Muntakhab Ahkam
منتخب الأحكام
Enquêteur
الدكتور/ عبد الله بن عطية الرداد الغامدي
Maison d'édition
المكتبة المكية
Édition
الأولى
Année de publication
١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م
Lieu d'édition
مؤسسة الريان
مقدمة المؤلف
الحمد لله الحكم الذي لا يجور، والمحيط علما بما تخفي الصدور، وصلى الله على محمد خاتم النبيين، وعلى آل محمد أجمعين ... وبعد:
فإن هذا كتاب جمعت فيه عيونا من مسائل الأقضيات والأحكام، استخرجتها من الأمهات، وانتخبتها حسانا جيادا؛ أردت بذلك النصيحة لمن كان من حكام المسلمين قد شغله ما قلده وعصب به عن درس كتب الفقه ومطالعتها والاستكثار من النظر فيها؛ ليستغني بما انتخبته من ذلك -إذا علمه- عن المشورة متى
1 / 83
نزل به شيء منه؛ فليس يستحسن من الحكم أن يشاور في كل ما يرفع إليه من أمر الخصوم، بل كل ما بعد مسرحه في علم القضاء كان أقبل له، وأحرز لدينه، ولا توفيق إلا بالله.
1 / 84
كتاب الدعوى
باب الحكم في رفع المدعى عليه
قال محمد بن عبد الله بن زمنين ﵁: من شأن حكام العدل، والمعروف من سيرتهم في رفع الخصوم، أنه إن كان المدعى عليه مع الحكم في مصره أو قريبا منه بالأميال اليسيرة، رفعه بطابع يدفعه إلى المدعي، وإن رأى أن يرسل فيه رسولا من أعوانه، فعل ما يحضره من الاجتهاد في ذلك. وإن كان موضع المدعى عليه بعيدا، كتب في رفعه.
وقد روى عبد الملك بن حبيب أنه قال: سمعت أصبغ بن
1 / 85
الفرج يقول: إذا استعدى الخصم القاضي على خصمه النائي عنه وسأله أن يكتبه له فيه، فلا يكتب إلا إلى أهل العدل والأمانة، يأمرهم أن يجمعوا بينهما، وأن يأمروهما بالتناصف، فإن أبيا فانظروا، فإن ثبت المدعي عندكم سببا لحقه ورأيتم وجه مطلبه ولم تروه –يريد تعنيته-، فارفعوه إلينا معه، وإلا فلا ترفعوه وهذا إذا كانا بالمكان الذي لا مؤنة فيه على المدعى عليه، ولا على المدعي، ولا على البينات، فأما المكان البعيد من موضع القاضي، أن انظر فيما يدعيه فلان قبل فلان، واسمع من بينته [وانظر] في منافعها وجميع أمرها، ثم اكتب إلينا بما ثبت عندك ورأيته في ذلك؛ لننظر فيه، فإذا نظر القاضي فيما جاءه من المكتوب إليه، ورأى أن يكتب إليه بإنفاد الحكم، فعل. وإن رأى حينئذ أن يرفع المدعى عليه والمدعى؛ [لينفذ بينهما ما قد] أثبتاه عند المكتوب إليه، فعل. ولا يشخص.
1 / 86
البينات والخصوم إذا بعد المكان.
وفي العتبية قيل لسحنون: أرأيت الشاهدين يكونان من أهل البادية فيقولان لصاحب الحق: الهبوط إلى الحاضر يشق علينا، أترى للقاضي أن يكتب إلى رجل يشهد عنده الشهود؟ فقال: إذا كان وافق موضع القاضي على مثل الساحل منا –وذلك نحوا من ستين ميلا -، فلا بأس بذلك.
وفي كتاب محمد بن سحنون، أن أباه سحنونا كان إذا كتب
1 / 87
إلى أحد من أمنائه برفع خصم، فكتب إليه الأمين أن المرفوع [عصى من] أن يرتفع، أو ألد كتب إليه أن يعقل عليه ضياعه ومنافعه، وأن يسد بابه حتى [يضطر بذلك إلى الارتفاع] /.
باب الحكم في أخذ المقالات في الدعوى
قال محمد: من شأن حكام العدل إذا وقف بأحدهم خصمان، أن يقول لهما: من المدعي منكما؟ فإن قال أحدهما: أنا المدعي، قال له: تكلم، وأر المدعى عليه بالسكوت حتى يفرغ المدعي من مقالته، وإن قال كل واحد منهما عن صاحبه [أنه] المدعي، أمرهما بالارتفاع عنه حتى يأتي أحدهما ويطلب الخصومة، فيكون هو المدعي، كذلك قال ابن حبيب، ورواه عن أصبغ.
قال محمد: وكان من شأن الحكام –أيضا، قديما –الطبع على كتب المقالات، وأن يؤرخوهما، ويشهدوا عليه عدولا، وأن يرفعوها عند أنفسهم، أو عند من يثقون به.
1 / 88
وروى أشهب، عن مالك أنه سئل عن القاضي يكتب شهادة القوم في كتاب أو لأمر يريده من أمر الخصمين، ثم يختم الكتاب، ويدفعه إلى صاحبه حتى يروى الكتاب ويعرفه بخاتمه، أترى أن يجيز ما فيه بغير بينة أنه خاتمه؟ أو الخواتم ربما عمل عليها؟ فقال: هو أعلم، وأحب أن يكون الكتاب عنده.
قال أصبغ: وأرى أن يجيزه إذا عرفه وعرف خاتمه.
[قال محمد: ومن شهد عليه بحق، فينبغي للقاضي أن يقول له: هل عندك مدفع فيما شهد عليك به؟ فإن قال: عندي، ضرب له أجلا بعد أجل بعد أجل، على قدر اجتهاده، ما لم يتبين له أنه ملد، فإذا انقضت الآجال تلوم عليه –أيضا- أياما قدر الجمعة
1 / 89
ونحوها، فإن أتى ببينة توجب له نظرا، وإلا ضرب له أجلا ثلاثة أيام، وأعلمه أنه حاكم عليه إن لم يأت بما يسقط عنه أمر الشهادة، على هذا تجري أحكام من أدركنا من القضاة].
ولعبد الملك عن مطرف وابن الماجشون، أنهما قالا: وإذا قال أحد الخصمين عند القاضي مقالة ينتفع بها [صاحبه]، فينبغي للقاضي أن يقول: هات قرطاسا أكتب لك فيه مقالته، وينبهه إلى ذلك إن غفل عنه، ولم يطلبه، قالا: ولا ينبغي للقاضي أن يترك ذلك، وليفعله بجميع الخصوم، ولا يفعله ببعض دون بعض.
باب الحكم بين المتداعيين في التوكيل على الخصومة
قال محمد: وفي المدونة قال سحنون: قلت لابن القاسم: أرأيت إن وكلت وكيلا في خصومتي وأنا حاضر، فقال خصمي: لا أرضى؟ [قال]: ذلك جائز [عند مالك]، وإن لم يرض
1 / 90
خصمه، إلا أن يكون الذي توكل [إنما توكل] ليضر بهذا الخصم؛ لعداوة بينهما، فليس ذلك له.
قال سحنون: قلت له: فلو أن رجلا خاصم رجلا عند قاض ونظر فيها، ثم حلف أحدهما أن لا يخاصم صاحبه، وأراد أن يوكل. فقال: ليس ذلك له، إلا أن يكون له عذر، مثل أن يكون شتمه أو أسرع عليه، أو ما أشبه هذا، وهو قول مالك. قال ابن القاسم: وأنا أرى أنه إن مرض أو أراد سفرا أو غزوا أو حجا، ولم يكن ذلك منه إلدادا ولا قطعا له في خصومته، رأيت له أن يستخلف.
قال سحنون: قلت: فهل يكون هذا المستخلف على حجة الأول؟ قال: نعم، ويحدث مع الحجة ما شاء. قلت: وهذا الذي لم يوكل ما قام من بينته الذين يشهدون له على الذي وكل هذا التوكيل جائز؟ وكل ما كان أوقع من حجة على خصمه قبل أن يوكل هذا جائز على هذا الموكل عليه في قول مالك؟ قال: نعم.
قال محمد: وفي العتبية، سئل أصبغ عن الرجل يوكل وكيلا على مخاصمة، ويشهد أنه جعله فيما أقر به لخصمه كنفسه، فيقر
1 / 91
الوكيل بأشياء؟ فقال: إن كان وكله/ على خصومة ولم يفسر له شيئا، فهو وكيل على المرافعة وحدها، وليس له صلح ولا إقرار، وهو وجه الوكالة أبدا إذا أبهمت، حتى يستثنى فيها، وإذا استثنى أنه بمثابة نفسه في الصلح والإقرار، كان كذلك، وإلا لم تعد الخصومة إلى صلح ولا إلى إقرار، ولم يجز عليه ولا لزمه غير ذلك.
وفي سماع يحيى، سئل ابن القاسم عن ورثة رجل ادعوا منزلا في يد رجل، وهم جماعة، أيخاصمه كل رجل منهم لنفسه؟ قال: بل يرضون جميعا بمن يخاصمه ويدلي إليه بحجتهم، يخاصم عنهم أو يحضرون جميعا فيدلون بحجتهم، وأما أن يتعاوره هذا في يوم وهذا، في يوم فليس ذلك لهم.
1 / 92