L'agréable en art poétique
الممتع في صنعة الشعر
Enquêteur
الدكتور محمد زغلول سلام، أستاذ اللغة العربية وآدابها - كلية الآداب - جامعة الإسكندرية
Maison d'édition
منشأة المعارف
Lieu d'édition
الإسكندرية - جمهورية مصر العربية
Régions
•Tunisie
المُمْتِع فِي صَنْعَة الشِعْر
تأليف
عبد الْكَرِيم النَّهْشَلِي القيرواني
تَحْقِيق
الدكتور مُحَمَّد زغلول سَلام
رَئِيس قسم اللُّغَة الْعَرَبيَّة بكلية الْآدَاب - جَامِعَة الْإسْكَنْدَريَّة
منشأة المعارف
Page inconnue
باب في كلام العرب
أفضل كلام وأعزه وأكرمه، وأعظمه بركة، وأعوده بصالحه كتاب الله العزيز الذي عجزت عنه خطباء العرب في عنفوانها، وشعراؤها في أبانها فهو يجل عن سجع المتكلمين، ويعظم من وزن المتكلفين من الخطباء والشاعرين وأنه معجزة باقية لأكرم أنبياء الله، وخيرته من خلقه، ﷺ، ورحم وكرم. ثم خير كلام العرب وأشرفه عندها هذا الشعر الذي ترتاح له القلوب، وتجذل به الأخبار.
قال بعض العلماء بالعربية: أصل الكلام منثور، ثم تعقبت العرب ذلك واحتاجت إلى الغناء بأفعالها وذكر سابقيها، ووقائعها، وتضمين مآثرها، إذ كان المنطق عندهم هو المؤدي عن عقولهم، وألسنتهم خدم أفئدتهم، والمبينة لحكمهم، والخبرة عن آدابهم، وإن لا فرق عندهم بين الإنسان ما لم ينطق، وبين البهيمة إلا بتخالف الصورة، ولذلك قالوا: الصمت منام العقل، والنطق يقظته، والمرء مخبوء تحت لسانة حتى ينطق. وقالوا ترك الحركة للسان عقلة، وإذا ترك الإنسان القول ماتت خواطره. واجمعوا على استحسان الكلام مع الصواب كما اجمعوا على كراهة الكلام مع الإسهاب، وكرهوا زيادة المنطق على الأدب، وزيادة الأدب على منطق هجنه. وقال محمد بن عبد الله بن عباس: أني لأكره أن يكون الرجل لعملة فضل على عقله، كما أكره أن يكون للسانه فضل على عمله. وقيل لرجل من ملوك العرب: متى يكون العلم شرا من عدمه؟. قال: إذا كثر الأدب ونقصت القريحة.
1 / 11
وقال لبيد بن ربيعة لأبي براء عامر بن مالك
لا تسقي بيديك إن لم ألتمس ... نَعَمَ الضَّجُوعِ بِغَارةٍ أسْرَابِ
بُمقَطّعٍ حَلَقَ الرِّحَالةِ سابحٍ ... بادٍ نواجذَهُ على الأضْرابِ
يحملن فتيانَ الوغى من جعفرِ ... شعثًا كأَنهُمُ أسودُ الغابِ
يرعون منخرق اللَّديدِ كأَنَّهم ... في العزّ أُسرةُ حاجبِ وشهاب
متظاهري حلق الحَديد عليهم ... كبني زرارة أو بني عتاب
قوم لهم عرفت معد فضلها ... والحق بعرفة ذوو الألباب
وقد أخذ هذا على لبيد لأنه وضع قومه، ورفع عليهم من هم مثلهم ولا يتجاوزهم في كثير
شرف.
والعرب تقول لمن تعاطى من العلم مالا يحسن: عاط بغير أنواط. والعاطي المتناول للشيء، والأنواط كل شيء معلق، واحدها (نوط).
وقال العتابي: إن العقل إذا ميز حقا من باطل هدى اللسان إلى أبانه ذلك وأوحى إليه التعبير عنه، وقال جرير:
عوى الشعراء بعضهم لبعض ... علي فقد أصابهم انتقام
إذا أرسلت صاعقة عليهم ... رأوا أخرى تحرق فاستقاموا
1 / 12
عوي الشاعر مثل عوي الذئب. .
ولآخر:
وموقف مثل حد السيف قمت به ... أحمي الذمار وترميني به الحدق
فما زلقت وما ألفيت ذا خطل ... إذا الرجال على أمثالها زلقوا
وقد عاب عليه من لا بصر له نحو هذا الكلام. ولا جهبذة عنده بانتقاد الألفاظ واستخراج معاني العرب، استخفافا به وتقصيرا بما فيه وجهلا كم عسير كان الشعر فرج يسره، ومعروف كان سبب إسدائه وحياة كان سبب استرجاعها، ورحم كان سبب وصلها، ونار حرب أطفاها وغضب برده، وحقد سله. وغناء أجتلبه. وكم اسم نوه به، ورجل منسي عرف باسمه، وكم شاعر سعى بذمته، فرد حمى بعدما ابيحت، واهلا بعد ما سبيت، وفك من أسارى اكتب أيديها القيد، وعنتها سلاسل القيود. قال عمرو بن معدى كرب:
يدا ما قد بديت إلى حصين ... بأمر غير منبتر اليقين
رددت له مخاضًا تاليات ... نبيلات المحاجر والعيون
وقدمًا كنت جارك نصف يوم ... فأبشر أن سهمك في اليمين
فقال بديت عند الرجل يدًا صالحة. وأبديت فأنا مبد اتخذت عنده يدًا والتاليات: الأواخر، والمخاض: الإبل.
قال أبو عبيدة: قريش البطاح قبائل كعب بن لؤى بنو عبد الدار وعبد العزى بن قصي، وبنو زهرة ابن كلاب، وبنو مخزوم
1 / 13
يقطه، وبنو تيم ابن مرة، وبنو جمح وسهم ابني هصيص بن كعب، وبنو عدى بن كعب، وبعض بني عامر بن لؤى. فلما كثر بنو كعب
وبنو عامر بن لؤى أخرجوا بنى الحرث وبنى الحارث بن فهر من البطاح إلى الظواهر.
وقال نابغة بني جعدة:
وشاركنا قريشًا في نقاها ... وفي أنسابها شرك العنان
بما ولدت نساء بني هلال ... وما ولدت نساء بني أبان
شرك العنان: أي يشترك رجلان في شيء خاص كأنه عن لهما أي عرض، وأبان هو ابن معيط. قال الشاعر:
من سره لحم وشحم راهن ... فليأت قبة عقبة بن أبان
وقتله - أي عقبة بن أبان -. . رسول الله ﷺ بالصفراء النضر بن الحارث، فعرضت له ابنته قتيلة وهو يطوف بالبيت فاستوقفته ﷺ، وجذبت رداءه حتى انكشف منكبه وأنشدته شعرها بعد قتل أبيها، وهو:
يا راكبًا إن الأثيل مظنة ... من الصبح خامسة وأنت موفق
أبلغ به ميتًا بأن قصيدةً ... ما إن تزال بها الركائب تخفق
1 / 14
منى إليك وعبرة مسفوحة ... جادت لما تحمها وأخرى تخنق
فليسمعن النضر إن ناديته ... أن كان يسمع ميت لا ينطق
ظلت سيوف بني أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقق
قسرًا يقاد إلى المنية متعبًا ... رسف المقيد وهو عان موثق
أمحمد ولانت صنو كريمة ... من قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق
فالنضر أقرب من أصبت وسيلة ... وأحقهم إن كان عتق يعتق
فقال النبي ﷺ: لو كنت سمعت شعرها هذا ما قتلته.
وقال بعض القرشيين
فإني لمن قوم كرام ثناؤهم ... لأقدامهم صغيت رؤوس المنابر
خلائف في الإسلام والشرك قادة ... بهم واليهم فخر كل مفاخر
وقال آخر:
على خشبات الملك منه مهابة ... وفي الدرع ميل الساعدين فروع
يشق الوغى عن بأسه صدق جده ... وابيض من ماء الحديد وقيع
وقال الفرزدق في سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان:
كل امرئ يرضى وإن كان كاملًا ... إذا كان نصفًا من سعيد بن خالد
له من قريش طيبوها وقبضها ... وأن عض كفي أمه كل حاسد
1 / 15
وكان الفرزدق كثير الانتجاع للشرفاء بالمدينة، ولذلك شكاه أهل المدينة لعمر بن عبد العزيز في وقت خصاصة، فأمره بأن لا يتعرض لهم، ودفع إليه أربعة آلاف درهم. وكان سعيد هذا من أكثر قريش مالا. يقول إذا أبرقت السماء: أمطري حيث شئت، فلا تمطين على بلد إلا ولى فيه مال.
وكان محمد بن الديباج بن عبد الله بن عمرو بن عثمان يفد على الأمراء، فإذا انصرف مر بابن عمه سعيد بن خالد فأقام عنده بعض المقام، فقيل له في ذلك فقال: إنه يصلني كلما مررت به بألف دينار، وهى تقع منا موقعًا.
وسعيد هو أبو سلمى التي يقول فيها الوليد بن يزيد بن عبد الملك:
دعوا إلي بسلمى والشراب وقينة ... منعمة حسبي بذلك مالًا
خذوا ملككم لا بيت الله ملككم ... فليس يساوي في الحياة عقالًا
إذا ما صفا عيشي برملة عالج ... وعانقت سلمى لا أريد بدالا
ومر الفرزدق بعد نهى عمر له بعبد الله بن عمرو بن عثمان وهو جالس في دهليزه وعليه عمامة خز حمراء، وجبة خز ومطرف. قال:
1 / 16
أعبد الله إنك خير ماش ... وساع بالجراثيم الكبار
نمى الفاروق أمك وابن أروى ... أباك فأنت منصدع النهار
هما قمر السماء وأنت نجم ... به في الليل يدلج كل سار
فخلع عليه ثيابه، ودفع إليه عشرة آلاف درهم. فاتصل ذلك بعمر فأحضره وقال: ألم أتقدم إليك بأن لا تعرض بمدح ولا هجاء، لقد أجلتك ثلاثا، فان أحدثت بعدها نكلت بك. فخرج وأنشأ يقول:
فأوعدني وأجلني ثلاثًا ... كما وعدت لمهلكها ثمود
وأم عبد الله بن عمرو بن عثمان حفصة بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب. وفي محمد
الديباج يقول أبو وجزة السعدي:
وجدنا المحض الأبيض من قريش ... فتى بين الخليفة والرسول
أتاك المجد من هنا وهنا ... وكنت له بمعتلج السيول
فما للمجد دونك من مبيت ... وما للمجد دونك من مقيل
فدى لك من يصد الحق عنه ... ومن يرضي أخاه بالقليل
فلولا أنت ما رحلت ركابي ... مؤثلة ولا حمدت رحيلي
1 / 17
وقدم ابن ميادة، وأسمه الرماح بن أبرد المري المدينة زائرًا لعبد الواحد بن سليمان وهو أميرها، وكان عبد الواحد جوادًا. وفيه يقول بعضهم.
ما كان بين وعده وعطائه ... إلا كواو العطف [بين الكلام]
وكان ابن ميادة ليلة عنده سمره، فقال عبد الواحد لأصحابه: إني أهم أن أتزوج، أفلا تبغوني أيما؟ فقال له الرماح: أنا أدلك - أصلحك الله - فقال وعلى من يا أبا الشرحيل؟. قال: قدمت عليك - أصلحك الله - فلما دخلت مسجدكم إذا أشبه شيء به وبمن فيه الجنة وأهلها، فو الله بينما أنا أمشي فيه إذ قادتني رائحة عطر رجل حتى وقعت عليه، فلما وقعت عيني عليه استباني حسنه، فما أقلعت عنه، فما زال يتكلم كأنما يتلو زبورا، أو يدرس إنجيلا أو يقرأ قرآنا حتى سكت، فلولا معرفتي بالأمير ما شككت أنه هو خرج من داره إلى مصلاه فسألت من هو؟، فأخبرت أنه بين الحيين للخليفتين، قد نالته ولادة من رسول الله ﷺ، لها ساطع من غرته في ذؤابته. نعم حشو الرجل وابن العشيرة. إن اجتمعت أنت وهو على ولد ساد العباد، وجاب وجوه البلاد. قال: فلما قضى ابن ميادة كلامه قال عبد الواحد ومن حضر: ذلك محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، أمه فاطمة بنت الحسين بن علي ﵃. فقال ابن ميادة: هم
لهم نبرة لم يعطها الله غيرهم ... وكم عطاء الله فضل مقسم
هذا محمد بن عبد الله بن عمرو الديباج أخو عبد الله بن حسن بن حسن لأمه، وقتله أبو جعفر، وجلده بالسياط حتى فقأ عينيه، ومات بقطع رأسه ووجه إلى شيعته بخرسان، وذلك بعد خروج محمد بن عبد الله بن حسن، وكتب إليهم (وجهت إليكم برأس محمد بن عبد الله بن فاطمة بنت رسول الله ﷺ يوهمهم بذلك أنه رأس المهدي، ثم قتل
المهدي بعد.
وكان حسن بن حسن خطب إلى عمه الحسين بن علي فقال له: يا ابن أخي قد انتظرت هذا منك انطلق معي، فأدخله منزله، واخرج له ابنتيه فاطمة وسكينة وقال: اختر فاختار فاطمة، فزوجه إياها، فكان يقال إن امرأة مكنته من دولتها لمنقطة الحسن. فلما حضرت الحسن الوفاة قال:
1 / 18
إنك امرأة مرغوب فيك، وكأني بعبد الله بن عمر إذا خرج بجنازتي قد جاء على فرس مرجلا جمته، لا بساحلنه يسير في جانب الناس، معرضًا لك، فانكحي من شئت سواه، فإني لا أدع في الدنيا ورائي هما غيرك. فقالت له، فأمن من ذلك وأثلجته بالإيمان من العنق والصدقة لا تزوجته. ومات الحسن فخرج بجنازته فوافاه عبد الله بن عمر في الحال التي وصف الحسن. وكان يقال لعبد الله: المطرف، من حسنه، فنظر إلى فاطمة حاسرا تضرب وجهها، وعرف ذلك فيها، فلما حلت أرسل إليها يخطبها، فقالت: كيف بيمين؟. فأرسل إليها مكان كل مملوك مملوكين، ومكان كل شيء شيئين، فنكحته وولدت محمد الديباج.
والقاسم لا عقب له، ورقيه بنت عبد الله، فكان عبد الله بن حسن يقول، وهو اكبر ولدها: ما أبغضت بغض عبد الله بن عمر واحدا، ولا أحببت حب أخي أحدا.
ومن كتاب الممتع لعبد الكريم في فضل الشعر وما تعلق به وانضاف إليه من خبر أو شعر قال:
(لما رأت العرب المنثور يند عليهم ويتلفت من أيديهم، ولم يكن لهم كتاب يتضمن أفعالهم تدبروا الأوزان والاعاريض، فأخرجوا الكلام أحسن مخرج بأساليب الغناء فجاءهم مستويا. وراوه باقيا على مر الأيام، فألفوا ذلك وسموه شعرا. والشعر عندهم الفطنة. ومعنى قولهم: ليت شعري أي ليت فطنتي. والشعر أبلغ البيانين، وأطول اللسانين. وأدب العرب المأثور، وديوان علمها المشهور ولموضع قدر الشعر في العرب قال رؤبه بن العجاج في الحرب التي كانت بين بني تميم والازد: يا بني تميم أطلقوا من لساني. أي افعلوا ما أقول فيه. وقالت بنو تميم لسلامة بن جندل: مجدنا بشعرك. فقال: افعلوا حتى أقول ويقال إنه ارتج على النابغة أربعين سنة ثم كانت لبنى جعدة وقعة ظهروا فيها على عدوهم فاستخف النابغة الفرح الفرح فراض القريض، فلان له ما كان استصعب عليه، فقالوا: والله لنحن بإطلاق
لسان شاعرنا أسر منا بالظفر بعدونا.
1 / 19