك قولهم: " أشكر من بروقة ".
وعلى هذا المعنى حمل قول أبي الطيب:
أغِذاءُ ذا الرَّشاءِ الأغنِّ الشِّيحُ
بعد قوله:
جللًا كما بي فَليكُ التَّبريحُ
يقول: ليكن تبريح الهوى عظيمًا مثل ما حل بي، أتظنون أن من فعل بي يغتذي الشِّيحَ؛ ما غذاؤه إلا قلوب العشاق! وبه يتناسب شطرا البيت.
وله غلام بحنكه طابعٌ تمَّت به محاسنه، وكأنما هاروت ساكنه:
غصن بانٍ بدر دجًى ... يتجلَّى من أعالي فلكه
قد حمى برد اللَّمى من ثغره ... طابع الحسن الذي في حنكه
نصبت ألحاظه لي شركًا ... جلَّ من أوقعني في شركه
قوله: قد حمى إلخ يحتمل أن حمايته من جهة أنه كالخاتم، ختم به على برد اللَّمى، ويحتمل أن يكون حماه لكونه كالحفرة في طريق من يريد رشف لماه، فيخاف من الوقوع؛ وهذا تخيُّلٌ حسن.
وأحسن منه قولي:
وطابعه جبٌّ يُرَى ألف يوسفٍ ... به واقعًا من قبل رشفة ريقه
والطابع كالخاتم: في الأصل ما يطبع به، ولم أر إطلاقه على النقرة المعهودة، وإنما اسمها في اللغة: نونَة.
قال ابن الأثير في نهايته: وفي حديث عثمان ﵁، أنه رأى صبيًَّا مليحًا، فقال: دسموا نونته؛ كي لا تصيبه العين. أي سودوها، وهي النقرة التي تكون في الذقن.
وقد استعمل صاحبنا الأديب البارع إبراهيم بن محمد السفرجلاني النُّونة، وأجاد في تشبيهها جدًا، من أبيات أنشدنيها من لفظه، وبيت النُّونة منها قوله:
وإن أشبه التُّفَّاح خدِّيَ حمرةً ... فلي نونةٌ تحكي مناط عروقه
والأبيات هي هذه:
بروحي ساقٍ قد جلا تحت فرعه ... جبينًا كبدر التِّمِّ عند شروقه
سقاني بنجلاويه كأسًا من الهوى ... فأسكرني أضعاف سكر رحيقه
وقال افترع بِكرَ المعاني تغزُّلًا ... فلي منظرٌ يهديك نحو طريقه
فوجهي مثل الرَّوض إذ باكر الحيا ... جَنيَّ أقاحيه وغضَّ شقيقه
وإن أشبه التفاح....إلخ.
ثم أنشدني المذكور معنًّى اخترعه في تسويدها، وذلك قوله:
خافوا من العين ترميه بنظرتها ... فقلت ميلوا إلى تسويد نونته
1 / 7
قالوا نسوِّدها بالطِّيب قلت لهم ... الطِّيب من غيره أحرى بجونته
وكنت أظن أن وصف الطابع ليس بالموجود في شعر المتقدمين، حتى رأيته في شعر فخر الدولة أبي المعالي، من شعراء الخريدة، حيث قال في غلام اسمه يوسف:
أيا قمرًا جار في حسنه ... على عاشقيه ولم ينصفِ
سمعنا بيوسف في جبِّه ... ولم نسمع الجبَّ في يوسفِ
ثم رأيت الخفاجي ذكر في كتابه شفاء الغليل: جبُّ يوسف مولَّد، معناه نقرة الذقن. وأنشد البيتين.
ثم قال: ويقال له خاتم الحسن.
وأما النقرة التي تكون في الخدين عند التبسم، فقد استعملها كشاجم في أبياته المشهورة، وهي:
هذا الذي سجد القضيب لقدِّه ... صنمٌ لعابد فتنةٍ لاهوت
في ناظريه إذا تبسَّم ضاحكًا ... سحرٌ وجوهر خدِّه ياقوت
حفر التبسُّم فيهما جُبَّين في ... ذيَّاك هاروتٌّ وذا ماروت
وأما اسمها فقد رأيت المقري ذكر في تاريخه ناقلًا عن ابن عليم، أنه قال في شرحه لأدب الكتاب لابن قتيبة: أغربت جاريةٌ لمجاهد العامري، أهداها إلى عباد - قلت: وهي العبادية، وكانت كاتبةً شاعرة - على علماء إشبيلية، بالنُّقرة التي تظهر في أذقان بعض الأحداث، وتعتري بعضهم في الخدين عند الضحك، فأما التي في الذقن فهي النونة، وأما التي في الخدين عند الضحك فهي الفحصة، فما كان في ذلك الوقت في إشبيلية من عرف منهما واحدة.
وللعمري في دخان التبغ:
مذ أحرقت نار الصَّبابة مهجتي ... وأتى العذول يسلُّ عضب لسانه
بادرت بالغليون تمويهًا له ... وسترت عنه دخانها بدخانه
ومثله للحرفوشي:
لعمرك لم أهو الدُّخان ولم أمل ... إليه لألقى نشأةً وتطرُّبا
ولكنني أخفي به عن مجالسي ... دخان فؤادٍ بالغرام تلهَّبا
وقريبٌ منه قول الفتح بن النحاس:
وأرى التَّولُّع بالدُّخان وشربه ... عونًا لكامن لوعة الأحشاء
فأديم ذلك خوف إظهار العدى ... فأشيبه بتنفُّس الصعداء
وله في تشبيه الثلج:
انظر إلى الروض الأريض وحسنه ... وموائس الأغصان مثل الخرَّدِ
والثلج فوق الصُّفر من أوراقه ... شبَّهته تشبيه غير مفنَّدِ
ببرادةٍ من فضَّةٍ مبثوثةٍ ... فوق الصَّحائف من نضار العسجدِ
ولي في هذا المعنى من مقصورة:
والثَّلج كالقطن أجاد ندفه ... قوس السَّحاب فوق حلَّة الرُّبى
كأنَّه برادة الأفلاك من ... كثرة دورها بقبَّة السَّما
وله في وصف جواد:
ربَّ طرفٍ من العتاق كريمٍ ... يسبق البرق حالة الإيماض
لو جرى والجنوب في الجوِّ تسري ... علَّم الرِّيح كيف قطع الأراضي
أو سرى مع دعاء آصَفَ بالعر ... ش لكان البشير بالأغراض
وله مثله:
طرفٌّ يفوت الطَّرف في لمحاته ... سبقًا ويهزأ بالظَّليم النَّافر
بالبرق يظفر إن أراد لحاقه ... والبرق ليس إذا أراد بظافر
وكأنه آلى ولم يك حانثًا ... أن لا يمسَّ الأرض منه بحافر
وهذا من قول خلف الأحمر في صفة جواد:
وكأنما جهدت قوائمه ... أن لا تمسَّ الأرض أربعة
وزاد عليه شمس الدولة بن عبدان في قوله:
أبت الحوافر أن يمسَّ بها الثَّرى ... فكأنَّه في جريه ومتعلِّق
وهذا الباب مما بالغت فيه الشعراء كل المبالغة، فمن ذلك قول ابن نباتة السعدي:
لا تعلق الألحاظ من أعطافه ... إلا إذا كفكفت من غلوائه
وقول ابن حمديس الصقلي:
يجري فلمع البرق في آثاره ... من كثرة الكبوات غير مفيق
ويكاد يخرج سرعةً من ظلِّه ... لو كان يرغب في فراق رفيق
وقد جمع ابن حجاج في مرثية فرس له فأوعى، ودعا فرسان البلاغة فأجابته طوعًا، حيث قال:
قال له البرق وقالت له الرِّ ... يح جميعًا وهما ما هما
أأنت تجري معنا قال لا ... إن شئت أضحكتكما منكما
1 / 8
هذا ارتداد الطَّرف قد فتُّه ... إلى المدى سبقًا فمن أنتما
وقلت على أسلوبهم في المقصورة:
وفدفدٍ طويته بضامرٍ ... يسابق البرق ويسبق القضا
يقبض رامي سهمه عنانه ... خشية أن يصيبه من القفا
وأجرى جواد كان للعرب أعوج، الذي يضرب به المثل، وهو فحل كريم، كان لبني هلال بن عامر، وأنه قيل لصاحبه: ما رأيت من شدة عدوه؟ فقال: ضللت في باديةٍ وأنا راكبه، فرأيت سربًا من القطا يقصد الماء، فتبعته وأنا أغض من لجامه، حتى توافينا الماء دفعة واحدة.
وهذا أغرب شيءٍ يكون؛ فإن القطا شديدة الطيران، وإذا قصد الماء اشتد طيرانه أكثر من غير الماء. وأغرب من ذلك قوله: كنت أغض من لجامه، ولولا ذلك كان يسبق القطا، وهذه مبالغة عظيمة.
وإنما قيل له أعوج؛ لأنه كان صغيرًا، وقد جاءتهم غارة فهربوا منها، وطرحوه في خرج، وحملوه لعدم قدرته على متابعتهم لصغره، فاعوج ظهره من ذلك، فقيل له: أعوج.
وللعمري، ويخرج منه اسم نعمان:
لله ما عاينت من روضةٍ ... غنَّاء قد قرَّت بها عيني
حوتان لم يختلفا صورةً ... حفَّا بماءٍ سال من عيني
وله في اسم كريم:
أهواه حلو الدلال ألمى ... قد لذَّ في عشقه العناء
ريقته للرحيق تعزى ... وكم بها للظما دواء
وله في اسم ولي الدين:
ليالٍ بُعَيْد التنائي دنت ... ولانت ولي عزَّ إصلاحها
وعين العدى سكِّرت بالعمى ... وعزَّ ضياها ومفتاحها
ونقل له عن باقي، شاعر الروم، ومميزها بين السادة القروم. أنه نظم أبياتًا تغزل فيها بصبي صبيح، كما هو تهوى الأنفس مليٌّ مليح. فلما وعاها الغلام استبدعها، واستحفظها خزانة لبه واستودعها. وبلغ باقي، أنه قال: قبلتها، ولو ظفرت برجل قائلها قبلتها.
فقال باقي: إن كان نوى جميلًا لأجلي، فليقبل فمي لأنني به نظمتها، لا برجلي.
فنظم العمري هذه المقالة في قوله:
قال لمَّا وصفته ببديع ال ... حسن ظبيٌ يجلُّ عن وصف مثلي
مكِّن العبد أن يقبِّل رِجلًا ... لك كَيْما يجيز فضلًا بفضل
قلت أنصف فدتك روحي فإني ... بفمي قد نظمته لا برِجلي
ومن هذا قول بعضهم:
شافه كفِّي رَشَأٌ ... بقبلةٍ ما شفت
فقلت إذ قبَّلها ... يا ليت كفِّي شفتي
وللشاب مظريف:
ومقبِّلٍ كفِّي وددت بأنه ... أومى إلى شفتيَّ بالتَّقبيل
ولأبي منصور عبد العزيز بن طلحة بن لؤلؤ:
سألته قبلةً فبادر بالتَّق ... بيل مستبشرًا إلى قدمي
فقلت مولاي لو أردت بها ... سرور قلبي جعلتها بفمي
فقال كلا للعبد منزلةٌ ... لزومها من حراسة النِّعم
إبراهيم بن محمد الأكرمي الصالحي شاعر الزمان، وشمامة الندمان. ومن إليه يصبو القلب ويحن، وبتذكره ينثني غصن البراعة ويرجحن. ففي أوصافه مشمٌّ للروح عبق، ولطف يروق به كأسه المصطبح والمغتبق. فروض وده غضٌّ، وعرضه الطاهر لا ينال منه ولا يغض.
ومدامة طبعه لم يهنها عصار، وشفوف فكره لم يحتمل منة قصار. مع ماله من أخلاقٍ أقطعها الروض أنفاسه، وشيمٍ ينافس فيها رغبةً ونفاسة.
وأدبٍ دار به رحيق البيان المعتق، وملأ الأكمام بزهر كمامه المفتق. ينشر منه ما هو أزكى من النشر في خلال النواسم، بل أحلى من الريق يترقرق من خلال المباسم.
ومضى عليه زمن يستفيد به العيش رغدا، ويستنجز اليوم ما يوعد به غدا. بين روض من خلقه خلق، ونسيم عرفه بشمائله علق.
جلاليب نشوته صفاق، وأردية شموله وصباه رقاق. لا ينتعش إلا بغرة رقراق الشباب الغرير، ولا يولع إلا بطرة الظل فوق وجه الغدير.
فهنالك بين الغصن والصبا، والقطر وزهر الربى. ولَّد آدابه التي هي عبارة عنها، وأطلع أشعاره التي يستعار الحسن منها.
وقد جمع شعره في ديوان سماه مقام إبراهيم، في الشعر النظيم. أكثره روضيات يغض عنها وشي الخميلة، وغزليات يتستر عندها نقش الغانية الجميلة. وخمريات صيغت مدامًا فهي للمسامع مشروبة، وحكميات أبياتها أمثالٌ في الدنيا مضروبة.
1 / 9
وها أنا أورد منها ما يفوح نفسه، حتى كأن الحبيب يتنفسه. ويعبق روحه، حتى كأن فوح الزهر فوحه.
قال في ديباجته: هذه نبذة من شعرٍ سمح به الخاطر على جموده، وتوقد به الفكر على خموده. وإن كنت في زمنٍ العاقل فيه خليقٌ بالصَّمت وإن أداه إلى المقت.
ذهب جلُّ الناس، وأين الزِّعنفة من الرأس.
لا يجاز فيه شاعرٌ، ولا يكرم أديبٌ ماهر.
غير أن حبَّ الأدب في الطِّباع، وهو داعٍ إلى الاتِّباع.
اتِّباعهم في التراكيب والبِنا، لا في الإجادة لعدم الغنا.
ذهبت الإفادةُ، فكيف بالإجادة.
ولعمري من لا يجيد في عصرنا معذور، وذنبه فيما أتاه مغفور.
إذ أُرتِج باب البواعث والَّدواعي، بانقراض أهل الكرم والمساعي.
جوائز الأُمرا، إجادة الشُّعرا.
ولذلك قلت بغير امْتِرا:
قالوا أجاد البحتريُّ ... كما أجاد أبو نواس
فأجبت كانوا في أنا ... سٍ هم ولسنا في أُناسِ
وإذا نظرت فما أجا ... د سوى المواهب في القياس
ومما جردته من ديوانه قوله من مقصورة مطلعها:
حيِّي الحيا معهدنا باللِّوى ... حيث هوى النَّفس وغيُّ الصِّبا
وجاده كلُّ هَطولٍ سرت ... تحدو به في الأفق ريح الصِّبا
ليلته حتى بدا صبحها ... فأقلعت ديمته فانجلى
وقد أشاع الخصب في أرضه ... فأصبحت تزهو بزهر الرُّبى
ومدَّ فيها حبرًا وُشِّيت ... بالنَّبتِ قد كلِّل منها النَّدى
وغادر الغدران في ربعها ... تغصُّ بالعذب النَّمير الرَّوا
ولا جفا نجدًا ولا حاجرًا ... كلُّ هزيم الودق هامى الحيا
منازلًا واهًا لأيَّامها ... كانت مظنَّات الصِّبا والهوى
حيث الأماني طوع آمالنا ... والسَّعد عبدٌ طائعٌ والمنى
لله أيامٌ تقضَّت لنا ... بين ذرى الجزع وسفح اللوى
ما كان أهنأ عيشها ليته ... دام وليت العمر فيه انقضى
مرَّت كنجمٍ قد هوى ساقطًا ... لم يعتلقه الطَّرف حتى اختفى
يا هل معيدٌ لي عيشًا بها ... هيهات لا يرجع شيءٌ مضى
ليت ليالينا وأيامنا ... كانت لليلات ألالٍ فدا
ويلاه من سرعة تفريقنا ... وشَتِّ شمل الحيِّ بعد النَّوى
وآه من وقفة تشييعهم ... وقد شرقنا كلُّنا بالبكا
وسارت العيس بأحداجهم ... واستودعوا فيها بدور الدُّجى
من كلِّ هيفاء إذا ما بدت ... تختال أذرت بغصون النَّقا
خافقة القرطين رُعبوبةٍ ... رادِ الوشاحين أناةِ الخُطى
رخيمة الدَّلِّ إذا ما بدت ... تسحر باللَّحظ عقول النُّهى
ما ظبية البان على حسنها ... إذا تبَّدى جيدها والطُّلا
وظبيِ إنسٍ زارني طارقًا ... والبدر لا يبديه إلا الدُّجى
بات يعاطي الرَّاح من ثغره ... ممزوجةً بالعسل المجتنى
أشتمُّ من ريحان أصداغه ... وأجتني باللَّحظ ورد الحيا
وأجتلي غصن قوامٍ له ... أهيَف يحكي بانة المنحنى
لهفي على عيش التَّصابي ويا ... آهة قلبي لزمان الصِّبا
حيث الشَّباب الرَّوق يُغري بنا ... حفل الظِّبا الغرِّ وسرب المها
كانت عروس الدَّهر أيامنا ... طارت بها العنقاء نحو السَّما
ومن ربيعياته قوله:
انظر إلى فصل الربي ... ع كأنَّه فصل الشَّباب
والزَّهر مثل خلائق ال ... أصحاب من زهر الصِّحاب
وغصون بانات اللِّوى ... كمعاطف الهيف الرِّطاب
والورد أشبه بالخدو ... د من الشِّفاه على الشَّراب
أوَ ما ترى حدق الحدا ... ئق كيف تغمز للتَّصابي
وأصابع المنثور مس ... رعةً تشير إلى الرِّقاب
1 / 10