Résumé des Commentaires sur les deux Sourates de Protection
مختصر تفسير المعوذتين
Enquêteur
ناصر بن سعد الرشيد
Maison d'édition
جامعة الإمام محمد بن سعود،الرياض
Édition
-
Lieu d'édition
المملكة العربية السعودية
•
Régions
•Arabie saoudite
مختصر تفسير سورة الأنفال
تأليف: الإمام محمد بن عبد الوهاب
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين. وبعد،
فإنه في أثناء تصوير مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز بمكة المكرمة لبعض المخطوطات في مكتبة الأوقاف ببغداد عثرنا على مجموع فيه رسائل كثيرة لبعض أئمة الحنابلة كابن تيمية وابن رجب رحمهما الله، وضمن هذا المجموع رسائل للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ لفت نظرنا منها ثلاث هن: " الرد على الرافضة، ومختصر تفسير سورة الأنفال" وهاتان الرسالتان لم يسبق لهما أن طبعا، ورسالة بعنوان " ذكر بعض الفوائد التي في قصة الحديبية " وقد طبعت ضمن كتاب " الدرر السنية " الذي جمعه الشيخ عبد الرحمن بن ناصر القاصمي القحطاني النجدي معنونة بتفسير سورة الفتح، فكانت بمثابة نسخة أخرى لنسخة بغداد، وهاتان المطبوعة والمخطوط يصلحان أخطاء بعضهما ويكملان النقص خاصة في المطبوعة كما هو واضح من التحقيق وعند المقابلة رمزت لها بحرف "ط". أما رسالة " مختصر تفسير سورة الأنفال" وكذلك "الرد على الرافضة" فلم أحصل لهما على أخرى لذلك فإن أمر التصحيح يبدو صعبا، ولكني اجتهدت ما وسعني الجهد وحرصت على تثبيت نصوصها.
1 / 3
ويلاحظ أن اسم ناسخ هذه الرسالة مذكور ثم محي، ولعل بعضها نسخت بيد إبراهيم بن باز فله ذكر فيها، كذلك على واحدة منهن تملك باسم الوهيبي.
هذا وأسأل الله القدير أن يوفقنا لما فيه الخير، إنه سمع مجيب.
الدكتور ناصر بن سعد الرشيد
مكة المكرمة ١٧-٩-١٣٩٨ هـ
1 / 4
مختصر تفسير سورة الأنفال
...
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
ذكر ما نزل من القرآن في وقعة بدر
قال ابن عباس: "نزلت سورة الأنفال في بدر ١")، وعن أبي أمامة قال: "سألت عبادة عن الأنفال فقال: فينا أصحاب بدر نزلت، خرجنا مع رسول الله ﷺ فشهدت معه بدرا، فالتقى الناس، فهزم الله تعالى العدو. فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، وأقبلت طائفة على العسكر يحوزونه، وأحدقت طائفة برسول الله ﷺ لا يصيب العدو منه غرة. حتى إذا كان الليل قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق به منا نحن نفينا عنه العدو، وقال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ خفنا أن يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به. فساءت فيه أخلاقنا فانتزعه الله من أيدينا فجعله إلى رسول الله ﷺ فقسمه بين المسلمين ونزلت: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية" قال الترمذي: حديث حسن ٢.
١ تنوير المقباس: ١١٣، ابن كثير: ٢/٢٨٢.
٢ أحكام القرآن: ٢/٨٣٧- ٨٣٨، ابن كثير: ٢/٢٨٣.
1 / 5
وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ ١ ". قال ابن عباس: "هذا تحريج من الله أن يتقوا ويصلحوا ذات بينهم٢ ") وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ٣ هو الذي يريد أن يظلم أو يهم بمعصية فيقال له: اتق الله فيجل قلبه. وقال ابن عباس: "وجلت قلوبهم فأدوا فرائضه ٤") وقوله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ ٥، قال ابن مسعود: "ما جالس أحد القرآن فقام سالما"، وقوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ٦. ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ٧. لما ذكر أعمال القلب نبه على أعمال الجوارح، وقال الضحاك في قوله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ٨: "أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى الذي هو فوق فضله على الذي هو أسفل منه، ولا يرى الذي هو أسفل أنه فضل عليه أحد٩") .
وقوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ ١٠ روي عن أبي أيوب أنه قال قال رسول الله ﷺ ونحن بالمدينة: " إني أُخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة، فهل لكم أن نخرج قبل هذه العير لعل الله يغنمناها، فقلنا: نعم. فخرج وخرجنا، فلما سرنا يوما أو يومين قال لنا: ما ترون في القوم، فإنهم قد أخبروا بخروجكم؟ فقلنا: لا والله ما لنا طاقة بقتال العدو. ثم قال: ما ترون في قتال العدو؟
١ سورة الأنفال آية: ١.
٢ الطبري: ٩/١٧٧، ابن كثير: ٢/٢٨٥.
٣ سورة الأنفال آية: ٢.
٤ ابن كثير: ٢/٢٨٥.
٥ سورة الأنفال آية: ٢.
٦ سورة الأنفال آية: ٢.
٧ سورة الأنفال آية: ٣-٤.
٨ سورة الأنفال آية: ٤.
٩ ابن كثير: ٢/٢٨٦.
١٠سورة الأنفال آية: ٥-٦.
1 / 6
فقلنا مثل ذلك فقال المقداد بن عمرو: إذا يا رسول الله لا نقول كما قال قوم موسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، بل نقاتل من بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك فتمنينا معشر الأنصار لو أنا قلنا كما قال المقداد أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم. فأنزل الله على رسوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ " الآية" ١. قال ٢ السدي: "بعدما تبين لهم أنك لا تفعل إلا ما أمرك الله به ٣") .
وقوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ ٤. روى أحمد عن ابن عباس قال: "قيل لرسول الله ﷺ حين فرغ من بدر: عليك بالعير ليس دونها شيء، فناداه العباس وهو أسير إنه لا يصلح لك لأن الله (إنما وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعد ٥") .
وقوله: ﴿ليحق الحق﴾ ليس تكريرًا لأن الأول تمييز بين الإرادتين، وهذا بيان لغرضه فيما فعل من اختيار ذات الشوكة، فإنّه ما فعل إلا لهذا الغرض الذي هو سيد الأغراض.
وقوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ
١ نفس المصدر والجزء/٢٨٧.
٢ في الأصل: ابن السدي.
٣ ابن جرير: ٩/١٨٤.
٤ سورة الأنفال آية: ٧-٨.
٥ ابن كثير: ٢/٢٨٨، أحكام القرآن: ٢/٨٤١.
1 / 7
إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١وذلك "أن النبي ﷺ نظر إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل القبلة وعليه رداؤه ثم قال: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض أبدا. فما زال يستغيث بربه حتى التزمه الصديق من ورائه فقال: يا رسول الله! يكفيك بعض مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك" فأنزل الله هذه الآية ٢.
وقوله: ﴿مردفين﴾ أي متتابعين، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ ٣، وإلا فهو قادر على نصركم ولهذا قال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٤ أي: له العزة ولمن آمن به، حكيم فيما شرعه من القتال مع القدرة على إهلاكهم بدونه.
وقوله: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ ٥ يذكرهم الله تعالى ما أنعم عليهم من إنزال النعاس عليهم في ذلك الموطن، قال ابن مسعود ٦: "النعاس في القتال أمنة من الله، وفي الصلاة (ومجالس الذكر) من الشيطان"؛ وقد أصابهم يوم أحد أيضا.
وقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ الآية، وذلك أنهم حين ساروا إلى بدر كان بينهم وبين الماء رمل فأصاب المسلمين ضعف، وألقى الشيطان
١ سورة الأنفال آية: ٩-١٠.
٢ ابن جرير: ٩/١٨٩، ابن كثير: ٢/٢٨٩، ابن الجوزي: ٣/٣٢٥، زاد المعاد: ٢/٨٧، سيرة ابن هشام: ٢/٢٦٧.
٣ سورة الأنفال آية: ١٠.
٤ سورة الأنفال آية: ١٠.
٥ سورة الأنفال آية: ١١.
٦ ابن جرير: ٩/١٩٣، ابن كثير: ٢/٢٩١.
1 / 8
في قلوبهم: تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلون مجنبين، فأمطر الله عليهم فشربوا واطهروا وتلبد الرمل للناس والدواب١. وقوله: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ أي: بالصبر والإقدام على الأعداء، وهو شجاعة الباطن، ﴿ويثبت به الأقدام﴾، وهو شجاعة الظاهر.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ ٢: هذه نعمة خفية أظهرها الله تعالى ليشكروه عليها، وهو أنه ﵎ وتقدس أوحى إلى الملائكة أن ثبتوا الذين آمنوا وآزروهم، وقيل الإلقاء في قلوبهم الظفر: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ ٣ أي: اضربوا الرقاب أو الرؤوس، والبنان: الأطراف وهي أيديهم وأرجلهم، قال الربيع٤: "كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار،". وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: ما وقع عليهم بسبب هذه المشاقة، والكاف في ذلك لخطاب الرسول أو لكل أحد، وذلكم خطاب للكفرة، والمعنى ذوقوا هذا العاجل مع الذي لكم في الآخرة.
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ
١ ابن كثير: ٢/٢٩١- ٢٩٢.
٢ سورة الأنفال آية: ١٢-١٣-١٤.
٣ سورة الأنفال آية: ١٢.
٤ نفس المصدر والجزء/٢٩٣.
1 / 9
الأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ١ توعد سبحانه على الفرار من الزحف بالنار، والزحف: المزاحفة وهي المقاربة والدنو، وقوله: ﴿إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ أي يفر مكيدة ثم يعطف للقتال. ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ جماعة من المسلمين، قيل ولو كان الإمام الأعظم٢.
قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٣ يقول تعالى: هو الذي أنزل الملائكة، وشاء الظفر والنصر، وألقى الرعب في قلوبهم، وقوى قلوبكم، وأذهب عنها الفزع. ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾، وذلك "أن رسول الله أخذ حفنة من تراب بعد تضرعه فرماهم بها وقال: شاهت الوجوه. وأمر أصحابه أن يحملوا فأوصل الله ذلك التراب إلى أعين المشركين، فلم يبق أحد منهم إلا ناله ما شغله، فولوا مدبرين ٤") . وقوله: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ ٥ أي: ليعطيهم عطاء حسنا قال الشاعر: ٦
جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم ... وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو
وفي الحديث: "وكل بلاء حسن أبلانا ٧، بعد قوله: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا ٨") .
١ سورة الأنفال آية: ١٥-١٦.
٢ نفس المصدر والجزء والصفحة.
٣ سورة الأنفال آية: ١٧.
٤ سيرة ابن هشام: ٢/٢٦٨، زاد المسير: ٣/٣٣٢.
٥ سورة الأنفال آية: ١٧.
٦ القائل: زهير ابن أبي سلمى انظر شرح ديوانه: ١٠٩.
٧ ابن كثير: ٣/٢٩٦.
٨ مكان هذه الجملة غير واضح المعنى.
1 / 10
والمعنى والإحسان إليهم فعل ما فعل: إن الله سميع لدعائهم عليم بأحوالهم. وقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ ١: هذه بشارة أخرى أعلمهم سبحانه أنه يضعف كيد الكافرين فيما يستقبل، وأن معطوف على ذلكم، يعني أن الغرض إبلاء هؤلاء، وتوهين كيد هؤلاء.
وقوله: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢ وذلك أن أبا جهل قال: اللهم أقطعنا للرحم وأتانا بما لا يعرف، فأحنه الغداة ٣؛ فكان هو المستفتح على نفسه. ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا﴾ أي: عن الكفر ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في الدنيا والآخرة، ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ أي: إن عدتم إلى الكفر عدنا لكم بمثل هذه الوقعة. ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ ٤ لأن الله لا غالب له، ﴿وأن الله مع المؤمنين﴾ أي كائن ذلك لأن الله معهم.
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَإِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُون َوَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ٥ أي تتركوا طاعته ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ أي: علمتم ما دعاكم إليه ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا﴾ ٦ الآية، قال ابن إسحاق ٧: "هم المنافقون، يظهرون أنهم سمعوا
١ سورة الأنفال آية: ١٨.
٢ سورة الأنفال آية: ١٩.
٣ زاد المعاد: ١٢/٨٩، سيرة ابن هشام: ٢/٣١٢.
٤ سورة الأنفال آية: ١٩.
٥ سورة الأنفال آية: ٢٠-٢١-٢٢.
٦ سورة الأنفال آية: ٢١.
٧ ابن كثير: ٢/٢٩٧.
1 / 11
واستجابوا، وليسوا كذلك" ثم أخبر أن هذا الضرب شر الخلق فقال: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١ الآية، ثم جعلهم شرها: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ أي: قصدا صحيحا ﴿لَأسْمَعَهُمْ﴾ أي: أفهمهم، ولو فعل لتولوا عنادا.
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ٢. قال البخاري ٣: "لما يصلحكم" قال مجاهد ٤: "وهو هذا القرآن، فيه النجاة والتقاة والحياة" وقال عروة ٥: "أي: للحرب التي أعزكم بها بعد الذل". ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ ٦، قال ابن عباس ٧: "يحول بين المؤمن وبين الكفر وبين الكافر وبين الإيمان"، وقال مجاهد٨: "حتى يتركه لا يعقل". وكان من دعاء النبي ﷺ: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ٩ ") .
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ١٠: يحذر ﵎ فتنة لا تخص أهل المعاصي بل تعم حيث لم تدفع فترفع، قال ابن عباس١١: "أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين ظهرانيهم، فيعمهم العذاب".
وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن
١ سورة الأنفال آية: ٢٢.
٢ سورة الأنفال آية: ٢٤.
٣ صحيح البخاري: ٣/٩٤.
٤ ابن كثير: ٢/٢٩٧ والرواية عن قتادة.
٥ نفس المصدر والجزء والصفحة.
٦ سورة الأنفال آية: ٢٤.
٧ زاد المسير: ٣/٣٣٩، ابن جرير: ٩/٢١٥.
٨ تفسير مجاهد: ٢٦١، ابن كثير: ٢/٢٩٨.
٩ مسند أحمد: ٣/٢٥٧.
١٠ سورة الأنفال آية: ٢٥.
١١ زاد المسير: ٣/٣٤١، ابن جرير: ٩/٢١٨.
1 / 12