Résumé de Sana la Foudre de Damas

مختصر سنا البرق الشامي

Genres
History
•
Régions
Syrie
•
Empires & Eras
Ayyoubides
ـ[مختصر سنا البرق الشامي]ـ
المؤلف: الفتح بن علي بن محمد البنداري الأصفهاني، أبو إبراهيم (المتوفى: ٦٤٣هـ)
[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]

Page inconnue

سنا البرق الشامي
تضم المكتبة السليمانية باستنبول النسخة الوحيدة من سنا البرق الشامي برقم أسد أفندي ٢٢٤٩.
ويقع سنا البرق الشامي في تسع وسبعين ورقة من القطع الكبير من ١٦٣ب: ٢٤٢ أ. وقد وجدته مجلدًا مع كتاب حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة لجلال الذين السيوطي. وعلى الصفحة الأولى من المخطوط (كتاب حسن المحاضرة في تاريخ مصر القاهرة ويليه الجزء الأول من كتاب سنا البرق الشامي لعماد الدين الكاتب الأصفهاني) ويبدأ بمقدمة كتبها البنداري ويذكر انه انتهى من اختصاره للبرق عام ٦٢٢هـ ١٢٢٤م وباستعراض الموضوعات الواردة في الأوراق الاثنتي عشر الأولى يتضح لنا عدم انتظامها وعدم تتابعها ففي ورقة ١٦٤ب يذكر وصول العماد إلى الشام في ٥٦٢هـ ١١٦٦م، ويتبع ذلك وصول شاور إلى دمشق عام ٥٦٣هـ ١١٦٧م ثم يذكر حملة اليمن، وفجأة يذكر موت نور الدين محمود ٥٦٩هـ ١١٧٤م.
ويأتي خلال ذلك إشارة إلى بعثة ابن القيسراني إلى مصر ويلي ذلك مؤامرة عمارة اليمني ضد صلاح الدين عام ٥٦٤هـ ١١٦٨م.
وربما حدث ذلك خلال اختصار البنداري للنص، أو ربما وقع من الناسخ خلال كتابته له في عصر لاحق.
وينتظم بعد ذلك المخطوط إلى أن يصل إلى الأوراق الثلاثة الأخيرة فنجد أن المادة التاريخية بها غير منتظمة، وغير مترابطة.
والمخطوط على العموم مكتوب بخط غير جميل، وهناك كثير من الفجوات، والأخطاء الإملائية ربما حدثت خلال النسخ وكان هدف التحقيق هو تصحيح وضبط النص.
وقد شكى الفتح البنداري وغيره من المؤرخين صعوبة أسلوب العماد وطوله وإسهابه، وتعقيده.
فقد ذكر الصفدي أن شعره ألطف من نثره لأنه أكثر الجناس فيه وبالغ حتى يعود كلامه كأنه درب من الرقي والعزايم وقد عاب الناس ممن له ذوق ونظرة سليمة كثرة الجناس لأنه دليل التكلف.
وقد ذهب ابو الشامة نفس المذهب في وصفه لأسلوب العماد فقال بأنه مسهب مطنب يصيب الإنسان الكلل والملل من قرأته أما ياقوت وابن خالكانى فقد ذكروا أن العماد والقاضي الفاضل كانا يميلان إلى التلاعب بالألفاظ مثال ذلك (سر فلا كبا بك الفرس)، (ودام علا العماد) ومثل هذه العبارات يمكن قراءتها من اليمين إلى اليسار أو من اليسار إلى اليمين.
ومما هو جدير بالإشارة أن البنداري حين اختصر البرق كان أمينًا، ولم يحاول التغيير في الأسلوب والتزم بخطة واضحة طوال النص.
أما مصادر التحقيق فقد تمثلت بالضرورة في الجزئيين الثلث والخامس من البرق الشامي الأصل وقد شكل هذان الجزءان مصدرًا هامًا من مصادر التحقيق خاصة في غياب نسخة تفيد في المقارنة.
كذلك كان للمقتطفات التي وردت في كتاب الروضتين لأبي شامة أهمية كبيرة فقد ملأت العديد من الفجوات وساعدت في ضبط الكثير من أجزاء النص وقد اعتبرت ما تبقى من البرق بالإضافة إلى مقتطفات أبى شامة أصلًا ثانيًا للتحقيق.
هذا بالإضافة إلى الاستعانة بالمصادر اللاحقة على البرق الشامي كالكامل في التاريخ لابن الأثير، ومفرج الكروب لابن واصل، والخطط لتقي الدين المقريزي، وكلها قد أفاد كاتبوها من مؤلفات العماد الكاتب لا سيما البرق الشامي. كذلك اعتمدت على بعض المصادر غير المنشورة كتاريخ ابن ابي الهيجاء، والعسجد المسبوك، ورسائل القاضي الفاضل.
وتجب الإشارة إلى أن البنداري ذكر في مقدمته انه سوف يذيل مختصره بمقتطفات من رسالتي العماد العقبي والعتبي، وخطفه البارق وعطفه الشارق إلا انه لم يفعل. وريما كان سبب ذلك انه لم يستكمل البرق، فيقول العنوان الجزء الأول من سنا البرق الشامي، إيماء إلى انه سيكون هناك جزء ثان، ولكننا لم نعثر عليه.
[مقدمة المؤلف]
وما توفيقي إلا بالله (١١٦٣) لنا بعد حمد الله على نعم نافحة الرياض، ونح طافحة الحياض، ونرتع في سارحها ليلًا ونهارًا، ونكرع في شارعها سرًا وجهارًا، ونلبس فضفاضها سائغًا ونرد غياضها سابغًا ثم الصلاة والسلام على سيدنا محمد صفوة الأنام المطل من المجد على الغارب والسنام، الملحى بأنوار هدايته ظلم ليالي الباطل المحلى بقلاليد رسالته بحر الزمان العاطل وعلى آله وأصحابه مصابيح الرحمة ومجاديع الحكمة ومفاتيح الجنة.

1 / 1

فأني لما رأيت أبلغ المراتب وأنجح الوسائل إلى خدمة مولانا السلطان الملك المعظم ملك ملوك العرب والعجم أبي الفتح عيسى بن السلطان الملك العادل أبي بكر بن أيوب لا زالت سماء الجلالة موشحة بدراري سيره الزاهرة ومطالع الإقبال منورة بأشعة مكارمه الباهرة، والتمسك بعصم العلوم وأهداب الآداب والتوسل بإخراج درر الكلم من لجج الحكم الطامية العباب. حبست نفسي ووقفت نفسي مشيعًا مآثر حضرته العالية، سالكًا مناهج الإخلاص في السريرة والعلانية. فالجنان يضم الولاء النافع، واللسان ينشر الثناء الشايع، والبنان يحرر بل يجيز من مدحه الوشايع أفرغ الاستطاعة جريًا على مقتضى الخدمة والطاعة فيما يرجع بتخليد آثار بيته الكريم، ويعود بأعلى صيته العظيم في نظم تطبق فضائله اللآفاق وتملأ بمناقبه خراسان والعراق، ونثر ينشر حلل معاليه في محافل السلاطين وأندية الملوك، ويبث عرف أياديه وينظم عقد مساجيه مثل العنبر المفروك والجوهر المسلوك.
ولما ترجمت لخزانته العالية كتب شهنامة التي توجت فيه سير الملوك والسلاطين الأقدمين يغير مفاخرة وفضلت قلايد مناقبهم وعقود مكارمهم بزهر مآثره نظرت في الكتاب الموسوم بالبرق الشامي للأمام السعيد عماد الدين الأصفهاني فوجدت عمايمه تتدفق بأنواع الفوايد، وكمايمه تتفتق عن أنوار الفوايد، تحتوي من البلاغة على إبكارها وعونها، وتشتمل من البراعة على غررها وعيونها، فيه من السير السلطانية الناصرية والعادلية وساير الدوحة الكريمة الأيوبية ما ينطبق على مثله كثير من الكتب المصنفة في التواريخ والسير القديمة منها والحديثة. لكنني وجدت درر مقاصدة مكنونة في بحار أسجاعه المتلاطمة الأمواج، ورأيت غرر فوايده مغمورة في غمار أوصافه المتتابعة الأفواج ما بين قراين تشابكت قرون لواحقها في إصلاء سوابقها، وأفانين تشاجرت فنون أغصانها في أرجاء حدايقها، فشذبت شجيراتها أدنيت جنا جناتها لقاطفيها وجناتها، واقتصرت منها على ألفاظ هي كالمعارض لخرايد معانيها الرايقة، وكالواسطة في قلايد قراينها المتناسقة، وكشفت أطباق حجبها بل استار سحبها عن محتلى دراري سماتها، وأرحت قساطل خيلها وغياطل ليلها عن مطالع مسمياتها، وتباشير أسمائها ولم أحم من الكتب النشأة في الوقايع المذكورة إلا حول جهة من الكلم الجليلة الفاضلية، ونبذ من الكتب البديعة العمادية سالكًا مسلك الاختصار وناهجًا منهج الاقتصار ثم وقفت له رسالتين في ثلاث مجدات وسم احدتهما بالعقبى والعتبى وهي مشتملة على ما جرى بعد الأيام الصلاحية مدة ثلاثة سنين، ووسم الثانية بخطفة البارق وهي محتوية على الوقايع التي جرت من مفتتح سنة ثلاث وتسعين إلى رمضان سنة سبع وتسعين وفيها تصرمت أيامه ﵀.
(١١٦٤) فرأيت أن أذيل بما أنتخبه منهما هذا المختصر لاشتمالهما على طرف من السير الكريمة العادلية أنار الله برهانها ولمع من مطالع أنوار دولة السلطانين العادلين مولانا الملك الكامل ومولانا الملك المعظم خلد الله سلطانهما وأعز أنصارهما وأعوانهما ونتف في مدايحهما الزاهرة ومحامدهما الباهرة ونبذ من أحوالهما في مفتتح جلالهما ومقبل إقبالهما وريعان سلطانهما وعنفوان شأنهما خدمة منى للمواقف الكريمة والعتبات العالية وقضاء لبعض حقوق نعمهما العايدة البادية وأياديها الرابحة العادية وسميته سنا البرق الشامي واستعنت في ذلك وفي جميع أموري بالله ﷾ وهو حسبي ونعم الوكيل.
[مقدمة العماد الأصفهاني]
قال الأمام العالم ذو البلاغتين عماد الدين ابو عبد الله بن محمد بن محمد ابن حامد الكاتب الأصفهاني ﵀ في صدر كتابه الموسوم بالبرق الشامي وبعد فإن الكريم من عرف حق المنعم عليه وشكر فضل المحسن إليه وإذا خدم مخدومًا أوجد كرمه بذكره وان صار معدومًا وعرف من بين ما عرفه ما كان مكتومًا ومن استكفاني بالإنشاء لتنفيذ أوامره في حياته كافية بالأحياء في إنشاء مفاخرة في مماته وهو الملك الناصر صلاح الدنيا والدين ابو المظفر يوسف بن أيوب ﵀. فأني صحبته فكان خير مصحوب، وخطبت وده فألفيته الآن مخطوب، ولما انقضى عصره وانقضت عمره

1 / 2

خشيت أن ينقرض ذكره فأنشأت هذا الكتاب وأعطيته من البلاغة حظًا وأعرته من الفصاحة لحظًا وافتكرت وابتكرت صياغته معنى ولفظًا وسميته البرق الشامي لأني وصلت في شعبان سنة اثنتين وستين وخمسمائة في دولة الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي سقى الله عهده عماد الرحمة فصادفت الدولة في أيامه والأيام الصلاحية إلى السابع والعشرين من صفر سنة تسع وثمانين متناسقة المحاسن وهيبتها بطيبها مستمرة على حسنها مستقرة، ثم التفت فإذا هي كبرق ومض وطرف غمض وما أسرع ما انقضت وانقرضت تلك الليالي والأيام والشهور والأعوام.
وقد انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام. قال وأنا أقدم في هذا الكتاب ذكر نبذ من أحوالي مع السلطان ثم أبتدئ بذكر معرفتي به وخدمتي له وأضف مبادئ دولته إلى أن وصل إلى الشام وحضرت خدمته، وأصف سيره كل سنة وآتى بشرح حسناته بكل حسنة.
قال: ولم يزل قلمي لسيفه مشاركًا ولملكه مداركًا هذا للرزق وذاك للأجل، وهذا للأمن وذاك للوجل. وكان السلطان يعتمد على قلمي وينصر كتابته وهو يقول: الحمد لله الذي لم يضع على العماد اعتمادي وحاط إلى سداده سدادي ثم ما وفي أحد بعهده وفائي بعهده من بعده فأني سيرت معاني معاليه بالنازي الفاضلة وخلدت ذكره في مصنفاتي إلى قيام الساعة وأحييت ذكره بالوفاء وأهديت له حياة ثانية بعد الحياة. ولما نقله الله الكريم إلى جناب جناته واقتسم أولاده ممالكه قلت يسلكوا وينسكوا مناسكه وانهم يعرفون مقداري ويرفعون مناري ويشرحون صدري ولا يضعون قدري فأخلف الظن حتى قطعوا رسومي ومنعوا مرسومي وغوروا منابعي وكدروا مشارعي. قال ومما كتبته في كتاب يتضمن شكوى الحال ما حال ما غصبت أملاكه إملاكه ونصبت إشراكه فكتبت إلى المولى الفاضل في فصل يسلم فيه على ولدي القاضي الولد مقبل العين ويحييه إلى أن تصل القبل إلى اليدين والى أن يسر والده إذا هما في الفضل ثاني اثنتين وما أحسن قول سيدنا غصبت أملاكه ونصبت إشراكه إشراكه واستحسنت ازدواج هاتين الكلمتين ووقعتا مني بموقع بمشاركتي له في المكروهين قال وتمام هذا الفصل من الكتاب الفاضلي وقد شرح من أحواله واعتزاله وصبره واحتماله وتلطفه في تجويز الوقت واحتياله وشكره لقوم لا على إيصال ما لهم إليه ولكن على إيصاله إلى ماله ما ذكرني بابن حيوس وقد مطله صاحب دار الوكالة ببيع بضاعة له.
مضى الكرماء صانوا ماء وجهي ... بجود لا برفق بالسؤال
وما أنا بعد هم في الناس أبغى ... كريمًا يشتري حمدي بمالي
قال ومما كتبته إلى الأجل الفاضل في شكوى قصيدة منها:
دمشق تقصد عظمي ... بعرقه أي عرقه
إخفاقه لرجائي فيها ... وللقلب خفقه
أقمت فيها وحيدًا ... كالدر ضمته حقه
[دولة نور الدين زنكي]
ذكر الوصول إلى الشام في سنة اثنتين وستين وخمسمائة
قال: وصلت إلى دمشق في أيام جلاء حسنها وانجلاء حزنها وغناء أفنانها بالأغاريد وانتشاء إنشائها بالأناشيد فقدمتها في أطيب زمان ونزلت من المدرسة التي وليتها في أحسن مكان. وكان ملكها والذي يتولى ممالكها الملك العادل نور الدين ابو القاسم محمود بن زنكي وأعف الملوك واتقاهم وأثقبهم وأصلحهم عملًا واحجهم أملًا وأرجحهم رأيًا وأوضحهم أيا. وهو الذي أعاد رونق الإسلام إلى بلاد الشام فاستفتح معاقلها واستخلص عقايلها وكانت للفرنج في أيام غيره على بلاد الشام قطايع فقطعها وعفى رسومها ومنعها ونصره الله عليهم مرارًا حتى أسر ملوكهم وبدد سلوكهم وصان الثغور منهم وحماها عنهم وأحيا معالم العلوم الدوارس وبنا لمذاهب السنة والجماعة المدارس وانشأ الخانكات للصوفيه وكثرها في كل بلد وكثر وقوفها وأجد الأسوار والخنادق وأمر في الطرقات ببناء الربط والخانات وهو الذي أعان على فتح مصر وأعمالها وأنشأ دولتها ورجالها.
وكان صلاح الدين أحد خواصه وأخلص ذوي استخلاصه ولد نجم الدين أيوب من أكابر أمرائه لا يفارقه راكبًا في ميدانه ولا جالسًا في إيوانه يقف على رأسه ووالده من جلاسه وقد اقتدى به في جميع ما اتصف به من التقى والعفة والنزاهة والنباهة وآداب الملك وأحكام السلطنة فتلقن منه مبادئ الخيرات ثم جاوز بها في أيامه الغايات.

1 / 3

وكانت بيننا وبين نجم الدين أيوب معرفة قديمة من تكريت حيث كان بها واليًا وسببه أن عمي العزيز أحمد بن حامد ودعه السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه في قلعة تكريت إشفاقًا عليه من قصد من صار في منصبه فجد في نصيبه وبذل فيه ثلثمائة ألف دينار ليعتقل ويحضر هو ما بذله ويعجل فمال إلى المال وسير العزيز إلى تكريت برسم الاعتقال وذلك في سنة خمس وعشرين وخمسمائة فسعى ذلك الوزير في قتل السلطان بالسم واجلس أخاه طغرل في السلطنة وتفرد بالحكم فعلق رهن العزيز ودأب مرارًا إلى تكريت من يباشر قتله فلم يقبل واليها نجم الدين خدعه وقتله وتولى أخو الوالي أسد الدين شيركوه صوته ولم يزل في حمايته وعونه. قال وسمعت أسد الدين في سنة اثنتين وستين وهو يحكي إلى نصرته لعمي فلما كنت جالسًا في المحراب يومًا عنده وهو يقرأ من القرآن ورده فسمعت هاتفًا يقول: قد جعلك الله عزيزًا كما دافعت عن العزيز فالتفت غلي وقال: أعمل وأعلم. قال أسد الدين: فمن ذلك اليوم سمت همتي وتمت عزمتي وبدهاء عمك العزيز طمعت في مصر وان أصير عزيزها وحرصت على أن أملكها وأحرزها.
ذكر سبب وصولي إلى دمشق
قال: وكان انصرافي من بغداد ووصولي إلى الشام لا لقصد أحد من الكرام ولكن استوحشت هناك لفارط الاستدراك وذلك أن الوزير عون الدين يحيى بن محمد بن هبيره مال لفضله إلى فضلي واقتطعني إليه وولاني نيابته بالبصرة تارات وبوسط كرات وعرفت به فلما توفي في سنة ستين أقمت بغداد بعده وكل من هو إليه منسوب مكبوت ومكبوب وما طرقتني بحمد الله آفة ولا عرتني مخالفة وأنا إلى الفقهاء منقطع، وبالمناظرة وبالمباحثة معهم منتفع، ومنهم فقيه من أهل دمشق يصف طيب رياضها وبهجة جواهرها وأعراضها وصحة هوائها وقلة أمراضها فراقتني معرفته وشاقتني صفته فقلت أجعلها سنة فرجة أسافر لأسفار صبحي بسري دجله وأقصد إيناس قلبي وتنفيس كربي ورافقني وما فارقني حتى وصل بي إلى قرب دمشق فانقطع عني وساء بعد الإحسان به ظني فلم أدر في أي مطار طار والى أي مصير صار فبقيت غريبًا وحيدًا ولقيت من استيحاشي هما شديدًا وقلت لأصحابي: أضربوا لي خيمة عسى أن نعرف أحدًا يسدي يدا فقد رضينا بمصيف ومقيل بلا قيل وظل ولو انه غير ظليل.
وقد نمى خبري إلى بعض الصوفية فدخل إلى القاضي كمال الدين ابي الفضل محمد بن عبد الله بن القاسم الشهروزي وهو يومئذ قاضي دمشق وقال له فلان قد ورد البلد فبينا نحن في تحير وتفكر وتوهج وتسعر إذا جاء خواص القاضي وحجابه وعدول مجلسه ونوابه يعتذرون عن تأخره لأمر أناله وانه يخفي عنك سؤاله ويقول انزل حيث تختار النزول بالمدرسة فنزلت في المدرسة التي أنا الآن مدرسها وترددت إلى القاضي في محافل علمه ومجالس حكمه واستددلت واعترضت في الأصول والفروع على الأئمة الفحول. وعرف (١١٦٥) الأمير نجم الدين بالوصول فبعثته معرفة العم العزيز على التعرف بي فبكر إلى منزلي لتبجيلي وتحقيق تأميلي واستقبلته وأسرعت إلى بساط الأدب فقبلته وخدمته بهذه القصيدة في أواخر شوال سنة اثنتين وستين وأخوه أسد الدين شيركوه وولده صلاح الدين يوسف قد توجها في هذه السنة إلى مصر وهي النوبة الثانية.
قلت وأول القصيدة:
يوم النوى ليس من عمري بمحسوب ... ولا الفراق إلى عيشي بمنسوب
لم أنس أنسى بكم والشمل مجتمع ... وعيشتي ذات تطريز وتذهيب
أرجو إيابي إليكم ظافرًا عجلًا ... فقد ظفرت بنجم الدين أيوب
ومنها في ذكر أخيه وابنه وما تفرس من ملك مصر وقد تم ذلك بعد سنتين.
غدًا يشبان في الكفار نار وغى ... بلفحها يصبح الشبان كالشيب
ويستقر بمصر يوسف وبه ... تقر بعد التنائي عين يعقوب
ويلتقي يوسف فيها باخوته ... والله يجمعهم من غير تثريب
فأرجوا الإله فعن قرب بنصرته ... سيكشف الله بلوى كل مكروب
فصل

1 / 4

قال: كان شاور وزير مصر في أيام العاضد قد وصل إلى دمشق في سنة ثمان وخمسين يوم الخميس سادس شهر ربيع الأول ملتجأ إلى نور الدين فنصره على عدوه وسير معه أسد الدين شيركوه يوم الخميس العشرين من جمادى الأول سنة تسع وخمسين على قرار عينه وأمر بينه فمضى معه ونصره واسترد له موضعه وإعاده إلى مجلسه عادته وأظهره بعدوه فلما تمكن من منصبه قال لأسد الدين: اذهب فقد وقع عنك الغنى وغدر بعهده واخلف في وعده فأنف أسد الدين وأقام يتأسد ويبرق ويرعد. وكان شاور قد شاور الفرنج وهداهم في حرب الإسلام النهج فوصلوا بحميتهم وجمرتهم فتحصن شيركوه ومن معه بمدينة بلبيس وشاور في جنود مصر وحشودها والفرنج في قوامصها وكنودها. حاصروا ثلاثة أشهر فيها وهو يحميها حتى فلت جدودهم وملت جنودهم فبذلوا له قطيعة يأخذها منهم وينفصل عنهم وكانت المحاصرة في مستهل شهر رمضان إلى مستهل شهر ذي الحجة.
قال: وفي تلك السنة اغتنم نور الدين خلو الشام من الفرنج وقصدهم واجتمعوا على حارم فضرب معهم المصاف ورزقه الله الانتقام منهم وقتلهم وأسرهم ووقع في الاسار ابرنس انطاكية وقومص طرابلس وابن جوسلين ودوك الروم وذلك الحادي العشرين من شهر رمضان سنة تسع وخمسين وتسلم منهم بانياس. وعاد أسد الدين إلى الشام وجرى على عادته في خدمة نور الدين وفي قلبه من شر شاور الاحن وكيف تمت بغدره تلك المحن إلى أن دخلت سنة اثنتين وستين وخمسمائة فجمع وسار في أمل ووصل في سادس شهر ربيع الآخر إلى أطفح وعبر منها إلى الجانب الغربي وأناخ بالجيزة أقام عليها نيفًا وخمسين يومًا على محاذاة مصر واستعان شاور بالفرنج واستنجد بالكفر وفسح لهم في طروق الديار وجوس خلال الأمصار ورتبوا لهم بالقاهرة سوقًا أشاعوا كفرًا وفسوقًا وعبر بهم من البلاد الغربية إلى الغرب وساقوا لموافقته على الحرب فلما عرف أسد الدين عبورهم رحل قدامهم فقربوا منه في موضع يعرف بالبابين فعبى صفوفه أطال في الملتقى وقوفه وحشًا قلبه بأثقاله وجماله وطبوله وأعلامه ووقف جانبًا برجاله وأبطاله وظنوا انه في القلب وساق أكثرهم وراء المنهزمين ووقف الباقون وقوف المغيرين. وكان صلاح الدين واقفًا في صحبه في أبطال من حزبه فاغتنم خلو العرصة وانتهز بدو الفرصة وحمل على القوم وهم المقدمون فكسرهم وأسرهم وركب أكتاف فتاكهم وأعرى بيضه وسمره بهلاكهم وكان فيهم ملكهم وقد كاد يدركه ويدركهم. واجتمع إلى صلاح الدين من المفلولين جماعة فما شعروا إلا بالفرنج من وراء المنهزمين عايدة وكان ملك الفرنج في نفريسير وشاور معه وكاد يظفر به العسكر الإسلامي لكن الأصحاب (١٦٥ب) رأوا الفرنج عايدة اشتغلوا بهم وقتلوا منهم ومن تبعهم من المصرية ألوفًا وضايقوهم وأوسعوهم حتوفًا وحصل سبعون فارسًا من فرسانهم في الإسار وقيدوا في خرايم الذل والإقتسار ولما تمت لصلاح الدين النصرة أقام وجمع الفل وجاء عمه أسد الدين وساروا بمن معهم إلى الإسكندرية ودخلوها ووجدوا مساعدة أهلها وحلوها ثم قال أسد الدين: أنا لا يمكنني أن أحصر نفسي وجماعتي في البلد فأخذ العسكر وسار إلى بلاد الصعيد واستولى عليها وجبى خراجها وصام بها وأقام إلى انقضاء العيد، وأقام صلاح الدين بالإسكندرية متصنًا بها.
وأما شاور والفرنج فما كانت سلم منهم لمن سلم منهم قوة ولا نهضة وراء القوم مرجوة فعادوا إلى القاهرة وصمموا على قصد الاسكندرية فحاصروا صلاح الدين ودام الحصار شهورًا فما زاد المحصور على الحاصر الظهور وبلغ الحصار أربعة شهورًا وقوى أسد الدين بقوص واستنهض لقصد القوم العموم والخصوص فسمح الفرنج ذلك فرجعوا عن الحصار للخوف والاستشعار مما هو عليه من الاستظهار. وكان شاور قد استمال جماعة من التركمان الذين كانوا معه بالدينار. فلما راسلوا في المهادنة أجاب إلى القرار وطلب منهم عوض ما غرمه فبذلوا له خمسين ألف دينار ورجع صلاح الدين من الإسكندرية فقفلوا إلى دمشق ودخلوها بكرة يوم الاثنين ثامن عشر ذي القعدة وعادوا إلى عادة السعادة من الخدمة النورية والحسنى والزيارة.

1 / 5

قال: ولما دخل أسد الدين إلى دمشق عرف خبري فحضرت عنده للسلام وتلقاني بالإكرام والاحترام وكان يجلس كل ليلة للأفاضل وأكثر حديثه معي في تقريظ عمي العزيز وتأبينه ووصلني بمعرفته ومعروفه وخصني من عموم بره بصنوفه فخدمته بهذه القصيدة ليلة الجمعة السابع والعشرين من ذي القعدة سنة اثنتين وستين.
بلغت بالجد مالا يبلغ البشر ... ونلت ما عجزت عن نيله القدر
إسكندر ذكروا أخبار حكمته ... ونحن فيك رأينا كل ما ذكروا
ورستم خبرونا عن شجاعته ... وصار فيك عيانًا ذلك الخبر
يستعظمون الذي أدركته عجبًا ... وذاك في جنب ما ترجوه محتقر
قال: واتصلت بيني وبين صلاح الدين مودة ولم يزل يستهديني نظمي ونثري وأول ما خدمته بهذه الكلمة قلت ومن سردها:
نار قلبي لضيف طيفك تبدو ... كل ليل فيهتدي ويزور
كيف يصحو من سكره مستهام ... مزجت كأسه الحسان الحور
أورثته سقامًا الحدق النجل ... وأهدت له النحول الخصور
ولكم عودة إلى مصر بالنصر ... على ذكرها تمر العصور
فاستردوا حق المامة ممن ... خان فيها فانه مستعير
قال: وكان صلاح الدين في خدمة نور الدين المساعد والمعين وبهذه المعرفة السالفة من الأسلاف خصصت منه أيام دولته بالإسعاد والإسعاف.
ذكر دخولي في خدمة نور الدين
قال: عرفني إليه القاضي كمال الدين الشهروزي ورغبه في استثباتي وقرر لديه من حساب آمالي ما لم يكن في حسابي. وقال: لا بأس بان تكتب إليه أبياتًا ونحن نرجو لك في دولة ثباتًا وفي روضته نباتًا فأنشأت هذه القصيدة وعرضت من جانب القاضي وهي التي أولها
لو حفظت يوم النوى عهودها ... ما مطلت بوصلكم وعودها
ماذا جنت قوبنا حتى غدا ... في النار من شوقكم خلودها
لم أنسها إذا نثرت دموعها ... في خذها ما نظمت عقودها
إذا قربتني للوداع نحوها ... فبان في وصلها صدودها
كأسهم الرامي متى قربها ... يكون في تقريبها بعيدها
(١١٦٦) قال فرتبني في ديوانه منشيًا وذلك لاستقبال سنة ثلاث وستين قال: ودخلت سنة ثلاث وستين ورحل لملك العادل نور الدين ﵀ أقام بحمص أياما، ورتب بها أسبابًا وأحكاما، وخرجت معه ورآه ورحلت معه إلى حماه وأنزلني أسد الدين شيركوه في حماه وضرب لي خيمة بقربه وأنا أمضي كل يوم إلى الديوان مبكرًا ومما أقدم عليه فمن خدمة لا دربة لي بها مفكرًا على أن أهل ديوانه ينظرونني شذرًا ويعدون كثير ما عندي من الفضل نزرًا وكنت أظن أن صناعة الكتابة لا سيما الإنشاء صعب حتى قرأت كتب المصار والمراسلات الواصلة من ساير الأقطار فوجدتها في غاية من الركة وياليتها كانت بعبارات معسولة فتجرأت على الكتابة وغيرت تلك الأوضاع الوضيعة واخترعت أسلوبًا ما عرفوه والفت مصنوعًا ما ألفوه ووفيت بالبلاغتين، ونفيت الغش عن الصياغتين، وكتبت إلى الأعاجم وصارت نواب ديوانه يستغربون ويستهزئون ويهزمون وأرشدتهم من ضلالتهم فحكت نسج المداراه وما سلكت نهج المماراة حتى جرى بسكوني وسكوتي قلمي وعلا بمنار علمي ورجعوا إلي واجتمعوا على ولنا على مر الجديدين أتجدد في بناء النباهة واجعلوا بأسراري أسارير وجه الوجاهة وزاد نور الدين دنوي نورًا وملأت صبح دولته ووجه مملكته بما أمليه أسفارًا وسفورًا وتأكدت رغبته وتمهدت محبته وتكررت موهبته.
ولما أراد قصد حلب حل أسد الدين شيركوه قبله بأيام فوصى بي ابن أخيه صلاح اليدن وترك الخيمة المضروبة لي بما فيه من جميع الآلات فاقمت مدة مقامه أرافقه ولا أفارقه حتى مضى نور الدين إلى حلب ونزل في قلعتها في ذروتها ونزلت في مدرسة ابن العجمي وكان الشتاء كالحًا يابسًا ووجه الدهر عابسًا وكنت أتردد إلى صلاح الدين في منزله واسترسل إليه في تفاصيل أملي وجمله واستدعى مني أن اعمل له أبياتًا في الشوق يرصع بها كتبه إلى من يشتاقه ويحبه فمنها ما نظمته له:
وحرمة الود الذي بيننا ... ومالنا من كرم العهد
ما نفضت عهدي لكم جفوة ... ولا أحالت حالة ودي
ولا تغيرت ويأبى الهوى ... ذلك في قرب وفي بعد

1 / 6

عاد الحديث إلى ما تجدد لنور الدين قال: واتفق أن صاحب منبج ابن حسان ارتكب العصيان إليه من حاصره وانتزعها منه ثم تمكن عنه وتوجه إليها لتهذيب أحوالها وترتيب أعمالها وسار منها إلى قلعة نجم وعبر الفرات إلى الرها وانتظم بأمرها وكان بها قطب الدين ينال بن حسان عم غازي صاحب منبج فنقله إليها مقطعًا وواليًا وأعاد ذلك الصفح بايالته حاليًا وأقام بها مدة في قلعتها ومدحته بهذه الكلمة وتحجب لي في عرضها عنده صلاح الدين وتحجب لي في عرضها عنده صلاح الدين قلت ومن هذه الكلمة قوله:
ماصين عنك الصين لو حاولتها ... والمشرقان فكيف منبج والرها
ماللملوك لدى ظهورك رونق ... فاذا بدا شمس الضحى خفى السها
قال: وعدنا إلى حلب في شهر رجب وضربت خيمة نور الدين في رأس الميدان الأخضر، وكان مولعًا بضرب الكرة وربما دخل الظلام فلعب بها بالشموع ويركب صلاح الدين مذكرًا كل بكرة وهو عارف بآدابها في الخدمة وشروطها المعتبرة. واقطعه في تلك السنة ضيعتين إحداهما من ضياع كفر طاب مدكين والأخرى من ضياع حلب وزردنا وزعم انه بلغ به المنهى في المنى.
ذكر أسد الدين والأنعام عليه بحمص
قال: ولما كان ثغر حمص اخطر الثغور تعين أسد لدين لحمايته وحفظه ورعايته لتفرده بجده واجتهاده وبأسه وشجاعته فانعم نور الدين عليه بها فسار إليها وضبط أمورها وكان (١٦٦ب) نور الدين قد جدد سورها وسأله في السلو عن حب مصر وشرط على نفسه الحمل في كل سنة وكان لما أراد أسد الدين الانفصال عن الديار المصرية وصلاح الدين عن الإسكندرية اجتمع الكامل بن شاور بشهاب الدين محمود خال صلاح الدين وقال له: أوصل إلى نور الدين سلامي وعرفه شغفي بخدمته وغرامي وأنا أتوسط في جمع الكلمة ورد هذه القلوب المتبددة إلى عقود القلوب المنتظمة، والتكفل بما احمله من مالي على وجه الهدية اقصد بها سلامة البلاد والرعية فلما وصل شهاب الدين محمود أعاد على نور الدين مقاله وذكر سؤاله وسأله مكاتبة الكامل والرضا بما التزم به التزام الكافي وكان دخولي إليها يوم الأربعاء ودخلناها يوم الخميس.
ذكر توجه فخر الدين شمس الدولة تورانشاه بن أيوب
من مصر إلى بلاد اليمن مستهل رجب سنة تسع وستين قال كان فخر اليدن اخوة صلاح الدين وقد شاع صيت مروته، وكان لا يفي موجود مصر بجوده ورأى أن حظه من قوص منقوص ولم يرضه ارض تضيق عن سما سماحته فسمت همته وتصممت عزيمته، وكان بمصر شاعر من اليمن يقال له عمارة ولم يزل يمدحه ويكثر فيه المدح ويحثه على ملك اليمن ويرغبه فيه. ولما اشتد عزمه واحضر عسكره ورحل مستهل رجب ووصل السير باليسرى وفلا الفلا وجاز أجوازها وعان بالوصول إلى مكة ثم خلف وراءه غور الأرض ونجدها وحجازها واستدل بسعادته ونحا البيد نحو زبيد فغلب عليها وقبض على عبد النبي الخارجي وسلمه إلى نايبه الأمير سيف الدولة المبارك بن منقذ فرأى أن مصلحة الملك في هلكه فأراده وشمس لدولة غايب، ومضى إلى عدن وفيه ياسر الأمير عز الدين عثمان الزنجيلي واستنابه وفتح القلاع ومنح ملكًا عظيمًا وفتح اقليمًا وافترع بكرًا وخلف ذكرا.
قال: واما سيف الدوية ابو الميمون المبارك بن كامل بن منقذ المستناب في زبيد فانه كان من الكرماء الكفاه وذوي الآراء والدهاة والحمس الكماة ولم يزل بشيمته متكرمًا وبحسن الذكر متوسمًا دأبه والفضل شرعه والأفضال صنعه ومن شعره.
لما نزلت الدير لصاحبي ... قم فاخطب الصهباء من شماسه
فأي وفي يمناه كأس خلتها ... مقبوسة في الليل من نبراسه
وكأن ما في كأسه في خده ... وكأن ما في خده من كأسه
قال: وفي هذه السنة كان تسيير نور الدين المهذب أبا الحسن على ابن عيسى بن النقاش إلى الديوان العزيز للأعلام بمسير شمس الدولة إلى اليمن لأخذها والبشارة بكسر الروم ثانية وفقدهم كلمان وكان قديمًا أسيرا عند نور الدين من نوبة حارم وفداه بخمسة وخمسين ألف دينار وخمسمائة وخمسين ثوب أطلس وهو أسير من أسيرا معه إسراء في الروم وذلك في شعبان سنة تسع وستين.

1 / 7

قال: وكان المهذب النقاش كنعته مهذبًا وبآرائه للدول مرتبًا، وهو من أهل بغداد وقد سافر إلى الشام وشاع صيته بالفضل لا سيما في علم الطب ومعرفته ونفق عليه نور الدين وأقطعه ضيعة وملكه أخرى، وكل طبيب في الشام يستحجج الآن بأنه تلميذه، وعرض جاهه وتقاصر عنه أشباهه ونجح سعيه لنور الدين في مرضاته ونجح سؤله للفوز بمرضاته وصار له عنده وخروج دخول ورأى مقبول وسعى بالنجاح مكفول فندبه نور الدين في هذه السنة للسفارة.
قال: وكلف نور الدين في هذه السنة بإفادة الألطاف والزيادة في الأوقاف وتكثير الصدقات، وتوفير النفقات وتعفير آثار الأيام وإسقاط كل ما يدخل تحت شبه الحرام. وأمر تكتب مناشير لجميع البلاد بإطلاق الطراف من الرسوم والتلاد فما أبقى سوى الجزية والخراج وما يحصل من قسمة الغلات على قوايم المنهاج. وحسبنا ما تصدق به على الفقراء في تلك الأشهر فزاد على ثلاثين ألف دينار من الذهب الأحمر قال: وكان إذا أمر بصدقة غلة أو ذهب تقدم خازنه بإحضار جماعة من أماثل البلد وعدوله من أهل كل محلة فيقول لكل واحد: كم تعرف في جوارك من ذي إضافة وصاحب فلقه (١١٦٧) ومستحق ومقتر ومعيل وغيرهم فيقول: أعرف كذا وكذا فيسلم إليه صدقات أولئك الأعداد حتى يستقرئ بالسؤال جميع الحاضرين من الأمجاد ثم يأتيه كل منهم ثبت بما فرقه.
قال: وكان برسم نفقته الخاص في كل شهر من جزية أهل الذمة مبلغ ألفى قرطيس في كسوته ونفقته ومأكوله ومشروبه وحوائجه المهمة حتى أجرة خياطه وخيطه وإبرته وجامكية طباخه وقدره ومعرفته من ذلك المقرر المعين النزر ثم يستفضل ما يتصدق به في آخر الشهر ويفضه على المساكين وأهل الفقر. وأما ما يهدى له من الثياب والألطاف والبرود والأفواف وهدايا الملوك من المناديل والسكاكين والمهاميز والدبابيس وكل كثير وقليل ودقيق وجليل لا يتصرف في شيء منه بل يعرض بنظره عنه وإذا اجتمع يخرجه إلى مجلس القاضي ليحصل أثمانها الموفورة ويصرفها في عمارة المساجد الهجورة. وأمر بإحصاء ما في محال دمشق من مساجد هجرت وخربت فأفاق على مائة مسجد وموضع يتبرك به ومشهد فأمر بعمارة ذلك كله وعين له وقوفًا وأدنى له من جهات استثمرها قطوفًا. قال: ولو اشتغلت بإحصاء وقوفه وصدقاته في كل بلد لطال الكتاب ولم أبلغ إلى أمد ومشاهدة أبنيته الدالة على خلوص نيته يغني عن خبرها بالعيان، ويكفي أسوار البلدان فضلًا عن المدارس والربط. وواظب على عقد مجالس الوعاظ وأكبرهم قطب الدين النيسابوري وهو شغوف ببركة أنفاسه المنبر وشاقه وعظه وراقه لفظه، وكذلك وفد إليه الفقيه شرف الدين عبد المؤمن بن شوروه ونال منه الحظوة وما أيمن تلك الأيام وأبرك تلك الشتوة.
قال: وفي يوم الاثنين رابع شهر رمضان ركب نور الدين على العادة وكنا نحن في إيوانه وكل منا متفرغ لشغله آخذ في شأنه فجاءني من اخبرني أن نور الدين نزل إلى المدرسة التي تتولاها وبسط سجادته في قبلتها لسنة الضحى وصلاها فقمت في الحال فلقيته في الدهليز خارجًا لما رآني توقف فقلت له: أن الموضع قد تشرف أما تراه انه من أيام الزلزلة كيف تشعث فقال: نعيده إلى العمارة، ثم حملت إليه وجوه سكر وشيئًا من ثياب وطيب وعنبر وكتبت معها.
عند سليمان على قدره ... هدية للنمل مقبولة
لا تقصر الملوك عن نملة ... عندك والرحمة مأمولة
رقى لمولانا وملكي له ... وذمتي بالشكر مشغولة
قال: ورأى محراب المدرسة غير مفصصة فنفذ لعمارتها فصوصًا مدهبة وذهبا ثم حم مقدور حمامه دون إتمامه. ووقعت إلى الموصل فرأيته ليلة في المنام يقول: الصلاة فلما انتبهت عرفت انه أشار إلى المحراب وانه الآن على هيئة الخراب فكتبت إلى الفقيه الذي كان الذهب عنده مودعًا أن يشرع في عمارته مسرعًا فلما عدت إلى دمشق في الأيام الصلاحية دخلتها يوم فراغ الصانع من عمارة المحراب وفزت من الغنيمة بحسن الإياب.
ذكر تفويض شحنكية دمشق
إلى القاضي كمال الدين الشهرزورى ﵀

1 / 8

قال: ولما اسقط نور الدين الجهات المحظورة عزل الشحن وصرف عن الرعية بصرفهم المحن وقال للحاكم انظر أنت في العوادي وما يجري فيها من الدعاوى وميز بين المحاسن والمساوئ واحمل الأمور فيها على الشريعة فرتب على بابه حاجبه أبا نصر وأمره بما يصلح في كل أمر وحمل للخزانة من عنده من الأطلس مائة ثوب وأراد الخالص فلم يخل من شوب، ولم يكن كمال المواريث الحشرية حاصل ولا لديونه طائل فجعل نور الدين ثلث ما يحصل من الحشرى للقاضي كمال الدين فوضحت حواده وصحت مواده وكان من قبل لا يخلو الحشرى من وصية يثبت محضرها وقضية يحرر موردها ومصدرها، ودين يدعى وجانب يرعى فلما صار ثلثه للقاضي أزال نوابه نوايبه وصرفوا عنه شايبه ووفروه وكثروا وأعذبوه عده (١٦٧أ) وأعزروه وما كان نور الدين يحاسب القاضي على الوقوف وقال: أنا قد قلدته أن يتصرف بالمعروف وما فضل من مصارفها وشروط واقفها يأمره في بناء الأسوار وحفظ الثغور وكانت دولته نافذة الأوامر منتظمة الأمور.
عاد حديث مصر وما دبره صلاح الدين قال: ولما رسول نور الدين وهو الموفق خالد أطلعه على كل ما فيه، أحصى له الطريف والتالد وقال: هؤلاء الأجناد فأعرضهم واثبت أخبارهم وتأمل اعتبار إقطاعياتهم ومقادير واجباتهم ولا يضبط مثل هذا الإقليم إلا بآمال العظيم، وشرع في جمع مال يسيره ويحمله بجهد ويبذله وقال: الموارد مشفوهة والشدايد مكروهة وحصل لخالد ما لم يحصل في خلده وجاء مطرف غناه أضعاف متلده.
قال: واجتمع جماعة من دعاة الدولة المصرية وتوازوا واعتقدوا منية عادت عليهم بالعقبي منية، وعينوا الخليفة الوزير، وأحكموا الرأي والتدبير وكان عمارة اليمني الشاعر فيهم عقيدتهم ودعا للدعوة قريبهم وبعيدهم وكانوا قد ادخلوا عدة من أنصار الدولة الناصرية في جملتهم وكان الفقيه الواعظ زين الدين علي بن نجا يناجيهم فيما زين لهم من أعمالهم ويدخلهم مطلعًا على أحوالهم فجاء واطلع صلاح الدين على فسادهم وطلب ما لابن كامل الداعي من العقار والدور وكل ماله من الموجود والمدخور فبذل له صلاح الدين كل ما طلبه وآمره بمخالطتهم فصار أمرهم يقوى وحديث حادثهم يروى فأمر صلاح الدين بإحضار مقدميهم واعتقالهم لإقامة السياسة فيهم. وصلب يوم السبت ثاني شهر رمضان جماعة منهم عمارة ورجل يعرف بالعويرس وآخر بعبد الصمد وآخرون وانقطع حديثهم وهلك جريرهم وبعيثهم. وكان منهم داعي الدعاة ابن عبد القوي وكان عارفًا بخبايا القصر وكنوزه وخفايا السر ورموزه فهلك دون إخفائها وباد ولم يسمح بإبدائها وبقيت تلك الخزائن مدفونة وتلك الدفاين مكنونة وقد دفن دافنها وخزن تحت الثرى خازنها إلى أن يأذن الله في الوصول إليها والاطلاع عليها.
قال وهذه لمع من شعر عمارة فمنها قوله في قصيدة:
ملك إذا قابلت بشر جبينه ... فارقته والبشر فوق جبيني
وإذا لثمت يمينه وخرجت من ... إيوانه لثم الملوك يميني
ومنها قوله في شمس الدولة تورانشاه بن أيوب من قصيدة.
لي في هوى الرشاء العذري عذرًا ... لم يبق لي مذ أقر الدمع أزكار
لي في القدود وفي لثم الخدود وفي ... ضم النهود لبانات واوطار
هذه اختياري فوافق أن رضيت به ... أو لا فدعني وما أهوى واختار
أول كتاب فاضلي من صلاح الدين إلى نور الدين: أدام الله تعالى سلطان المولى الملك العادل نور الدين وحرس من النعم ما خوله وأنهضه بالأمر الذي حمله وحمى من الكدر منهله وصان من الغير منزلته ومنزله ولا زالت الأيام مطايا إلى بلوغ الأماني واكتب تتفاتح إليه بمعاني التهاني وزمانه مسفرًا عن نيل المراد في أهل الإلحاد وإقامة حدود الله فيهم بالغرامات الشدد والسيوف الحداد.
قال: وأمر نور الدين ولده الملك الصالح إسماعيل يوم عيد الفطر واحتفلنا لهذا الأمر وغلقت محال دمشق أيامًا وبنيت القصور طباقًا وكل منهم رتب المغاني بأغاني وطيب الأوطان بتهادى التهاني وعاش معبد والغريض وشاع النشيد والقريض واتفق الطهر في أيام الورد وعصر طرده للبرد.
قال: ونظمت في الهناء بالطهر والعيد قصيدة أولها.
عيدان فطر وطهر قريب ونصر ... كلاهما لك فيه حقًا هناء وأجر

1 / 9