مناظرة أدبية بين المعلمي والشاعر الأديب علي بن محمد السنوسي
مناظرة أدبية بين المعلمي والشاعر الأديب علي بن محمد السنوسي
Enquêteur
أسامة بن مسلم الحازمي
Maison d'édition
دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع
Édition
الأولى
Année de publication
١٤٣٤ هـ
الرسالة الحادية عشرة
مناظرة أدبية بين المعلمي والشاعر الأديب
علي بن محمد السنوسي ت (١٣٦٣ هـ)
20 / 283
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، وأشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، اللهم فصلِّ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد ..
فإنّه كان حضورُ الحقير حضرةَ مولانا أمير المؤمنين ــ أيّده الله تعالى ــ عَقِب عيد الفطر سنة ١٣٣٧ هـ (^١) مع جماعة فيهم سيدي الفاضل السيد علي بن محمد السنوسي (^٢) فأنشد السيِّدُ عليٌّ قصيدةَ (^٣) تهنئةٍ بالعيد وزنها (فاعلاتن فاعلن فعلن) أربع مرّات، وأصل هذا الوزن من الضرب (^٤)
(^١) في النسخة الأخرى تقديم وتأخير جاء كالآتي: فإنه لما عقب عيد الفطر سنة ١٣٣٧ هـ، كان حضور الحقير مقام مولانا ... إلخ. ومراده بالحقير: نفسه، ومراده بأمير المؤمنين محمد بن علي الإدريسي ت (١٣٤١ هـ) مؤسس دولة الأدارسة في صبيا وعسير.
(^٢) هو علي بن محمد بن يوسف بن أبي بكر السنوسي ولد بمكة سنة (١٣١٥ هـ) ونشأ بها، وصل إلى جيزان عام ١٣٢٨ هـ، ومكث عند الإدريسي وكان واحدًا من رجال دولته، وشاعرًا من شعرائه، توفي عام (١٣٦٣ هـ) ترجم له ولده محمد في مجلة المنهل (ذو الحجة ١٣٨٨ هـ) بمقال عنوانه: والدي السيد علي السنوسي، وانظر كتاب شعراء الجنوب للعقيلي والسنوسي، والأعلام للزركلي (٦/ ٣٠٤) وقد أخطأ في اسمه إذْ جعله (محمد بن علي السنوسي).
(^٣) في النسخة الأخرى: قصيدةً له تهنئةً ... إلخ.
(^٤) الضرب: الجزء الأخير من الشطر الثاني.
20 / 285
الخامس من المديد (^١)، والمديدُ لا يستعمل إلا مجزوءًا (^٢)،
وهذا الضرب كعروضه محذوفٌ مخبون (^٣)، وبيته:
للفتى عَقْلٌ يعيشُ به ... حيثُ تهدي سَاقَه قَدمُهْ (^٤)
وكذا سُمِع عن العرب. فأمَّا تربيعُه كقصيدة السيّد علي فلا أعرفه إلا من استعمال بعض المتأخرين: كالتكريتي (^٥)، والبرعي (^٦) فيُلْحق
(^١) المديد: هو البحر الثاني من بعد الطويل، واختلف في سبب تسميته بالمديد فقيل: لأن أسبابه امتدت في أجزائه السباعية فصار أحدهما في أول الجزء، والآخر في آخره فلما امتدت الأسباب في أجزائه سمي مديدًا، وقيل: لامتداد الوتد المجموع في وسط أجزائه السباعية، وأضرب المديد ستة.
راجع حاشية الدمنهوري على متن الكافي (ص ٦٥) والكافي للشاوي (ص ٦٥).
(^٢) قال أبو العباس القنائي ت (٨٥٨ هـ) في كتابه الكافي (ص ٦٦): "مجزوٌّ وجوبًا" قال الدمنهوري في حاشيته: "أي بالنظر للاستعمال كما علمت فلا يجوز للمولدين استعماله تامًّا، وإنْ ورد عن العرب تمامه فهو نادر لا يقاس عليه".اهـ.
ومعنى المجزوء: ما حذف جزء من صدره، وجزء من عجزه.
(^٣) العروض: الجزء الأخير من الشطر الثاني، والحذفُ: حَذْفُ السبب الأخير، والخبنُ: حذف الثاني الساكن.
(^٤) قائله طرفة بن العبد من قصيدةٍ في ديوانه، والبيت ممَّا استشهد به الإمام ثعلب في أماليه ورواه: حيث يهدي ــ بياء تحتية ــ، وهو من شواهد الرضي وقد شرحه البغدادي في الخزانة فانظره في (٧/ ١٩).
(^٥) هو عبد السلام بن يحيى بن القاسم بن المفرج التكريتي تفقّه على والده وحفظ القرآن، وقرأ الأدب وبرع فيه، وله النظم والنثر والخطب والمكاتبات والمصنفات الأدبية، ولد سنة (٥٧٠ هـ) وتوفي سنة (٦٧٥). انظر: فوات الوفيات لابن شاكر (٢/ ٣٢٥).
(^٦) هو عبد الرحيم بن أحمد بن علي البرعي الهاجري اليمني، الشاعر الصوفي الشهير، كان نحويًا فقيهًا مفتيًا، له ممادح في النبي ﷺ، مات سنة (٨٠٣ هـ).
راجع ذيل البدر الطالع لزبارة (ص ١٢٠)، ومعجم المؤلفين (٥/ ٢٠٢).
20 / 286
بالموشحات (^١)، وهو ممّا يُلْتزم فيه أن تكون الثلاثة الأرباع الأولى على قافية واحدة، وكثيرًا ما يلتزم فيها التجنيس (^٢)، كقول التكريتي:
بَدَرتْ من بَدْر جاريهْ ... ودموع العين جاريَهْ
ثم قالت وهي جاريه
أرْفقي يا هندُ بالرّجل
ثم تُلْتزم قافية الرُّبع الرابع إلى آخر القصيدة.
ولا يَبعد أن يُقاس على ما سُمِعَ من المسمطات (^٣) في غير بحره.
كقول الشاعر:
(^١) التوشيح أو الموشحات: اسمٌ لنوع من الشعر استحدثه الأندلسيون، وهو فن عجيب له أسماط وأغصان وأعاريض مختلفة وأكثر ما ينتهي عندهم إلى سبعة أبيات.
راجع تاج العروس (٢/ ٢٤٦)، وتاريخ الأدب العربي للرافعي (٣/ ١٦٠).
(^٢) التجنيس: هو أن يجانس اللفظُ اللفظَ في الكلام، والمعنى مختلف. قاله الثعالبي في فقه اللغة (٢/ ٦٦٧).
(^٣) الشعر المسمَّط هو ما عرّفه ابن رشيق في العمدة (١/ ٢٨٥) بقوله: "أن يبتدئ الشاعر ببيتٍ مصرّع ثم يأتي بأربعة أقسمةٍ على غير قافيته، ثم يعيد قسمًا واحدًا من جنس ما ابتدأ به هكذا إلى آخر القصيدة". اهـ.
وقال المجد في القاموس: "المسمَّط كمعظم من الشعر أبيات تجمعها قافية واحدة مخالفة لقوافي الأبيات". اهـ.
20 / 287
وشَيْبةٍ كالقَسِمِ ... غيَّر سُودَ اللِّمَم
داويتُها بالكَتَمِ
زُورًا وبُهتانا (^١)
وقولِ امرئ القيس:
خيالٌ هاجَ لي شجنا ... فبتُّ مكابدًا حَزَنا
عميدَ القَلْبِ مُرتَهَنا
بذكر اللَّهوِ والطربِ (^٢)
وقوله:
ألا يا عينُ فابكي ... على فقدي لملكي
وإتلافي لمالي ... بلا حرفٍ وجُهد
تخطيتُ بلادًا ... وضيّعتُ قلابا
وقد كنتُ قديمًا
أخا عزٍّ ومَجْد
(^١) أورد الأبيات الجوهري في الصحاح (٣/ ١٣٤) ولم ينسبها لأحد، وقال ابن بري كما نقله عنه ابن منظور: إنها لبعض المحدثين. انظر لسان العرب (٧/ ٣٢٣).
(^٢) أنشد هذه الأبيات ابن برّي ولم ينسبها لأحد كما في اللسان (٧/ ٣٢٣)، وذكر بعدها ستة أبيات، وانظر أيضًا العمدة لابن رشيق (١/ ٢٨٦). وأمَّا نسبتها لامرئ القيس كما ذُكر ــ بحسب ما هو مطبوع ــ فليس الأمر كذلك.
20 / 288
وقوله مسمَّطًا مُخمَّسًا:
ومُسْتَلْئِمٍ كشَّفْتُ بالرمح ذَيلَه ... أقمتُ بعَضْبٍ ذي سفاسق مَيْلَه
فجعْتُ به من ملتقى الحيِّ خَيْلَه ... تركتُ عتاقَ الطير تَحجُلُ حولَه
كأنَّ على سِرْباله نَضْحَ جريالِ (^١)
وقوله الآخر:
إنَّ المرءَ في أكثر الأحوال مرتاعْ
ليتَ المرء لم يدخل الدنيا فما ارتاعْ
إنَّ العيشَ عيشُ الصِّبا إذْ ليس عَقْلُ
يَنْهى المرءَ عمَّا إليه المرءُ نزَّاعْ
نَعم قد سُمع المديدُ تامًّا شذوذًا، قال الدماميني (^٢) في شرح الخزرجية (^٣): أنشد ابن زيدان:
(^١) نسب هذه الأبيات لامرئ القيس الجوهري في صحاحه (٣/ ١١٣٤) والأزهري في تهذيبه نقلًا عن الليث كما في (١٢/ ٣٤٨)، وقد أنكر الصاغاني كونها لامرئ القيس في كتابه التكملة (٤/ ١٣٨). وانظر تاج العروس (٥/ ١٦١).
(^٢) محمد بن أبي بكر بن عمر بدر الدين الدماميني المالكي ولد سنة (٧٦٣ هـ) بالإسكندرية أديب عالم بالعربية وفنونها فقيه، لازم ابن خلدون، وتصدر لإقراء العربية بالأزهر، توفي بالهند سنة (٨٢٧ هـ) له مصنفات كثيرة منها: شرحه على التسهيل لابن مالك، وشرحه على مغني اللبيب، وشرحه على صحيح البخاري وغيرها.
انظر الضوء اللامع للسخاوي (٧/ ١٨٤).
(^٣) راجع العيون الغامزة على خبايا الرامزة للدماميني (ص ١٥٠)، وكلامه ينتهي عند قوله: (كل عزٍّ في الهوى أنت منه في غرر).
20 / 289
ليس من يشكو إلى أهله طول الكرى ... مثل من يشكو إلى أهله طول السهر
سحَّ لما نَفد الصبر منه أدمعًا ... كجُمانٍ خانه سِلْكُ عِقْدٍ فانتشرْ
لا تَلُمْهُ إنْ شكى ما يلاقي أو بكى ... وامتحِنْ باطنَه بالذي مِنْهُ ظَهَرْ
وقبلها:
إنَّه لو ذاق للحبِّ طعمًا ما هَجَرْ ... كل عِزٍّ في الهوى أنت منه في غَررْ
وقول السلكة ترثي ولدها ــ والظاهر أنها من مشطوره (^١) ــ:
طاف يبغي نجوةً ... من هلاكٍ فَهَلكْ
ليتَ شعري ضلةً ... أيُّ شيءٍ قتلكْ
أمريضٌ لم تُعَدْ ... أمْ عدوٌ خَتَلكْ
أمْ تولَّى بك ما ... غَال في الدهر السُّلَكْ
والمنايا رَصَدٌ ... للفتى حيث سَلَكْ
أيُّ شيءٍ حسنٍ ... لفتىً لم يكُ لَكْ
كلُّ شيءٍ قاتلٌ ... حينَ تلْقى أجَلكْ
(^١) قال التبريزي في شرح الحماسة (٢/ ١٩١) بعد ذكر الأبيات: "من مشطور المديد، والقافية متراكب قال أبو العلاء: هذا الوزن لم يذكره الخليل ولا سعيد بن مسعدة، وذكره الزجاج، وجعله سابعًا للرمل، وقد يحتمل أن يكون مشطورًا للمديد". اهـ. والأبيات اختلف في قائلها فنسبت للسلكة، ولأمِّ تأبط شرًا، ولامرأةٍ من العرب، وقيل لأخت تأبطَ شرًا، وقيل: هذا شعر قديم لا يعرف قائله.
راجع شرح حماسة أبي تمام للأعلم الشنتمري (١/ ٥٣٦).
20 / 290
طال ما قد نلتَ في ... غيرِ كدٍّ أمَلَكْ
إنَّ أمْرًا فادحًا ... عن جوابي شَغَلكْ
سأُعزِّي النفس إذْ ... لم تُجِبْ مَن سَأَلكْ
ليتَ نفسي قُدِّمتْ ... للمنايا بَدَلكْ
ولْنرْجع إلى المقصود فنقول: وجعل السيّدُ عليٌّ قافيةَ الشطر الرابع لفظةً ملتزمة إلى آخر القصيدة: "يا ابنَ علي"، وربّما قال: "ابن عليّ"، وربَّما أبدل: "ابن" ملتزمًا لفظ: "علي" وليس ذلك من ضيق العطن، ولكنّه يَحسِبُ أنَّ ذلك حَسَن.
ثمَّ تعرَّض فيها للشكوى حيث يذكر أنَّ كثيرًا من أهل البلد أضرَّ بهم الجوعُ، وهذا عَجَبٌ منه! فإنَّ فَضْلَ مولانا قد غَمَر الداني والقاصي، وأرضى المطيع والعاصي وكانت الشكوى في بضعة أبيات فتخطاها لمَّا تنبَّه لخطاها، فلمَّا وصل إلى الدعاء كان منه ــ وأستغفر الله من حكايته ــ لفظ: "لا عداك السوءُ".
فقلتُ حينئذٍ: (لا) زائدةٌ.
فالْتَفَتَ إليَّ مغاضبًا!
وقال: بل نافيةٌ.
فقلتُ: زائدة.
فقال مولانا: إنَّها لدعوةٌ قبيحةٌ، ولكنَّ النية صالحة أو كما قال.
فقال المنشِدُ: "لا عَدتكَ"، معناها: لا أصابتْك.
20 / 291
وأنشد بيت البردة:
عدتكَ حاليَ .... (^١)
فقلتُ: معناه: أخطأتْكَ، وبعُدتْ عنك.
فقال: كلّا.
فإشفاقًا للمِراء بذلك المقام قلتُ: هذا المعروف المتبادر إلى الذهن.
فقال مولانا ــ أيَّده الله ــ: بل هو الحقُّ، وادّعاءُ غيره غلط، ووضَّح
ــ أيَّده الله ــ معنى البيت بلفظه، ثم أتمَّ المنشِدُ قصيدتَه.
وكنتُ قد قدّمتُ تهنئتي لمولانا ــ أيَّده الله ــ قبل ذلك، وكان ذلك المجلس أهلًا لأنْ تنشد فيه قصيدة. فقلتُ في نَفْسي ــ أوَّلًاـ: قد كفينا (^٢).
فلمّا رأيتُ قصيدته وأثرها حاولتُ ارتجال أبيات مناسبة، فلم يَتَيسَّر إلا ثلاثة أبيات ــ ستأتي ــ فاستأذنتُ مولانا بقولي: ثلاثة أبيات حضرتْ.
فقال: فرَّطْتَ كما أفرطَ السيد علي؛ لأنَّ قصيدته زهاء الستين بيتًا، والبيتُ عبارة عن أربعة أشطر.
فقلتُ في نفسي: حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق، وربَّ ليلةٍ خير من
(^١) المراد بالبردة قصيدة البوصيري الميمية المعروفة، وهذا البيتُ منها وتمامه:
عدتك حاليَ لا سرّي بمستتر ... عن الوشاةِ ولا دائي بمُنْحَسِمِ
(^٢) جعلها د/ أبو داهش أسلوب استفهام هكذا: أَوَلا قد كُفينا؟ والذي يظهر أنها خبرية و(أوّلًا) بمعنى الأوليّة منصوب، والدليل على هذا ما جاء في السياق نفسه: فقلت في نفسي: حسبك من القلادة ... إلخ.
20 / 292
ألف شهر. ثم أنشدتُها، فحسب السيد علي أنّي أردتُ مباهاتَه والتشنيعَ عليه فخرجَ يراجعني في دعوته يُصوِّبُها.
فقلتُ له: آنفُ لِمثْلكَ أنْ تحاول تصويب مثل هذا، وإنَّما الإنسان محل النسيان، كان حَقُّكَ أن تقول: طغى الفكر والقلمُ، وتَعَضَّ على مسامحتك لنفسكَ بنانَ الندم.
فأصرَّ على مُدَّعاه، تارةً يقول: من العَدْوِ، وتارةً: من العدْي، وتارة: من العَدْوى.
فكتبت له اليوم الثاني كتابًا مضمونه:
"عبارة مختار الصحاح: عداه يعدوه عَدْوًا: جاوزه".
وأمَّا العَدْوُ بمعنى الجَرْي فهو لازمٌ، وليس هذا مَوْضعَهُ.
فإذا قلتَ: عداك السوء فالمعنى: جاوزك السوء أي: لا أصابك ــ كما قالوا ــ: عداك الذمُّ أي: جاوزك: أي لا ذمَّ عليك، وقالوا: عدا فلانٌ طوره أي: جاوزه. وإذا قلتَ: لا عداك السوء فالمعنى: لا جاوزك، وهو أبلغُ من قولك: أصابك كما لا يخفى (^١).
وأمَّا العدوى فالفعل منها: أعْدى يُعْدي ــ كما في كتب اللغة ــ وليس هذا موضعها مع أنَّها من المجاوزة أيضًا أي أنَّ الداءَ جاوز صاحبه إلى غيره فافهمْ".
(^١) في المطبوعة كما يخفى.
20 / 293